
بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف
المصلحة المرسلة عند الأصوليين
المصلحة لغة هي: المنفعة وزناً ومعنى، سواء بجلبها أو دفع مضرة، وفي الاصطلاح تنقسم المصلحة إلى ثلاثة أقسام:
أولاً: المصلحة المعتبرة، وهي: التي شهد لها الشارع بالاعتبار، وشرع لها الأحكام الموصلة إليها، كحفظ الدين والنفس والعقل والعِرض والمال؛ فقد شرع الشارع الجهاد لحفظ الدين، والقصاص لحفظ النفس، وحد شرب الخمر لحفظ العقل، وحد الزنا لحفظ العرض، وحد السرقة لحفظ المال.
ثانياً: المصلحة الملغاة، وهي: التي شهد لها الشارع بالإلغاء، كمصلحة الأنثى في مساواتها لأخيها في الميراث فقد ألغاها الشارع بدليل قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}[النساء: 11]، ومصلحة المرابي في الربا لزيادة ماله فقد ألغاها الشارع بقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}[البقرة: 275]، ومثل مصلحة الجبناء القاعدين عن الجهاد في حفظ نفوسهم من الهلاك فقد ألغى الشارع هذه المصلحة المرجوحة.
ثالثاً: المصلحة المرسلة، وهي: ما سكت عنها الشارع؛ أي التي لم يرد نص من الشارع باعتبارها أو إلغائها، وسميت مصلحة لما فيها من جلب نفع أو دفع ضرر، وسميت مرسلة؛ لأنها مطلقة عن اعتبار الشارع أو إلغائه، مثل: مصلحة جمع القرآن، وتدوين الدواوين، وتضمين الصناع، وقتل الجماعة بالواحد؛ فهي إذاً تكون في الوقائع المسكوت عليها وليس لها نظير منصوص على حكمه حتى نقيس عليها، وفيها وصف مناسب لتشريع حكم معين من شأنه أن يحقق منفعة أو يدفع مفسدة.
العمل بالمصلحة المرسلة على النحو التالي:
1ـ في العبادات لا خلاف بين العلماء في أن العبادات لا يجري فيها العمل بالمصالح المرسلة؛ لأن أمور العبادات سبيلها التوقيف فلا مجال فيها للاجتهاد والرأي.
2ـ المعاملات وفي العمل بها خلاف بين العلماء، فأنكر حجيتها: الحنفية والشافعية، وقال بالأخذ بها واعتبارها حجة شرعية: الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل، وقال باعتبارها الإمام الغزالي بشرط أن تكون مصلحة ضرورية قطعية كلية.
والراجح هو القول الثاني الذي قول بالعمل بها في المعاملات، ويؤيد هذا الترجيح ما يلي:
1ـ أن الشريعة ما وُضِعت إلا لتحقيق مصالح العباد، ودل على ذلك نصوص الشريعة وأحكامها المختلفة، فالأخذ بالمصلحة المرسلة يتفق وطبيعة الشريعة، وصرح بذلك غير واحد من علماء الأمة كالشاطبي والعز بن عبد السلام وابن القيم.
2ـ إن مصالح الناس ووسائلهم إلى هذه المصالح تتغير باختلاف الظروف والأحوال والأزمان، ولا يمكن حصرها مقدماً، ولا لزوم لهذا الحصر ما دام الشارع دل على رعايته للمصلحة، فإذا لم نعتبر منها إلا ما جاء الدليل الخاص باعتباره، نكون قد ضيّقنا واسعاً وفوتنا على الخلق مصالح كثيرة، وهذا لا يتفق مع عموم الشريعة وبقائها، فيكون المصير إليه غير صحيح.
3ـ عمل الصحابة بالمصلحة المرسلة: في جمع القرآن، وجمع المسلمين على مصحف واحد، وتوريث المطلقة الفارّة منه، وتضمين الصناع، وقتل الجماعة بالواحدـ وبهذا يترجح القول بحجية المصلحة المرسلة، وابتناء الأحكام عليها، وعدّها من أدلة الأحكام، وهذا المصدر التشريعي مصدر خَصْب يُسْعفنا بالأحكام اللازمة لمواجهة ظروف الحياة المتغيرة دون الخروج على مبادئ الشريعة.
شروط العمل بالمصلحة المرسلة عند المالكية:
1ـ أن تكون المصلحة ملائمة لمقاصد الشرع، فلا تُخَالِف أصلاً من أصوله ولا تتنافى مع دليل من أدلة الأحكام، بل تكون من جنس المصالح التي قصَد الشارع تحصيلها أو قريبة منها وليست غريبة عنها.
2ــ أن تكون معقولة بذاتها بحيث لو عُرِضَت على العقول لتلقتها بالقبول.
3ـ أن يكون الأخذ بها لحفظ ضروري أو لرفع حرج، ويُضاف إلى هذا شرطان:
4ـ أن تكون المصلحة التي تترتب عليها تشريع الحكم مصلحة حقيقية لا وهمية.
5ـ أن تكون مصلحة عامة لا خاصة، أي تعود على عموم الناس لا لفرد منهم. وهذه الشروط في الواقع ضوابط للمصلحة المرسلة تبعدها عن مزالق الهوى.
سد الذرائع عند الأصوليين
الذريعة لغة هي الوسيلة والطريق إلى مفسدة أو مصلحة قولاً أو فعلاً، لكن غلب إطلاق اسم الذرائع على الوسائل المفضية إلى المفاسد.
أنواع الأفعال المؤدية إلى المفاسد:
ـ أفعال محرمة بذاتها كشرب المسكر المفسد للعقول، والقذف الملوث للأعراض، والزنا المفضي لاختلاط الأنساب، ولا خلاف بين العلماء في منع هذه الأفعال، وهي في الحقيقة لا تدخل في دائرة السد الذي نتكلم عنه.
ـ أفعال مباحة جائزة في أصلها لكنها تفضي إلى المفاسد، وهي أنواع:
1ـ ما كان إفضاؤه إلى المفسدة نادراً قليلاً فتكون مصلحته هي الراجحة ومفسدته هي المرجوحة كـالنظر إلى المخطوبة، وزراعة العنب، فلا تمنع هذه الأفعال بحجة ما قد يترتب عليها من المفاسد؛ لأن مفسدتها مغمورة في مصلحتها الراجحة، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وعلى هذا دل تشريع الأحكام، فالشارع قبل خبر الواحد مع احتمال عدم ضبطه، وشرع القضاء بالشهادة مع احتمال كذب الشهود، ولكن لما كانت هذه الاحتمالات مرجوحة لم يلتفت الشارع إليها ولم يعتبر بها.
2ـ ما كان إفضاؤه إلى المفسدة كثيراً فمفسدته أرجح من مصلحته، كبيع السلاح في وقت الفتنة، وسب آلهة المشركين في حضرة من يعرف عنه سب الله إذا سمع هذا السب، وهذا النوع مختلف فيه، والراجح أن هذه الأفعال تمنع سداً للذريعة.
3ـ ما يؤدي إلى المفسدة الراجحة لاستعمال المكلف هذا النوع لغير موضعه، فتحصل المفسدة، كمن يتوسل بالنكاح لغرض تحليل المطلقة ثلاثاً لمطلقها، وكبيع العِينة وهذا مختلف فيه، والراجح أنها تمنع سدًا للذرائع.
ومنع من الأخذ بسد الذرائع الشافعية والظاهرية، حجتهم أن هذه الأفعال مباحة من الأصل، فلا تصير ممنوعة لاحتمال إفضائها إلى المفسدة، فنظر هؤلاء إلى إباحة الفعل في الأصل بغض النظر عن نتيجته، وقالوا إن احتمال إفضائها إلى المفسدة من قبيل الظن، {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}[النجم: 28].
وقال بالأخذ بسد الذرائع المالكية والحنابلة، وحجتهم:
ـ أن سد الذرائع أصل من أصول التشريع قائم بذاته، ودليل معتبر من أدلة الأحكام، فيُبنى عليه الأحكام، فما دام الفعل ذريعة إلى المفسدة الراجحة، فلا بد من منع الفعل، والشريعة جاءت بمنع الفساد وسد طرقه ومنافذه، فنظر هؤلاء إلى مقاصد الأفعال وغايتها ومآلاتها، فقالوا بمنع الأفعال المفضية إلى المفسدة الراجحة.
ـ صياغة احتمال المفسدة إن كان نادرًا لا يمنع الفعل، وكلامنا فيما يقضي إلى مفسدة راجحة بحيث يدعو إلى غلبة الظن بوقوع المفسدة، والظن الراجح معتبر في أحكام الشريعة العملية، كما في قبول خبر الواحد.
ـ لا يعقل أن يحرم الشارع شيئًا ثم يسمح لأسبابه ووسائلها فيجعلها مباحة، فالشيء المباح شرطه ألا يؤدي إلى مفسدة راجحة، فإذا أدى إلى مفسدة نظرًا لظروف خاصة أو أحوال معينة فإنه يمنع ويصير محظورًا، فقطع يد السارق فرض، لكن يجب تأجيله في وقت الحرب لئلا يكون ذريعة لفرار المحكوم عليه إلى العدو.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف