يا طالبَ العلم هكذا يُثمر العلم خشوعًا وسلوكًا


بقلم د/ مصطفى طاهر رضوان
عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين والدعوة ـ جامعة الأزهر

 

يا طالبَ العلم… هكذا تُورِقُ المعرفةُ خُشوعًا وسلوكًا
العلم نورٌ يُرى أثرُه، لا كلماتٌ تُروى

إخوتي الكرام طلاب العلم،
يا من أكرمكم الله تعالى بشرف الطلب، واصطفاكم لحمل الأمانة، اعلموا أن العلم في ميزان الله ليس كثرة محفوظ، ولا حسن عبارة، وإنما نورٌ يقذفه الله في القلب، يظهر أثره خشيةً في الجَنان، واستقامةً في الأركان، وسكينةً في السلوك.

قال سيدنا الحسن البصري رحمه الله تعالى: كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشعه، وهديه، ولسانه، وبصره، ويده.

وقال الإمام أبو بكر الآجُرِّي رحمه الله تعالى: إن الله عز وجل اختص من خلقه من أحب، فهداهم للإيمان، ثم اختص من المؤمنين من أحب، ففضَّلهم، فعلّمهم الكتاب والحكمة، وفقّههم في الدين، وعلّمهم التأويل، ورفعهم بالعلم، وزيَّنهم بالحِلم…
بهم يُعرف الحلال من الحرام، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والحسن من القبيح.

فضلهم عظيم، وخطرهم جسيم، هم ورثة الأنبياء، وقُرّة عيون الأولياء، تستغفر لهم الحيتان في البحار، وتضع الملائكة أجنحتها لهم رضًا بما يصنعون، مجالسهم حياة للقلوب، وأعمالهم زواجر للغافلين، حياتهم غنيمة، وموتهم مصيبة، يُذكّرون الغافل، ويعلّمون الجاهل، ولا يُخشى منهم شرٌّ ولا غائلة، وبحسن تأديبهم يتنافس المطيعون، وبجميل وعظهم يرجع المقصّرون.

وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضلَّ الهداة».
وإن كان الحديث ضعيف الإسناد، فمعناه صحيح تشهد له النصوص والمعاني.

وقد ذكر الله تعالى للنجوم ثلاث وظائف عظيمة:
الهداية، والزينة، ورجم الشياطين. ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾
﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾.

وكذلك العلماء:
هم نجوم الأرض، يهتدي بهم الحائرون، وهم زينة الأمة، وهم سيوف الحق في وجوه شياطين الإنس ودعاة الضلالة، يحولون بينهم وبين تشويشهم على دين العامة.

فيا طلاب العلم،
كونوا على بصيرة في طلبكم، وثِّقوا، ودقِّقوا، وحقِّقوا، ثم طبِّقوا على أنفسكم قبل أن تدعوا غيركم؛ فالعلم الذي لا يُرى أثره على صاحبه وبالٌ عليه لا له.

هذا الإمام يحيى بن يحيى التميمي رحمه الله تعالى، أقام عامًا كاملًا بعد سماعه الموطأ عند الإمام مالك، لا يطلب زيادة رواية، بل ينهل من شمائله؛ لأن شمائل العلماء ميراث الصحابة والتابعين.

فالنظر إلى سلوك العالم أبلغ في التربية من السماع عنه، وأبقى أثرًا في القلب من كثرة الكلام.

وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم، يقولون: نكون عند رسول الله ﷺ فيذكّرنا بالجنة والنار حتى كأنّا رأي عين، فإذا خرجنا عافسنا الأهل والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرًا.

وفي حديث حنظلة رضي الله عنه قال النبي ﷺ: «ولكن يا حنظلة ساعة وساعة»، ليُعلِّم الأمة أن دوام الحال من المحال، وأن المطلوب صدق السعي لا ادعاء المقام.

يا طلاب العلم،
العلم بلا عمل جنون، والعمل بلا علم لا يكون.
من عمل بما علم كان عالمًا، ومن خالف علمه كان إلى الجهل أقرب.

ألم تسمعوا دعاء نبي الله يوسف عليه السلام:
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾؟
فسمَّى مخالفة العلم جهلًا، وإن وُجدت المعرفة.

فالعالم العامل هو القدوة، إذا رُئي ذُكر الله، لما يظهر عليه من نور، وطمأنينة، وسكينة، وأنس، ومحبة.

وقيل لرسول الله ﷺ: أي جلسائنا خير؟
قال: «من ذكَّركم الله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكَّركم بالآخرة عمله».

اللهم ارزقنا علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، وعملاً صالحًا، وإخلاصًا فيما علَّمتنا، وفيما وفِّقتنا له، وفيما علَّمناه غيرنا.
اللهم اجعلنا صورة صادقة لهذا الدين، ودلالة حيَّة عليه قولًا وفعلاً ونيَّة، يا أرحم الراحمين.