السرقة.. فقر القيم قبل فقر المال


بقلم الشيخ : صالح علي صالح الفقي
موجه عام بوعظ الأزهر الشريف

السرقة ليست فقرًا في الجيب، بل فقرٌ في القيم، وانكسارٌ في ميزان الضمير. هي خيانةٌ تتخفّى في الظلال، لكنها تفضح صاحبها عند الله والناس، إذ لا يهنأ قلبٌ بمالٍ أو مكسبٍ قام على التعدي، ولا تستقر نفسٌ غذّتها الخيانة ولو تلحّفت بألف عذر.

والسرقة ليست قاصرة على مدّ اليد إلى مال الغير فحسب، بل لها صورٌ أخفى وأشدّ خطرًا؛ فالتعدي على سمعة الناس سرقة، ونهش الأعراض اغتصابٌ لكرامةٍ لا تُعوَّض، وسلب الجهود العلمية والفكرية سرقةٌ للعقول والأعمار، والتعدي على درجات الآخرين ومكتسباتهم ظلمٌ مقنّع ، يأكل الحقوق باسم المنافسة أو الذكاء، وهو في حقيقته عدوانٌ صريح.

ومن دقة الهدي النبوي أنه كشف حتى صور السرقة المتستّرة بثوب الطلب، حين قال ﷺ في شأن المرأة التي تسأل ما في يد غيرها لتستأثر به: “ولَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ ما في إنَائِهَا” ، أي لتفرغ ما عند أختها في إنائها، في تصوير بليغ لجشعٍ لا يكتفي بحاجته، بل يتطلع إلى إفراغ يد غيره، وكأن حقه لا يكتمل إلا بزوال حق غيره.

وحين تتعدد صور السرقة في مجتمع، لا تُنهب الأموال وحدها، بل تُسرق الثقة، وتُغتال الطمأنينة، ويشيع الخوف، ويضيق صدر العدل. فلا عمران مع انتهاك الحقوق، ولا نهضة مع شيوع التعدي، ولا استقرار حيث يُبرَّر الظلم وتُزيَّن الخيانة.

إن مقاومة السرقة تبدأ من إحياء معنى الأمانة في القلوب، وتعظيم الحلال في النفوس، وتربية الضمير على أن العفاف قوة، وأن القناعة غنى، وأن حفظ حقوق الناس ـ مالًا وسمعةً وجهدًا ومكانة ـ عبادةٌ تُقام بها المجتمعات كما تُقام بها الصلوات. فمن صان يده ولسانه وقلمه، فقد صان إنسانيته، وأسهم في بناء مجتمعٍ آمنٍ مستقيم.