وجوب الرجوع إلى أهل العلم واحترام التخصص


بقلم الشيخ : محمود البردويلي المالكي

 

وجوب الرجوع إلى أهل العلم واحترام التخصص :

أولًا: الدليل القرآني وتفسيره:

يقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 

بين الإمام القرافي رحمه الله في شرح تنقيح الفصول:

“تعيين أهل الذكر في الآية بالنطق يقتضي بالمفهوم تحريم سؤال غيرهم.”

فالأمر بالسؤال يدل على الوجوب، وتخصيص أهل الذكر يدل على منع سؤال غير المتخصص.

وأكّدت دار الإفتاء المصرية هذا الفهم في الفتوى رقم (6994) – 9 مايو 2022م – للأستاذ الدكتور شوقي علام.

ثانيًا: الدليل من السنة النبوية واحترام التخصص

يقولﷺ في بيان تميز كل صحابي في تخصصه:

«أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر… وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم لكتاب الله أُبيّ بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل…»

رواه أحمد وابن ماجه والترمذي والنسائي.

المعنى:

النبي ﷺ نبّه الأمة إلى معرفة المتخصصين، والرجوع إليهم في بابهم، وترجيح قولهم إذا تعارضت الأقوال.

ثالثًا: إجماع العلماء على وجوب التقليد للعامة

نقل العلماء:

“العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة؛ لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل إلى علم ذلك لعدم الفهم.”

ثم قالوا: “ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وهم المرادون بقول الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)”

المعنى:

العوام لا يملكون أدوات الاجتهاد ولا يعرفون النسخ والترجيح وأسباب الحديث ولا القواعد الأصولية؛ وبالتالي لا اختيار لهم إلا الرجوع للعلماء.

رابعًا: خطأ استغلال كلمات الأئمة لإسقاط التقليد

أصحاب التيارات المنحرفة استغلوا عبارات منسوبة للأئمة مثل:

قول الإمام أحمد: «لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي… وخذ من حيث أخذنا»

قول الإمام مالك: «كل يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر ﷺ»

وهذا تدليس على كلام الأئمة، لأنهم لم يوجّهوا هذا الكلام للعوام، بل للمجتهدين القادرين على الاستنباط.

خامسًا: ضبط كلام الإمام الشافعي وتفسير العلماء له

يقول الإمام النووي في مجموعه:

“هذا الذي قاله الشافعي ليس معناه أن كل من رأى حديثًا صحيحًا قال: هذا مذهب الشافعي وعمل بظاهره، وإنما هذا فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب.”

ثم بين شرطه فقال :

 

“وشرطه أن يغلب على ظنه أن الشافعي لم يقف على الحديث أو لم يعلم صحته، وهذا لا يكون إلا بعد مطالعة كتب الشافعي كلها… وهذا شرطٌ صعب.”

أي أن العمل بالحديث ليس لكل من شاهده، بل لمن بلغ مرتبة الاجتهاد، وهو نادر.

سادسًا: تنبيه العلماء إلى خطورة ترك الاجتهاد للمبتدئين

قال أبو عمرو:

“ليس العمل بظاهر ما قاله الشافعي بالهين، فليس كل فقيه يسوغ له أن يستقل بالعمل بما يراه حجة.”

 

وبيّن أن بعض الفقهاء وقع في الخطأ عندما عملوا بحديث صحيح تركه الشافعي عمداً لوجود مانع خفي.

الخلاصة:

القرآن يأمر صراحة بسؤال المتخصص.

السنة تؤكد احترام التخصص.

الإجماع منعقد على أن العوام يجب أن يقلدوا أهل العلم.

استغلال عبارات الأئمة خارج سياقها يؤدي إلى فوضى دينية.

الاجتهاد ليس لكل أحد، بل لأصحاب أدواته فقط.