مصر بلد الأنبياء والمرسلين والصالحين



بقلم الشيخ محمد رجب أبو تليح الأزهرى عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف

المقال الثانى من سلسلة :  مصرنا فخرنا وعزنا 

 إن مصرَ أرضٌ مباركةٌ، قد شرفها الله بإقامة الأنبياء والمرسلين، ونزول الوحي على أرضها، وارتواء قلوب الصادقين من ينابيع الإيمان فيها. فما أكرمَها من بلادٍ، وما أجلَّها من ديارٍ! فقد كانت مهبطَ رحمةٍ، ومثوى نبوةٍ، وموطنَ صدقٍ وإخلاصٍ، لا تزال آثارُ أولي العزم من الرسل تتجلى في أنحائها، وتشرق أنوارُهم بين ربوعها.

ومن الأنبياء الذين كانوا بمصر: إبراهيم الخليل، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف بن يعقوب، وأبناؤه الاثنا عشر سبطًا، الذين كانوا أسباطَ بني إسرائيل، فكانت مصرُ لهم مأوىً بعد الضيق، وملجأً بعد الشتات، حين قال ملكها عن يوسف عليه السلام: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} [يوسف: ٨٥]، فاستقرّوا في كنفها، وازدهروا في ظلّها، حتى إذا جاء أمرُ الله، خرجوا منها مع موسى وهارون عليهما السلام؛ وقد وُلد بمصر، كما وُلد فيها: يوشع بن نون، ودانيال، وأرميا، ولقمان الحكيم، كما ذكر ابن زولاق رحمه الله، وزارها وأقام فيها الروح عيسى عليه السلام.

فمصرُ إذًا مهدُ النبوة، ومحضنُ القداسة، ومنشؤُ المسيح عليه السلام، ولما سار منها إلى الشام، مشى تحت ظلال جبل المقطم، مرتديًا جبةَ صوفٍ، مربوطَ الوسطِ بشريطٍ، وأمه خلفه، فلمّا التفت إليها قال: «يا أمّه، هذه مقبرةُ أمة محمد»، فبشرٌ بذلك بخبر سابقٌ، وعلمٌ غيبيٌّ، وصدقٌ لا يُمارى فيه.

وكذلك ممن كان بمصر من الصديقين والصديقَات: مؤمنُ آل فرعون، الذي كرّر الله ذكرَه في القرآن، ووصفه بالحكمة والرشد، وقد قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: «اسمه حزقيل»، وقيل: إنه ابن فرعون لصلبه، وقيل: عمه . آمن بموسى، فآواه الله، وحفظه، وكذلك الخضر عليه السلام، الذي اختلف في مكان وجوده، لكن كثيرًا من الأخبار تشير إلى ظهوره في أرض النيل.

ومن أعظم الفضائل التي تفرد بها أهلُ مصر: أن السحرة الذين أحضرهم فرعونُ لمنازعة موسى عليه السلام، وكان عددهم مائتين واثنين وثلاثين ألف ساحر، كما قيل، كلُّهم آمنوا في ساعةٍ واحدةٍ، فما أسرعَ استجابتهم للحق، وما أعظمَ إيمانَهم بعد السحر! ولا يُعلم أن في تاريخ البشرية كلّها من آمن في لحظةٍ واحدةٍ أكثرُ منهم. ثم إن أحدًا من أهل مصر لم يفتن بعبادة العجل، رغم ما أصاب بني إسرائيل منها.فطهارةُ الأرضِ تنعكسُ على سكانها، وبركةُ المكانِ تحمي أهله من الفتنة.

ومن الصديقاتِ اللواتي أشرقنَ في سماء مصر: آسيةُ امرأةُ فرعون، التي آثرت عذابَ الدنيا على رضا الطاغوت، و كذلك أمُّ إسحاق، ومريمُ ابنةُ عمران، وماشطةُ بنت امرأة فرعون، التي مشطها فرعونُ بأمشاط الحديد حين آمنت بموسى عليه السلام، فروى النبي صلى الله عليه وسلم: «شممتُ ليلةَ أُسري بي في الجنةِ رائحةً ما شممتُ أطيبَ منها، فقلتُ: يا جبريل، ما هذا؟ فقال: هذه رائحةُ ماشطةِ بنتِ فرعون». فما أعظمَ ثوابَ الصابرين، وما أكرمَ جزاءَ المؤمنات!

وقد صاهر الأنبياءُ أهلَ مصر، فإبراهيمُ الخليلُ تزوّج هاجرَ أمَّ إسماعيل، ويوسفُ تزوّج بنتَ صاحبِ عين شمس، وتزوّج زليخا بعد أن ردّ الله عليها بصرَها وشبابَها، ورزق منها الولد. ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم تسرّى ماريةَ القبطية، التي أهداها إليه المقوقسُ من مصر، فولدت له إبراهيمَ عليه السلام، فكانت مصرُ أمًّا لابن خير البرية.

وكانت مصر وأهلها في قلوب آل بيت النبي ﷺ يروى أنه لما التقى الحسينُ بن عليٍّ عليه السلام والرضوان بمعاوية، قال له: «إن أهلَ حفنَ بصعيد مصر ، – وهي قريةُ ماريةَ أم إبراهيم – فأسقط عنهم الخراجَ إكرامًا لرسول الله ﷺ »، فاستجاب معاويةُ، إجلالًا للنبي، وتكريمًا لأرضٍ أنجبتْ من أنجبتْ من الصالحين والصديقين العظماء.

فيا أرضَ النبوة، يا مهدَ الصديقين، يا مأوى الأنبياء، يا مصرَ الخيرِ والبركة، ما أكرمَكِ في كتاب الله، وما أجلّكِ في سنة رسوله! أنتِ التي تُرفعُ بك الأقدار، وتُباركُ فيك الآثار، وتُحفظُ فيك الأمانة، فلا تزالين عزيزةً، مؤيدةً، محفوظةً بإذن الله، فخيرُ البلادِ ما حفظه الله، وخيرُ العبادِ من عبدَه، وأنت خير البلاد.