
المقال العشرون من سلسلة رواية (قرن الشيطان)
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
القرن الذي تأخر عن موته
في أعقاب سقوط الدرعية، ساد ظنٌ واسع أن قصة محمد بن عبدالوهاب قد طُويت إلى الأبد، وأن سيف دعوته قد انكسر إلى غير رجعة. ولكنّ هذا الظن لم يدم طويلًا، فقد بدت الدعوة كأفعى قطعت رأسها، لكنها احتفظت بعضلاتها حيّة، تتحرك تحت الرمل، تنتظر من يبث فيها نفسًا جديدًا.
في الخفاء، كان بعض أتباع الدعوة – من طلاب العلم والمريدين وأحفاد الشيخ – يجتمعون ليلًا في شعاب الوشم وسدير، يتهامسون حول إعادة بناء ما سقط. كانت الخطب التي خُطبت أيام الدولة الأولى قد نُسخت ووزعت سرًا، وكتب التوحيد والشروط الستة ورسائل التكفير طُبعت بخط اليد في أوراق نخيل أو على جلد الماعز، تُخبّأ في جرار الطين وتُمرّر كما تُمرر الرسائل السرية.
سليمان بن عبد الله آل الشيخ، حفيد محمد بن عبد الوهاب، كان أبرز من تبقّى من بيت الدعوة بعد سقوط الدولة. عاش مرحلة المطاردة والسجن، لكنه لم يتراجع. كتب رسائل حارقة يؤكد فيها أن الدولة لم تسقط بل “ابتليت”، وأن أهل نجد ما زالوا “حملة النور في ظلمات الشرك”، وأن إبراهيم باشا، بجيشه وعتاده، “جاء كما جاء أبرهة، ليهدم البيت، لكن البيت باقٍ حتى وإن هُدّ جدارُه.”
وكان المقصود بالبيت: دعوة الجد.
في تلك الأثناء، كانت الأنظمة المجاورة، من الحجاز إلى العراق، تراقب وتخشى. فحتى بعد الهزيمة، لم تختفِ آثار الفكر الوهابي: في التعليم، في المساجد، في العادات الاجتماعية التي تغيرت، وفي النظرة للآخر التي أصبحت أكثر حدّة.
رجلٌ من الشام، زار نجد بعد سقوط الدولة، كتب في مذكراته:
ـ “لا ترى قبورًا عالية، ولا تسمع أذانًا فيه شدوٌ أو ترنيم، ولا يُحتفل بمولدٍ أو يُزار وليّ. لقد هُدّ ما كان يُبنى منذ قرون. وبدا الناس وكأنهم تخلّوا عن طقوس الرحمة واستبدلوها بطقوس التحذير.”
لكن الغريب أن هذا الفكر الذي نشأ في قلب نجد، لم يلبث أن تمدّد من جديد مع صعود الدولة السعودية الثانية، ثم الثالثة لاحقًا. فحين استطاع عبد الرحمن بن فيصل، آخر حكام الدولة الثانية، أن يُبقي على شعلة الدعوة موقدة من خلال التنقل واللجوء، فإن ابنه عبد العزيز آل سعود – الذي سيعرفه العالم لاحقًا باسم الملك عبد العزيز – أعاد بناء الدولة على ذات الركيزة.
محمد بن عبد الوهاب لم يُذكر اسمه في الخطابات الأولى، لكنه كان حاضرًا في كل بيت، وكل معركة، وكل صفقة تحالف. كانت راية الدولة الجديدة مكتوب عليها الشهادتان، لكن خلف الراية، سارت كُتب الجد.
فُتح الباب أمام تجديد الحلف بين السيف والمنبر، بين الحُكم والفتوى.
وجاء علماء آل الشيخ، أحفاد محمد بن عبدالوهاب، ليكونوا القِبلة الفقهية للنظام الوليد. لم يكونوا مجرد فقهاء، بل شركاء في الحكم، حُراسًا لعقيدته، ومهندسي ولائه. واستعاد المنبر صوته القديم: التوحيد، البراء من الشرك، هدم القبور، منع البدع، مراقبة الإيمان حتى في خفايا القلوب.
قال أحد الإنجليز، وهو يكتب تقريرًا من الرياض في أوائل القرن العشرين:
ـ “هؤلاء القوم لا يحكمهم ملك فقط، بل يحكمهم تفسير محدد للإسلام. لم أرَ مثل هذه السيطرة للفكرة الدينية على تفاصيل الحياة، منذ زمن الكنيسة في العصور الوسطى.”
وكان يقصد بذلك: الوهابية.
ومع بزوغ القرن العشرين، كان الحلف بين آل سعود وآل الشيخ قد اكتمل من جديد، لكن هذه المرة بدعم خارجي غير مسبوق. البريطانيون، ثم لاحقًا الأميركيون، رأوا في الدولة الوليدة ركيزة استقرار في جزيرة العرب، فرعموها وأمدوها بالسلاح والاتفاقيات.
لكن هذا التمدد لم يكن بريئًا.
فالوهابية لم تعد فقط دعوة محدودة تنتقد البدع أو تصحح العقائد، بل صارت منهجًا حاكمًا، يسائل، ويكفّر، ويقصي. وبدلاً من أن تُطوى صفحة محمد بن عبدالوهاب كحلقة تاريخية، أعيد طبع كتبه، وتوسيع مدارسه، وتصدير فكره إلى أصقاع الأرض، مدعومًا بمال الدولة، وسلطتها، وذهبها الأسود.
قال أحد المستشرقين في منتصف القرن العشرين:
ـ”لم أرَ رجلًا تمتد ظلاله أكثر من قرنين بعد وفاته، ويُستخدم فكره سلاحًا ناعمًا في كل بلد يدخله النفط السعودي، كما رأيت في الوهابية.”
في الوقت ذاته، بدأ التململ من الداخل.
كتب محمد ناصر الدين الألباني، أحد كبار السلفيين لاحقًا، نقدًا غير مباشر لبعض تطبيقات الوهابية. قال إن التكفير سلاح خطير، وأن السنة لا تعني أن نعيش في كهف بلا اجتهاد. وبدأت أصواتٌ أخرى تظهر، تسائل لا أصل الدعوة فقط، بل نتائجها السياسية والاجتماعية.
لكن كانت الآلة قد اشتغلت.
المناهج التعليمية، الدعوة العالمية، المؤسسات الدينية، الخطب، التلفاز، حتى المساعدات الخارجية… كل ذلك كان يدار عبر عدسة وهابية واحدة.
وفي قلب هذا المشهد، ظل اسم محمد بن عبدالوهاب يتردد.
أحبه من رأى فيه مصلحًا، وكرهه من رأى فيه مدمرًا، وتوسط فيه من رآه مجرد ابن عصره. لكن لم يعد أحد قادرًا على إنكار أن هذا الرجل، الذي خرج من بلدة “العيينة”، استطاع أن يُعيد تشكيل الدين في منطقة بأكملها، لعقود – بل لقرون.
في نهايات القرن العشرين، بدأ الغرب نفسه يدفع ثمن تحالفه مع الفكر الذي رعاه يومًا.
حين ظهرت الجماعات المتطرفة التي غذّت نفسها بأفكار التكفير والهدم والنقاء العقدي، عادت الأصابع تشير إلى الجذر الأول: كتب محمد بن عبدالوهاب. حتى أن بعض قادة الاستخبارات الأميركية كتبوا تقارير مفصلة تحت عنوان: “الوهابية والدم”، تحدثت عن العلاقة بين النصوص القديمة والتفجيرات الحديثة.
لكن في المقابل، وقف المدافعون عن الشيخ قائلين:
– “إنه لم يدعُ للعنف، بل للتوحيد!”
– “إن كتبه حُرّفت أو استُخدمت خارج سياقها!”
– “إنه لا يتحمل مسؤولية من تأوّل فكره خطأ!”
وبقي الجدل مفتوحًا.
في النهاية، لم يمت محمد بن عبدالوهاب كما يموت الآخرون.
لم تُغلق قصته في قبره، ولم تُمحَ مع سقوط الدولة الأولى.
بل صار رجلًا يُستدعى كلما أرادت سلطةٌ تثبيت وجودها، أو جماعةٌ إعادة تأويل التوحيد، أو حركةٌ نفي الآخر.
هكذا، انتهى جسد الرجل…
لكن فكره بقي في صراعٍ طويل مع العالم، ومع نفسه أحيانًا.
«كل من يحكم باسم الله، لا يموت بسهولة. لأن الموت لا يزور الآلهة… إلا إذا أنكرها الناس.»
– من مخطوط نادر لأحد أبناء الأحساء، وجد لاحقًا في خرائب الدرعية.
الطوفان بلا سفينة :
كانت الساعات التي تلت هزيمة الحلف الغربي – الوهابي في الشمال أشبه بما يُشبه الطوفان الذي لا ينتظر سفينة. بدت الأرض وكأنها تنقلب على ظهرها، والسماء ترقب هذا المشهد بصمت كئيب، فيما كان محمد بن عبدالوهاب يشعر أن ما بناه، لبنة لبنة، بدأ يتفكك تحت قدميه.
لم تكن الخسائر عسكرية فقط، بل كانت أعمق: انكسار الهيبة، تراجع الحاضنة، وانكشاف التصدعات التي لطالما غطاها بالنصوص. بات واضحًا أن ثمة فجوة بين خطاب العقيدة وشروط السلطة، بين الحماسة الأولى والنهايات المترجرجة.
في أحد أزقة الدرعية، عاد محمد بن عبدالوهاب إلى بيته، وأغلق عليه باب الغرفة التي اعتاد أن يخلو فيها للقراءة والكتابة. لكن هذه المرة لم يكن في نيته لا قراءة ولا كتابة. جلس على حصيره المتآكل، وأخذ يتأمل جدران المكان. صور الشهداء، رسائل التهنئة من أمراء القبائل، صفحات الكتب التي كتبها في فورة الحماسة… كلّها كانت تلمع في عينيه بوميض خاطف، ثم تختفي.
تساءل بصوت خافت: “أكان هذا كله لأجل الله… أم لأجلي؟”
كان وحده في الغرفة، لكن صدى السؤال بدا وكأنه يتردد في كل زوايا البيت. لم يكن هذا هو أول سؤال يشكك في دوافعه، لكنه هذه المرة بدا كأنّه يملك من الجرأة ما يكفي ليطرحه بصوت عالٍ.
استعاد شريط السنين: من العيينة إلى الحجاز، من البصرة إلى الأحساء، ومن هناك إلى الدرعية… كل تلك المدن، وكل تلك الخطابات، وكل تلك المواجهات التي شنّها ضد من اعتبرهم أهل الشرك والبدعة، كانت تمر أمامه كما تمرّ لقطات فيلم طويل. لكن الجديد في هذا العرض، هو أن بطل الرواية بدا مترددًا، غير واثق من نهايته.
تذكّر أخاه سليمان بن عبدالوهاب، الذي كان أوّل من جادله وحاجّه، والذي كتب فيه كتابه الشهير “الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية”. لطالما اعتبره محمد خصمًا لدعوته، لكن الآن… بدا له صادقًا على نحو مروّع. كيف لرجل أن يعارض أخاه ويقول له: “إنك فتنت الناس وضيّعت الأمة”، إن لم يكن يرى الخطر بعيْنه؟
تذكّر زوجته التي كانت في بدايات دعوته تسأله ببراءة: – “لماذا تغضب حين لا يؤمن الناس بكلامك؟ أليس الأنبياء صبروا؟”
فكان يرد بغضب: – “أنا لا أغضب لأني أُكذّب، بل لأني أُخذّل عن الحق.”
لكنّه الآن يدرك أن شيئًا من ذاته كان يصرخ حين لا يُتبع، وكان يغضب حين تُرفض سلطته، لا حين يُرفض قوله.
أبناؤه… تذكّرهم واحدًا واحدًا. عبد الله، حسين، علي، إبراهيم… كلهم تربّوا على نصوصه، على أحاديثه، على تأويلاته. وكان يرى فيهم الامتداد الحي لدعوته. لكنه اليوم، وبعد كل ما جرى، بدأ يتساءل: “هل أورثتهم فهمًا… أم مشروع هيمنة مغلفًا بالدين؟”
فيما كانت الدرعية تستعد لجولة جديدة من النزاعات، حيث يتهيأ آل سعود لإعادة التموضع وتحالفات جديدة، كان محمد بن عبدالوهاب يتأمل خريطة الجزيرة العربية التي رسمها على جلد قديم في إحدى كتبه.
دوّن عليها بخط دقيق:
“التوحيد لا يُفرض، بل يُعرض. وإذا صار التوحيد شرطًا للنجاة السياسية، فلا بد أنه حُمّل ما لا يحتمل.”
ثم كتب تحتها:
“أخاف أن أُسأل: هل كانت دعوتي حقًّا لله، أم كانت لله… وللدولة؟”
دخل عليه أحد أبنائه وسأله: – “أبتاه، هل سنبقى في الدرعية؟”
رد بعد لحظة صمت: – “الدرعية في قلوبنا، أما على الأرض… فالأرض لله.”
خرج الابن، وبقي محمد وحده. كان يعلم أن هذا السؤال لم يكن عن المدينة، بل عن المصير. عن البقاء.
تذكّر تحالفه مع محمد بن سعود. يوم قدّم له بيعته المشهورة، وأعطاه وعده: “الدم دون الدين، والدرعية حصن لك وملاذ لدعوتك.”
لكنّه أيضًا تذكّر الشروط التي فرضها، والقبائل التي أُجبرت على دخول طاعته، والبيوت التي أحرقت، والكتب التي أُتلفت.
كم شيخًا أُهين؟ كم قرية نُكّلت؟ كم روحًا خافت أن تُكفَّر إن لم تقل: “أنا على مذهب محمد بن عبدالوهاب”؟
جلس يكتب، لكن هذه المرة، كتب لنفسه:
“ليس أخطر من رجل يظن أنه يحمي الله من عباده، فيتحوّل هو إلى الله على الأرض.
لا أدري إن كنت هذا الرجل، لكني لا أستبعد ذلك بعد اليوم.”
ثم مزّق الورقة.
في صباح اليوم التالي، جلس مع بعض تلامذته، وأملى عليهم فصلًا جديدًا من كتابه:
“باب: من جادل عن بدعة فقد أحبها، ومن أحبها فهو على خطر عظيم.”
سأله أحد التلاميذ: – “يا شيخ، وما حال من ارتكب البدعة ولم يجادل عنها؟”
فقال: – “نخشى عليه، وندعوه للحق، ولا نكفره حتى تقوم عليه الحجة.”
ابتسم التلميذ وقال: – “هذا قولك، أم قول العلماء؟”
أجابه بهدوء: – “كان قول العلماء، فصار قولي.”
ثم أضاف: – “لكن لعلي أرجع إليه قبل أن أُسأل.”