
بقلم الشيخ: الشاذلي حجاج عبد الباسط العبادي
عضو الإدارة المركزية لشئون المساجد والقرآن الكريم بديوان عام وزارة الأوقاف
لم يتعامل القرآن الكريم مع الجهل بوصفه فراغًا معرفيًا فحسب، بل قدّمه باعتباره خللًا في الفهم، واضطرابًا في ميزان الإدراك، وسوءًا في تنزيل المعاني على مقاصدها الصحيحة.
ومن هنا جاءت المعالجة القرآنية للجهل معالجةً تربوية ومنهجية، لا تعليميةً مجردة؛ إذ إن كثيرًا من صور الانحراف الديني والتشدد الفكري لا تنشأ عن غياب النص أو ندرة العلم، وإنما عن فقدان الفقه العميق والفهم الرشيد.
ويكشف الاستقراء القرآني أن الجهل قد يُوصَف به من امتلك المعرفة إذا لم تُثمر فهمًا ولا بصيرة. قال تعالى:(يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون)، فهذه معرفة لم تُفضِ إلى هداية، وعلم لم يتحول إلى وعي، مما يدل على أن العلم إذا انفصل عن الفهم قد يصبح أداةَ ضلال بدل أن يكون وسيلةَ رشد.
ومن هذا المنطلق يقرر القرآن أن الهداية لا تتوقف على مجرد إقامة الدليل والتمسك بالنص عاريا عن الفهم، بل على سلامة الاستعداد العقلي والنفسي لتلقيه والفهم السديد الرشيد فتدبر قول الله تعالى:( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون) ؛ فالآية لا تنفي قيام الحجة والدليل القاطع والبرهان الساطع، وإنما تكشف أن الجهل هو الحاجز الحقيقي أمام الإيمان، جهلٌ يعطل الفهم، ويغلق منافذ التدبر، ويحوّل الحق الواضح إلى قضية قابلة للإنكار والرفض.
ويزداد المعنى وضوحًا في خطاب الأنبياء لأقوامهم حين واجهوا مظاهر الغلو والتشدد والانحراف والتعصب، فكان الوصف القرآني الحاسم:(وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون) وهذا التوصيف لا يُراد به انتقاص العقول، وإنما تشخيص الداء؛ إذ إن الجهل هنا هو الجهل بحقائق الدين، وبمآلات الأفعال، وبميزان العدل والرحمة الذي قامت عليه الرسالات
ومن هذا الجهل تولّد التشدد، ونشأ التعصب، وتحول التدين من سكينة وهداية إلى صدام وإقصاءوتطرف
ويؤكد القرآن أن العلاج لا يكون بتكثير المعلومات ولا بتضخيم الحفظ النصي، وإنما بإحياء الفقه الذي هو ثمرة العلم وغايتُه قال تعالى:(فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)، فجعل الفقه شرطًا في سلامة الفهم، ومناطًا في حسن التنزيل، وقد جمع النبي-صلى الله عليه وسلم – هذا المعنى في دعائه لابن عباس رضي الله عنهما: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، فدل على أن العلم بلا فقه قد يقود إلى الغلو، كما أن الفقه بلا حكمة قد يفضي إلى اضطراب في المواقف.
ومن أخطر صور الجهل التي يشير إليها الخطاب القرآني ضمنًا ما يمكن تسميته بالجهل المركب؛ وهو أن يظن المرء أنه على علم، بينما هو في الحقيقة أسير فهمٍ قاصرٍ ومنهجٍ مختل وهذا اللون من الجهل هو البيئة الخصبة للتطرف وظهور جماعات التشدد والغلو، حيث تُرفع الشعارات الدينية، ويُستدعى النص، ويُغيَّب المقصد، فيتحول النص من مصدر هداية إلى أداة صراع.
ويقوم المنهج القرآني في مواجهة الجهل على بناء متكامل يجمع بين العلم والتدبر والحكمة. قال تعالى:(أفلا يتدبرون القرآن…)، وقال سبحانه:(يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب)؛ فالتدبر يحرر النص من الجمود، والحكمة تضبط الفهم من الانحراف، وبهما يتحقق التوازن الذي يحول دون الغلو والتشدد.
وخلاصة القول: إن الجهل في المنظور القرآني ليس نقيض المعرفة فحسب، بل هو نقيض الفهم الرشيد والفقه العميق، ومن ثم فإن مواجهة التطرف الفكري لا تكون بإدانة النصوص، ولا بمحاربة التدين، وإنما بإحياء العقل الفقهي الوسطي الذي يُحسن الفهم، ويضبط التنزيل، ويستوعب مقاصد الشريعة، فيبقى الدين مصدر رحمة وهداية، لا ذريعة غلو وصدام.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف