هيمنة المهاجرين على اسواق المدينة التجارية

 المقال السابع من سلسلة (هجرة النبى).

فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن
الباحث فى الشئون الاسلامية

 لم يكن المهاجرون أقل مروءة، وإخلاصًا، وحبًا من الأنصار؛ لأنهم بعدما استقروا، وعرفوا طرق العمل، وأتتهم الدنيا ردوا لإخوانهم الأنصار ما أخذوه منهم. فعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قتال أهل خيبر، وانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم، التي كانوا منحوهم إياها من ثمارهم. البخاري. يقول أنس: فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمي عذاقها الذي أخذته من أم أيمن وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مكانه من حائطه.

وبعض المهاجرين ما قبل أن يكون عبئًا على أخيه الأنصاري، نعم هو لا يجيد الزراعة، ولكنه يمكن أن يعمل في التجارة، وفعلا ذهب إلى السوق وتاجر، وإذا كانت الأيام الأولى أيام تعلم، وتعليم، واستعداد، وجهاد، فإن في الوقت سعة بجانب ذلك للذهاب إلى السوق ليعمل في تجارة يتكسب من ورائها ولو قليلا بدلا من الاعتماد على أخيه مهما كان سخيًا غنيًا.

يبدو أنَّ المهاجرين قد تمكنوا بعد مدَّة قصيرة من إقامتهم بالمدينة من الهيمنة على أسواقها التجارية؛ والسبب يعود إلى خبرتهم السابقة كما ذكرنا، وتطرَّقت إلى موضوع الصناعات والحرف في المدينة التي تعتمد أساسًا على مواردها الأوَّليَّة من المنتجات الزّراعيَّة وغيرها؛ مثل: تجفيف التمور واستخدام سعف النَّخيل، وكذلك الصناعات التي تعتمد على المنتجات الحيوانيَّة؛ كدباغة الجلود وإعداد الصوف وتنظيفه وصناعة النسيج، حيث عمل بعض أهل المدينة إلى جانب ذلك بعض الأعمال الأخرى مثل التعدين والنقش، وأيضًا مهنة الرَّعي وهي من الأعمال التي يمارسها أهل المدينة،

ويبدو أنَّ المهاجرين قد انقسموا إلى طبقتَين:

ـ طبقة استطاعت الجمع بين العمل في التجارة للاكتساب منها وبين الجهاد في سبيل الله والتفقُّه في أمور الدّين ومساعدة الرَّسول صلى الله عليه وسلم في رعاية شؤون المسلمين.

ـ أمَّا الطبقة الأخرى، فإنَّ أفرادها لم يستطيعوا الجمْع بين كلّ ذلك، فنلاحظ أنَّهم تركوا العمل والتكسُّب واكتفَوا بالجهاد وملازمة النَّبي صلى الله عليه وسلم للتفقُّه في الدين، وتنفيذ ما يكلّفهم به من أعمال، وأنَّ هؤلاء ينفقون على أنفسهم ممَّا يحصلون عليه من غنائم في جهادِهم وخروجهم للغزْو، إضافة إلى ما يأتيهم من المساعدات الَّتي كان يقدِّمُها لهم أغنياء المهاجرين.

الحالة الاقتصاديَّة بالمدينة:

لم تكن المدينة في حالة اقتِصاديَّة جيّدة عند قدوم المسلمين إليها مهاجرين من مكة؛ لأنَّ الحروب الطاحنة التي دارت بين الأوس والخزرج كادت تقضي على اقتصادها تمامًا، كما لم يكن المحصول الزّراعي كافيًا إلاَّ بالقدر الضروري، بل كثيرًا ما كان أهل المدينة يستوردون من الشام الحبوب والدقيق [ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة] ليتزوَّدوا به وليكملوا النقص في محاصيلهم الزراعيَّة.

ولما قدم المهاجرون إلى المدينة، ونزلوا على إخوانهم الأنصار ازدادت الحالة الاقتِصاديَّة سوءًا، فقد أصبح الطَّعام الذي يكفي الواحد لا بدَّ أن يتَّسع لاثنين أو أكثر، وأخذ الأنصار يقدمون إخوانهم الوافدين على أنفُسِهم ويؤثرونهم بما عندهم، ولو أدَّى ذلك إلى حرمانهم، والإيثار هو تقديم الآخَر على النفس، وذلك لا يكون إلاَّ عند قلَّة الشيء؛ إذ لو كان كثيرًا لم يكن هناك إيثار بالمعنى المتقدّم، فالآية إذن تعبير صريحٌ عن الضيق الاقتصادي الذي كان يعاني منه أهل المدينة.

لم تكن المدينة في حالة اقتصادية جيدة عند قدوم المسلمين إليها مهاجرين من مكة، وبعد ذلك استقرَّ رأْي الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يحدث في المدينة تغييرًا شاملاً يقضي به على الفساد المستشري في أوضاعها، ويزيل المعالم الَّتي من شأنِها أن تُثير الأحقاد بين سكَّانها، ويُرسي قواعد جديدة للأمَّة التي يريد تكوينها.

ولا شكَّ أنَّ الإسلام حين دخل المدينة ألَّف بين الأوس والخزرج، وانتهتْ بذلك جَميع الخلافات التي استمرَّت مدَّة طويلة؛ لهذا نجد أنَّ سكَّان المدينة تفرَّغوا لأعمالهم الزّراعيَّة وبدأت المحاصيل الزّراعيَّة تكثر في المدينة، وبدأ المهاجِرون وأصحاب الخبرة التجارية يمارسون التجارة وأخذ الوضْع الاقتصادي يتحسَّن قليلاً. وبهذا بدأ الاقتِصاد في المدينة بطيئًا والمسلمون ينتظِرون اليُسْر بعد العسر، والرسول صلى الله عليه وسلم بينهم لا يتميز عنهم.

فالإسلام حينما دخل المدينة كانت غارقةً في أوضاع اقتِصاديَّة سيِّئة للأسباب الآتية:

1- أنَّ اليهود أمسكوا بزمام الأمر بواسطة رؤوس الأموال الضَّخمة.

٢- تفشِّي الربا بصورة كبيرة من قِبَل اليهود، وكاد يقضي على ممتلكات النَّاس.

٣- انتشار الرشوة، والعبث بالمكاييل والموازين.

وأمام هذه الأوضاع الاقتِصاديَّة السيِّئة وضع الإسلام أسسًا أرْسى عليها الاقتِصاد الَّذي يُريد بناءَه من جديد؛ لهذا أعطى الإسلام العمل منزلة عالية وقدرًا رفيعًا، لهذا حثَّ عليه ورغَّب فيه، ولتأكيد هذا المعنى في النفوس قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحد طعامًا قطّ خيرًا من أن يأكُل من عمل يده، وإنَّ نبيَّ الله داود كان يأْكُل من عمَل يده) [التاريخ الصغير].

من هذا يتَّضح لنا منزلة العمل في الإسلام واهتمام الإسلام به؛ لأنَّه مصدر من مصادر تنمية الاقتصاد، لهذا أدرك المسلمون ذلك فكان كل رجل منهم يتخذ لنفسه حرفة يعيش منها، إلى جانب ما يتلقَّاه من العلوم ويُفيد فيه الناس.

والإسلام يرفض تنمية الاقتِصاد من الرِّشوة والربا والغشّ، إلى غير ذلك ممَّا يؤدِّي إلى الإضرار بالنَّاس،وهذه الأمور كانت منتشِرة قبل الإسلام بين المجتمع بالمدينة، والَّذي يظهر من تتبُّع أخبار الدَّولة الاقتِصاديَّة أنَّ المسلمين بدؤُوا حياتَهم في دوْلتهم الأولى في شظفٍ من العيش وخشونة من اللِّباس، وحاجة ماسَّة إلى الضَّرورات الأوليَّة.، ولعلَّ هذا هو الَّذي دفع الرَّسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم المسجِد بيتًا ونزلاً، وبنى فيه الصُّفَّة التي كان يأْوي إليْها الفقراء من المسلمين.

وظلَّت الأوْضاع كذلك بالنسبة للمسْلمين، وهذا الأمر طبيعي عند تأْسيس الدُّول النَّاشئة، وخاصَّة في مثل الظُّروف التي نشأت فيها دولة الإسلام، فإنَّها قامت وكلّ جيرانها أعداءٌ لها، فلم يوجد لها من الأصدِقاء مَن يقدِّم لها العون والمساعدة.

 بدأتِ الأوْضاع الاقتصاديَّة في المدينة في التحسُّن شيئًا فشيئًا، وخاصَّة بعدما بدأ المسلمون معاركهم العسكريَّة مع أعدائهم، وكسبوا من الغنائم والفيْء ما وسَّع الله به عليهم.

الزّراعة:

نظرًا لما تتمتَّع به أرض المدينة من اعتِدال في المناخ ووفرة المياه، أصبحت بلدًا زراعيًّا زاول غالبيَّة أهلها الزِّراعة عربًا كانوا أم يهود، ومعظم سكَّان المدينة يعملون في أراضيهم الزّراعيَّة بأنفسهم [البغدادي، الفرق بين الفرق] على مختلف مستوياتهم؛ وذلك أنه لم يكن لأكثرهم خدم يكفونهم العمل في أراضيهمو، وقد عمل بعض الفقراء والمحتاجين الَّذين لا يملكون أراضي زراعية بأجرة عند غيرهم ممن يملكون الأراضي [البلاذري، أنساب الأشراف].

والزّراعة هي عماد اقتصاد المدينة حين قدوم المهاجرين إليها، وكان التَّمر أهم محصولاتها الاقتصادية [فتوح البلدان]، يليه في الأهمّية الشعير حيث كان منهما غالب طعام أهلها، وإلى جانب هذين المحصولين الرئيسين محاصيل أخرى كثيرة ومتنوعة مثل الخضروات والقمح والفواكه، ويذكر ياقوت أنَّه كان يزرع بالمدينة محصول زراعي يدعى (حبّ البان) ويبدو أنَّ لهذا المحصول أهمية اقتصادية لأهالي المدينة؛ حيث ذكر أنَّه كان ممَّا يصدَّر إلى خارج البلدة.

ويستنتج من حديث رواه البخاري[ابن تيمية: مجموعة الرسائل والمسائل] أنَّ الأنصار عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدومه المدينة أنَّ يقسم أراضيهم الزراعيَّة بينهم وبين إخوانهم المهاجرين الذين تركوا أموالهم بمكَّة، فلم يوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا العرض من الأنصار، وفضَّل أن تبقى أراضي الأنصار ونَخيلهم بأيديهم كما هي ويتولَّون زراعتها والعناية بها وحدهم دون المهاجرين، على أن يتكفَّلوا بمساعدة إخوانهم المهاجرين وذلك بتقديم ما يكفي حاجتَهم من ثمارها ومحاصيلها، وقد قام الأنصار فعلاً بمنح بعض المهاجرين عذاقًا في مزارِعهم يأخذون ثمارها، وذلك مساعدة لهم من الأنصار بدون مقابل[تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير]، ويشير الحديث السَّابق إلى أنَّ المهاجرين لم يعملوا في زراعة الأراضي بالمدينة في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم وذلك بأمر منه.

وقد فسَّر العمري موقف رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ورفضه مبدأ تقسيم أراضي الأنصار بينهم وبين إخوانهم المهاجرين بالعمل في الزراعة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حاجة إليهم ليقوموا معه بتحمُّل مهامّ الجهاد والدَّعوة [ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة]، ومن المعروف أنَّ عبء القتال والجهاد كان يقع في بداية الأمر على عاتق المهاجرين، فقد رُوي أنَّ الأنصار لَم يشتركوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبْل غزوة بدْر الكبرى في غزْوة ولا سريَّة [فتح الباري].

وممَّا يؤيِّد عدم اشتِغال المهاجرين بأيديهم في الزِّراعة بالمدينة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا غنم أراضي بني النَّضير وغيرهم من اليهود في يثْرب وأقطع منها، ذكر أنَّهم أعطوها مزارعة لمن يصلحها لهم ويزرعها مقابل شيء معلوم من نتاجها.

كما تجدر الإشارة هنا إلى أنَّه لم يكن للمهاجرين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبيد يستخْدِمونهم في إصلاح أراضيهم وزراعتها، كما يفعل النَّاس في مكَّة في أراضيهم التي كانوا يملكونها، هذا إلى جهل غالبية المهاجرين بشؤون الزّراعة وقلَّة خبرتِهم بأمورها.

ولعلَّ استبعاد اشتغال المهاجرين بالزراعة يخالف الرأي القائل: إنَّ المهاجرين قد عملوا بالزراعة في المدينة إلى جانب الأنصار، ولعلَّ الذي حدث هو العكس تمامًا؛ ذلك أنَّه عندما أقطع النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعض الصَّحابة من المهاجرين أراضي بالمدينة، قام أولئك بدفْعِها إلى من يصلحها ويزرعها من الأنصار مقابل جزء معلوم من نتاجها يتَّفق عليه الطرفان مسبقًا [الخزاعي: تخريج الدلالات السمعية].

ويبدو أنَّ الزراعة في المدينة قد ازدهرت وتحسَّنت في عهد النبوَّة عمَّا كانت عليه من قبل؛ وذلك بسبب تشجيع النبي لأصحابه باستصلاح ما أقطعهم [الخطيب البغداد: تاريخ بغداد] من أراضٍ كما يُروى أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يأمر الناس بغرْس فسائل النَّخيل في مكان ما يقطع من شجر [ابن خلكان: وفيات الأعيان].