
بقلم الشيخ : صالح علي صالح الفقي
موجه عام بوعظ الأزهر الشريف
الصلاةُ على النبيِّ ﷺ ليست ألفاظًا تُدار على الألسنة فحسب، ولا صيغًا تُحصى بعددها، وإنما هي عبادةٌ قلبية قبل أن تكون نطقًا لسانيًّا، وجسرُ محبةٍ موصولٌ بين الأرض والسماء، يتفاوت أثره بقدر ما في القلوب من تعظيمٍ وصدقٍ وحضور.
وقد تنوّعت صيغُ الصلاة عليه ﷺ؛ فمنها ما علَّمنا إيّاه بنفسه، فكان أصدقَ بيانٍ وأكمله معنى، ومنها ما جرى على ألسنة الزهّاد والصالحين، فانبثق من قلوبٍ امتلأت شوقًا، وتشرّبت محبةً، فصاغت من المحبة ألفاظًا، ومن التعظيم عبارات. وليس في هذا تنقّصٌ ولا مزاحمة، فإن الفضل كلَّه مردّه إلى الله تعالى، يؤتيه من يشاء، ويفتح من أبواب القرب ما يشاء لمن شاء.
والحقُّ أن تلك الصيغ ليست مجرّد تراكيب لغوية، بل هي هباتٌ ربانية، ومفاتيحُ أُلقيت في أيدي من شاء الله من عباده؛ غير أن العبرة ليست بالمفتاح في ذاته، وإنما بحال من يحمله. فكم من مفتاحٍ بيدٍ غافلةٍ لا يفتح بابًا، وكم من ذكرٍ قليلٍ في ميزان الألفاظ، عظيمٍ في ميزان القبول، حمله قلبٌ حاضر، وروحٌ متصلة، ونيةٌ صادقة.
إن الصلاة على النبي ﷺ سرٌّ من أسرار الله، يجري أثره على قدر صفاء الوعاء، لا على زخرفة العبارة. فمن عظُم في قلبه قدرُ المصطفى ﷺ، عظُم نصيبه من بركة الصلاة عليه، أيًّا كانت الصيغة التي نطق بها، إذ المدار على التعظيم، والحضور، والصدق، لا على مجرّد اللفظ المجرد.
وهكذا تبقى الصيغُ وسائل، لا غايات، وأبوابًا لا مقاصد؛ يُفتح بها لمن أحسن الوقوف بين يدي الله، واستحضر مقام نبيّه ﷺ، فكانت صلاته عليه نورًا في القلب، وبركةً في العمر، وسعةً في الرزق، وطمأنينةً في الروح.
فاللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تُحيي بها القلوب، وتفتح بها الأبواب، وتجمع بها بين جمال اللفظ، وكمال الحال.