خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ: مِنْ دُرُوسِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ (جَبْرُ الْخَوَاطِرِ) للشَّيْخِ أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
13 يناير، 2026
خطب منبرية

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ: مِنْ دُرُوسِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ (جَبْرُ الْخَوَاطِرِ)
لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
من علماء الأزهر الشريف
بتَارِيخُ: ٢٧ رَجَب ١٤٤٧ هـ – ١٦ يَنَايِر ٢٠٢٦ م
لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:
١. حَقِيقَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ: مَنْحَةٌ إِلَهِيَّةٌ لِجَبْرِ قَلْبِ الْمُصْطَفَى ﷺ بَعْدَ الْمِحَنِ.
٢. جَبْرُ الْخَوَاطِرِ: مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ وَعِبَادَةٌ رَبَّانِيَّةٌ تَسْبِقُ الشَّعَائِرَ.
٣. التَّأَسِّي بِالْجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ: كَيْفَ جَبَرَ اللَّهُ خَوَاطِرَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ؟
٤. صُوَرٌ مِنْ جَبْرِ خَاطِرِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الرِّحْلَةِ الْمُبَارَكَةِ.
٥. مَوْسُوعَةُ الْجَبْرِ النَّبَوِيِّ: مَوَاقِفُ مَعَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَالْمَحْزُونِينَ.
٦. جَبْرُ الْخَوَاطِرِ فِي أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ.
٧. ثَمَرَاتُ جَبْرِ الْخَوَاطِرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَيْفِيَّةُ تَطْبِيقِهَا الْيَوْمَ.
الموضوع
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ جَبْرَ الْخَوَاطِرِ لِلْمُنْكَسِرِينَ سَبِيلًا إِلَى مَحَبَّتِهِ، وَفَتَحَ لِعِبَادِهِ الْمُحْسِنِينَ أَبْوَابَ جَنَّتِهِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُوَ الْجَبَّارُ الَّذِي يَجْبُرُ الْكَسِيرَ، وَيُغْنِي الْفَقِيرَ، وَيُجِيرُ الْمُسْتَجِيرَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَقُدْوَتَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَجَابِرًا لِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.. أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّنَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ نَسْتَنْشِقُ عَبِيرَ ذِكْرَى رِحْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ، تِلْكَ الرِّحْلَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ انْتِقَالٍ مَكَانِيٍّ بَيْنَ الْمَسَاجِدِ، أَوْ عُرُوجٍ فِي طَبَقَاتِ السَّمَوَاتِ، بَلْ كَانَتْ فِي مَقَامِهَا الْأَوَّلِ “رِسَالَةَ جَبْرٍ” مِنْ خَالِقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لِقَلْبِ حَبِيبِهِ وَمُصْطَفَاهُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١. حَقِيقَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ: مَنْحَةٌ إِلَهِيَّةٌ لِجَبْرِ قَلْبِ الْمُصْطَفَى ﷺ بَعْدَ الْمِحَنِ
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ، لَوْ نَظَرْنَا فِي سِيَاقِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا جَاءَتْ بَعْدَ “عَامِ الْحُزْنِ”؛ ذَلِكَ الْعَامُ الَّذِي تَكَالَبَتْ فِيهِ الْمِحَنُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ فَقَدَ فِيهِ سَيِّدَتَنَا خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، الَّتِي كَانَتْ لَهُ السَّكَنَ وَالْمُوَاسِي، وَفَقَدَ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ الَّذِي كَانَ يَدْفَعُ عَنْهُ أَذَى قُرَيْشٍ. وَلَمْ يَقِفِ الْأَمْرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، بَلْ خَرَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّائِفِ يَلْتَمِسُ النُّصْرَةَ، فَرَدُّوهُ رَدًّا قَبِيحًا، وَآذَوْهُ حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْقَاسِيَةِ، حِينَمَا ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، جَاءَ الْجَبْرُ الْإِلَهِيُّ، لِيَقُولَ لَهُ: “يَا مُحَمَّدُ، إِنْ كَانَ أَهْلُ الْأَرْضِ قَدْ طَرَدُوكَ، فَإِنَّ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ يَنْتَظِرُكَ”. هُنَا يَتَجَلَّى لَنَا مَعْنَى اسْمِ اللَّهِ “الْجَبَّارِ”، الَّذِي لَا يَتْرُكُ أَوْلِيَاءَهُ لِلْأَحْزَانِ، بَلْ يَجْبُرُ كَسْرَهُمْ بِعَظِيمِ عَطَائِهِ.
٢. جَبْرُ الْخَوَاطِرِ: مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ وَعِبَادَةٌ رَبَّانِيَّةٌ
إِنَّ جَبْرَ الْخَوَاطِرِ لَيْسَ نَافِلَةً مِنَ الْقَوْلِ، بَلْ هُوَ جَوْهَرُ الدِّينِ. يَقُولُ الْإِمَامُ سُّفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “مَا رَأَيْتُ عِبَادَةً يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ مِثْلَ جَبْرِ خَاطِرِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ”. وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: كَيْفَ نَصِلُ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ: “أَقْرَبُ الطُّرُقِ إِلَى اللَّهِ هُوَ جَبْرُ قُلُوبِ الْعِبَادِ”. وَلَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عُقُوبَةِ مَنْ يَقْسُو عَلَى الْيَتِيمِ أَوْ يَنْهَرُ السَّائِلَ أَنَّهُ كَذَّبَ بِالدِّينِ فِي جَوْهَرِهِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. فَالدِّينُ جَبْرٌ لَا كَسْرٌ، وَرَحْمَةٌ لَا قَسْوَةٌ.
٣. التَّأَسِّي بِالْجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ: كَيْفَ جَبَرَ اللَّهُ خَوَاطِرَ أَنْبِيَائِهِ؟
تَأَمَّلُوا مَعِي كَيْفَ يَجْبُرُ اللَّهُ خَوَاطِرَ أَنْبِيَائِهِ؛ فَهَذَا سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا خَرَجَ خَائِفًا مِنْ مِصْرَ، جَبَرَ اللَّهُ خَاطِرَهُ بِأَنْ أَمَّنَهُ وَزَوَّجَهُ وَجَعَلَهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. وَهَذَا سَيِّدُنَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَبَرَ اللَّهُ خَاطِرَهُ بَعْدَ ظُلْمِ إِخْوَتِهِ بِأَنْ جَعَلَهُ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ. وَأَعْظَمُ ذَلِكَ كُلِّهِ جَبْرُ خَاطِرِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اشْتَاقَ إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ فِي طَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، فَكَانَ وَعْدًا بِالْعَوْدَةِ جَبْرًا لِقَلْبِهِ الْمُشْتَاقِ.
٤. صُوَرٌ مِنْ جَبْرِ خَاطِرِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الرِّحْلَةِ الْمُبَارَكَةِ
فِي رِحْلَةِ الْإِسْرَاءِ، جَبَرَ اللَّهُ خَاطِرَ حَبِيبِهِ ﷺ بِعِدَّةِ صُوَرٍ:
* الِاسْتِقْبَالُ الْحَافِلُ: حِينَ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَوَاتِ، وَكَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يَقُولُ لَهُ: “مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ”، وَهَذَا تَيْطِيبٌ لِنَفْسِهِ بَعْدَ تَكْذِيبِ قُرَيْشٍ.
* إِمَامَتُهُ لِلْأَنْبِيَاءِ: صَلَّى بِهِمْ جَمِيعًا فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، لِيُؤَكِّدَ اللَّهُ لَهُ أَنَّهُ سَيِّدُهُمْ وَإِمَامُهُمْ، وَأَنَّ دَعْوَتَهُ هِيَ خَاتِمَةُ الرِّسَالَاتِ.
* رُؤْيَةُ الْآيَاتِ الْكُبْرَى: لِيَنْسَى مَا رَآهُ مِنْ بَشَاعَةِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي جَمَالِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ وَجَنَّةِ الْمَأْوَى.
٥. مَوْسُوعَةُ الْجَبْرِ النَّبَوِيِّ: مَوَاقِفُ مَعَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ
كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي فِي الطُّرُقَاتِ، فَإِذَا رَأَى طِفْلًا بَاكِيًا جَبَرَ خَاطِرَهُ.
* قِصَّةُ سَيِّدِنَا أَبِي عُمَيْرٍ: كَانَ ﷺ يُمَازِحُ طِفْلًا صَغِيرًا مَاتَ عُصْفُورُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: “يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟”. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). انْظُرُوا إِلَى انْشِغَالِ قَائِدِ الْأُمَّةِ بِحُزْنِ طِفْلٍ عَلَى عُصْفُورٍ!
* قِصَّةُ الْمَرْأَةِ السَّوْدَاءِ: الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ (تَنْظِفُ) الْمَسْجِدَ، فَمَاتَتْ لَيْلًا، فَصَلَّى عَلَيْهَا الصَّحَابَةُ وَلَمْ يُخْبِرُوهُ لِتَأَخُّرِ الْوَقْتِ، فَلَمَّا عَلِمَ ﷺ غَضِبَ وَقَالَ: “أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟”، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى قَبْرِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا جَبْرًا لِخَاطِرِهَا وَتَقْدِيرًا لِعَمَلِهَا الْبَسِيطِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
* جَبْرُ خَاطِرِ الْجِذْعِ: حَتَّى الْجَمَادُ لَمْ يُحْرَمْ مِنْ جَبْرِهِ ﷺ! فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ وَتَرَكَ الْجِذْعَ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ عَلَيْهِ، حَنَّ الْجِذْعُ وَصَاحَ كَصِيَاحِ الصَّبِيِّ، فَنَزَلَ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ وَاحْتَضَنَهُ حَتَّى سَكَنَ. هَذَا هُوَ سَيِّدُنَا، جَابِرُ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ.
٦. جَبْرُ الْخَوَاطِرِ فِي أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ
سَارَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى هَذَا النَّهْجِ النَّبَوِيِّ.
* سَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ يَذْهَبُ كُلَّ صَبَاحٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إِلَى خَيْمَةٍ فِي أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا تَبِعَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَدَهُ يَخْدُمُ امْرَأَةً عَجُوزًا عَمْيَاءَ، يُنَظِّفُ بَيْتَهَا وَيَعْجِنُ خُبْزَهَا وَهِيَ لَا تَعْرِفُ مَنْ هُوَ، جَبْرًا لِخَاطِرِهَا وَضَعْفِهَا.
* سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حِينَ خَرَجَ يَعُسُّ لَيْلًا، فَوَجَدَ أُمًّا مَعَهَا صِبْيَةٌ يَبْكُونَ مِنَ الْجُوعِ، فَذَهَبَ وَأَحْضَرَ الدَّقِيقَ وَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَرَفَضَ أَنْ يَحْمِلَهُ عَنْهُ خَادِمُهُ، وَجَلَسَ يَنْفُخُ النَّارَ لِيَطْبُخَ لَهُمْ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى رَآهُمْ يَضْحَكُونَ، جَبْرًا لِخَاطِرِ تِلْكَ الْأُسْرَةِ.
وَمَا أَجْمَلَ قَوْلَ الشَّاعِرِ فِي جَبْرِ الْخَوَاطِرِ:
وَاقْضِ الْحَوَائِجَ مَا اسْتَطَعْتَ وَكُنْ لَهَا … جَابِرًا لِكَسْرِ الْقَلْبِ فَهْوَ عَظِيمُ
فَاللَّهُ يَجْبُرُ مَنْ يَجْبُرُ خَلْقَهُ … وَبِجَبْرِهِ كُلُّ الصِّعَابِ تَهِينُ
نَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَسْمَعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وَأَنْ يَجْبُرَ كَسْرَنَا وَكَسْرَ قُلُوبِنَا، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، إِنَّ الدَّرْسَ الْعَمَلِيَّ الَّذِي نَخْرُجُ بِهِ مِنْ ذِكْرَى الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ هُوَ أَنَّ مَنْ جَبَرَ خَوَاطِرَ النَّاسِ جَبَرَ اللَّهُ خَاطِرَهُ. وَإِنَّ جَبْرَ الْخَوَاطِرِ يَتَجَلَّى الْيَوْمَ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ:
* جَبْرُ خَاطِرِ الْوَالِدَيْنِ: بَالْبِرِّ وَالطَّاعَةِ وَقَوْلِ “أُفٍّ” لَهُمَا هُوَ كَسْرٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ لَهُمَا هِيَ أَعْظَمُ جَبْرٍ.
* جَبْرُ خَاطِرِ الزَّوْجَةِ وَالْأَبْنَاءِ: بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَمُشَارَكَتِهِمْ هُمُومَهُمْ، فَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ ﷺ يُطَيِّبُ خَاطِرَ نِسَائِهِ بِالْكَلِمَةِ وَالْفِعْلِ.
* جَبْرُ خَاطِرِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ: لَيْسَ الْمَالُ وَحْدَهُ هُوَ الْجَبْرَ، بَلْ حُسْنُ الْمُعَامَلَةِ وَعَدَمُ التَّكَبُّرِ.
قِصَّةٌ مِنَ الْوَاقِعِ الْمُعَاصِرِ:يُحْكَى أَنَّ طَبِيبًا جَرَّاحًا كَانَ يَمْشِي فِي مَمَرَّاتِ الْمُسْتَشْفَى، فَرَأَى رَجُلًا بَسِيطًا يَبْكِي بِحُرْقَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ثَمَنَ عَمَلِيَّةِ ابْنِهِ. فَمَا كَانَ مِنَ الطَّبِيبِ إِلَّا أَنْ جَلَسَ بِجَانِبِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِهِ وَقَالَ لَهُ: “لَا تَبْكِ، ابْنُكَ هُوَ ابْنِي، وَالْعَمَلِيَّةُ عَلَى حِسَابِي الْخَاصِّ”. هَذَا الطَّبِيبُ جَبَرَ خَاطِرَ الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُعَالِجَ الطِّفْلَ، فَنَالُ رِضَا اللَّهِ وَدُعَاءَ النَّاسِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، اجْعَلُوا مِنْ أَيَّامِكُمْ نَصِيبًا لِجَبْرِ الْخَوَاطِرِ؛ جَبْرِ خَاطِرِ مَنْ ظُلِمَ، جَبْرِ خَاطِرِ مَنْ حَزِنَ، جَبْرِ خَاطِرِ مَنْ ضَاقَتْ بِهِ السُّبُلُ. وَتَذَكَّرُوا دَائِمًا أَنَّ الْجَبَّارَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُحِبُّ الْجَابِرِينَ.
الدُّعَاءُ:اللَّهُمَّ يَا جَبَّارَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، اجْبُرْ كَسْرَنَا، وَطَيِّبْ خَوَاطِرَنَا، وَارْحَمْ ضَعْفَنَا. اللَّهُمَّ كَمَا جَبَرْتَ خَاطِرَ نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ، فَاجْبُرْ خَوَاطِرَنَا بِمَا نَتَمَنَّى مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لِلْمُنْكَسِرِينَ جَابِرِينَ، وَلِلْفُقَرَاءِ رَاحِمِينَ، وَلِلْيَتَامَى كَافِلِينَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا، وَانْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
عِبَادَ اللَّهِ، اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.