ما وراء المعجزة رسالة أخلاق في زمن الاضطراب «الإشارات السلوكية في رحلة الإسراء والمعراج»


بقلم د. ميرنا يونس

 

ما وراء المعجزة رسالة أخلاق في زمن الاضطراب «الإشارات السلوكية في رحلة الإسراء والمعراج»

ليست رحلة الإسراء والمعراج حدثًا تاريخيًا يُستدعى للدهشة العابرة، ولا معجزة تُروى لإثبات القدرة الإلهية فحسب، بل هي خطاب تربوي وسلوكي متكامل، صاغ الله به وجدان الأمة، وأعاد به بناء الإنسان من الداخل.

ففي تلك الليلة المباركة، لم يكن المقصود أن يرى النبي ﷺ الآيات الكبرى فقط، بل أن تُرسَّخ القيم في صورة مشاهد، وتُغرس الأخلاق عبر إشارات، وتُهذَّب النفوس من خلال التجربة لا الخطاب المجرد؛ إنها رحلة تصحيح للمسار الإنساني، حين تختل الموازين، وتضعف القيم، وتغلب المظهر على الجوهر…

وكانت أولى الإشارات السلوكية في رحلة الإسراء والمعراج أن الانكسار ليس نهاية الطريق (من الانكسار إلى الاصطفاء)

حيث جاءت رحلة الإسراء والمعراج بعد عام الحزن، بعد فقد السند، وموت النصير، وبعد أن أُغلقت في وجه النبي ﷺ أبواب الأرض، وسُفكت عليه الأحجار في الطائف. وهنا تبرز إشارة سلوكية فارقة: أن الانكسار ليس نقيض الكرامة، وأن الشدة ليست علامة خذلان، بل قد تكون بوابة الاصطفاء، فالسلوك الإيماني الحق يتجلى عند الضيق، حين لا ينكسر القلب، ولا يتبدد اليقين، ولا تتحول المحنة إلى قسوة أو انتقام…

فهي رسالة لكل إنسان، لا تجعل الألم مبررًا لسوء الخلق، ولا الفشل ذريعة لفساد السلوك، فربّ جرح قاد إلى سماء…

وثانيها: قدسية المكان وصناعة الوعي السلوكي:

لم يكن الانتقال من مكة إلى أي بقعة، بل إلى المسجد الأقصى، ليُربط الإيمان بالمكان، والعقيدة بالمسؤولية… فالسلوك الإسلامي ليس فرديًا منعزلًا، بل وعيٌ بالقداسة، وارتباط بالقضايا الكبرى، وإحساس بالانتماء إلى أمة ورسالة،
وفي هذا إشارة سلوكية إلى أن التفريط في المقدسات ليس مجرد خسارة أرض، بل انهيار في القيم، وأن ضعف الارتباط بالهوية ينعكس مباشرة على السلوك، فيتحول التدين إلى شكل بلا روح…

وثالثها: وحدة الرسالة وأخلاق القيادة:
حين استقبل الأنبياءُ النبيَّ ﷺ، ثم صلى بهم إمامًا، تتجلى مدرسة أخلاقية في القيادة، تواضع مع الاصطفاء، ووحدة رغم اختلاف الأزمنة، وتكامل دون تنازع…
فالقائد الحق لا يُلغِي من سبقه، ولا يتعالى بفضله، بل يُكمل المسيرة ويجمع القلوب…

وهنا درس سلوكي للأمة كلها أن الخلاف لا يبرر التناحر، وأن التنوع لا يعني التباغض، وأن القيادة خُلُق قبل أن تكون موقعًا…

ورابعها: المشاهد التربوية وبناء الضمير:

لم تكن مشاهد الثواب والعقاب في المعراج للترهيب المجرد، بل لتشكيل الضمير السلوكي، فهناك أناس تُقرض شفاههم لأنهم يقولون ما لا يفعلون، وآخرون يُعذَّبون بسبب الظلم وأكل الحقوق …

فهي رسالة واضحة أن الأخلاق ليست هامشًا في الدين، بل جوهر الحساب…
فاللسان، والمال، والسلوك اليومي البسيط، كلها معايير وزن عند الله، وأن العبادة التي لا تنعكس صدقًا وعدلًا ورحمة هي عبادة ناقصة الأثر…

وخامسها: الصلاة … عمود السلوك الإنساني:

فُرضت الصلاة في السماء، لا في الأرض، لتكون معراجًا يوميًا للسلوك، لا مجرد حركات مكررة؛ فهي مدرسة للانضباط، ومحراب لتزكية النفس، وسياج يحفظ الإنسان من الفوضى الأخلاقية. وكل خلل في السلوك، مرده خلل في الصلة بالله…

وفي التخفيف من عدد الصلوات، تتجلى رحمة التشريع، وقيمة التوازن، وقبول النصيحة، والتيسير دون تفريط. إنه درس نبوي في القيادة الرحيمة، وفي فهم طبيعة الإنسان دون قسوة أو تشدد.

وأخيرًا وليس أخرًا: من المعجزة إلى المنهج:

الإسراء والمعراج ليسا قصة إعجازية تُعلَّق في الذاكرة، بل منهج حياة يعلمنا أن القرب من الله يصنع إنسانًا أرقى خُلقًا، وأصدق تعاملًا، وأعمق وعيًا، وأن الارتقاء الحقيقي ليس في اختراق السماوات، بل في تهذيب النفس، وضبط السلوك، وبناء الإنسان الصالح في واقع مليء بالتحديات…

فرحلة الإسراء والمعراج رسالة متجدّدة لكل زمان؛ أن من ضاق به الأفق، فليوسّع قلبه بالإيمان، ومن أثقلته الأرض، فليحلّق بأخلاقه قبل أن يطلب العلوّ بمكانته… فما أحوجنا اليوم إلى استلهام إشاراتها السلوكيّة، لنُعيد ترتيب علاقتنا بالله، وبالناس، وبأنفسنا، فنكون أقرب إلى روح هذه الرحلة المباركة، وأصدق في ترجمتها واقعًا وسلوكًا… فهناك في سموّ الأخلاق، يبدأ المعراج الحقيقي.

وعليه؛ فإن الإشارات السلوكية في رحلة الإسراء والمعراج تكشف لنا أن هذا الدين لم يُبعث ليُدهش العقول فحسب، بل ليُهذّب القلوب، ويقيم ميزان الأخلاق في زمن اختلت فيه القيم؛ فهي دعوة مفتوحة لكل إنسان أن يحوّل الإيمان من فكرة إلى سلوك، ومن عبادة إلى أثر، ومن ذكرى إلى منهج حياة…
فمن أراد أن يَسري إلى الله، فليبدأ بسلوكه، ومن أراد أن يَعرج بروحه، فليُزكِّ أخلاقه؛ فإن أقصر طريق إلى السماء قلب مستقيم وسلوك مهذب.