غير ذي عوج: عبقرية العربية من إعجاز النظم إلى حصون الهوية
12 يناير، 2026
العلم والعلماء

بقلم د. تاليا عراوي
كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان
تتبوأ اللغة العربية، التي اشتُهِرت بكونها لغة الضاد، مكانةً لا تُضاهى في المشهد اللغوي الإنساني؛ ويعود منبع هذا التميز إلى حرف الضاد بوصفه صوتاً انفجارياً لثوياً مجهوراً مُفخماً، يُنتَج من حافتي اللسان مع ما يجاوره من الأضراس، وهو الصوت الذي عُدَّ تاريخياً حِكراً على ناطقيها ويَصعُب على غير أبنائها إتقانه. لقد استحال هذا الحرف وساماً ثقافياً يعكس صمود اللغة وعزتها، وغدا سراً صوتياً يرمز لهوية عميقة ونمط تعبيري جمالي فريد.
وبمعزل عن ندرتها الصوتية، تمثل العربية الشريان الحيوي للحضارة الإسلامية وخزاناً ثقافياً بَهَر عقول المفكرين العالميين؛ فحين يتأمل مفكرون مثل نعوم تشومسكي في العمق الهائل الذي فاتهم لعدم معرفتهم بالعربية، أو حين يصف إدوارد سعيد اللغة بأنها حصن الهوية، فإنهما يُقرّان بنظام لغوي يعمل بدقة رياضية تشبه الخوارزميات، وينبض بروح فنية مبدعة. وتتجذر هذه البنية في نظام اشتقاقي ثلاثي الجذور معقد، حيث تحمل كل كلمة في طياتها الشفرة الوراثية لأصلها، مما يخلق شبكة من المعاني تمنح اللغة قدرة مذهلة على الإيجاز والبيان المعروف بالإعجاز.
وفي مشكاة التراث الإسلامي، تلتصق أهمية هذه اللغة بالعقيدة التصاقاً لا انفصام فيه، إذ تُعتبر وعاءً للوحي الإلهي. لقد نزل القرآن الكريم على النبي محمد ﷺ في لِسان عربي مبين، وأكد صراحة على هذا الاختيار اللغوي كأداة للاتصال المعرفي، كما في سورة يوسف: “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ “. إن هذا الاختيار الرباني يضمن للبشر استخدام ملكاتهم الفكرية لاستيعاب الرسالة الخاتمة وتحقيق حالة مِن الخشوع في العبادة، مما يُفضي إلى طمأنينة العقل وسلام الروح. وعلاوة على ذلك، يستعرض القرآن كمال صياغته وإحكام بنائه في سورة الزمر، مؤكداً: قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
وبما أن القرآن هو كلام الله الحرفي، تمثل العربية الجسر الوحيد بين العقل البشري والبيان الإلهي، والسبيل الأوحد للولوج إلى القرآن والسنة في صورتهما الأصلية دون القيود أو الظلال التي تضيع في الترجمة. ويتعزز هذا المفهوم في سورة الرعد بوصفه “حُكْماً عَرَبِيًّا” ، مما يشير إلى أن دقة اللسان جزء أصيل من إقامة العدل وضبط عقيدة المؤمن ورؤيته للعالم ؛ فالعربية تساعد على محاذاة العقل مع المقاصد القرآنية العميقة لمفاهيم مثل كَلِمة “التقوى”، التي يَعجز اللسان الأعجمي عن الإحاطة بكل طبقات معانيها.
ويتجلى الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم في نظام النظم الفريد الذي تتوحد فيه الكلمة مع معناها في بناء هندسي معجز، حيث تُختار اللفظة لظلالها النفسية ودلالاتها الدقيقة التي لا يسد مسدها غيرها في سياقها. ومن أقوى الأدلة الاستقرائية على هذا الإعجاز هو التفريق بين الألفاظ التي يظنها البعض مترادفة، كالتفريق بين السنة والعام في سورة يوسف؛ إذ نجد أن السنة ارتبطت لغوياً بمواضع الجدب والشدة كما في قوله تعالى: تزرعون سبع سنين دأباً، بينما خُصَّ العام بمواضع الرخاء والخصب كما في قوله: عام فيه يغاث الناس، وهو تفريق دقيق يربط بين الجرس الصوتي للكلمة والحالة الواقعية، مما يمنح النص أبعاداً شعورية تضيع تماماً في اللغات الأعجمية التي تفتقر لهذا الثراء الاشتقاقي.
ويبرز هذا الإحكام أيضاً في قوله تعالى في سورة الذاريات: إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم؛ ففي العربية يعد وصف الريح بالعقيم قمة الإعجاز، لأن العقم في اللسان العربي هو فقدان القدرة على الإنتاج أو الإتيان بخير، فبدلاً من أن تكون الريح سبباً في التلقيح أو نزول المطر، جعلها الله عقيماً لا تنتج إلا الهلاك والدمار، وهذا الاستخدام يختزل مشهداً درامياً وبيولوجياً كاملاً في كلمة واحدة تصف حال الريح وأثرها بدقة لا تدركها طاقة البشر.
أما عند محاولة نقل هذه المعجزات البيانية إلى لغات أخرى، فإن هذا الإعجاز البنائي يتلاشى بالضرورة، لأن الترجمة في حقيقتها هي نقل للفهم البشري القاصر وليست نقلاً للنص الإلهي بخصائصه التركيبية العميقة. فالمترجم، مهما بلغت فصاحته، يعجز عن نقل الإيجاز الإعجازي الذي يجمع معانٍ شتى في لفظ واحد؛ فكلمة العقيم تترجم غالباً إلى كلمات مثل “Barren” أو “Destructive”، وهي كلمات قد تشير لعدم الإنجاب أو الدمار، لكنها لا تحمل في اللغات الأخرى هذا التضاد الرهيب بين وظيفة الريح الطبيعية المتمثلة في النماء وبين وظيفتها في العذاب كما يفعل اللفظ العربي. إن النص القرآني يتنزل بمنظومة لغوية متعددة الأبعاد، بينما تظل الترجمة أحادية البعد تركز على المعنى السطحي وتغفل عن الأسرار البيانية والجمالية التي هي جوهر الإعجاز. وبناءً عليه، يظل القرآن عربياً في جوهره وروحه، وتظل الترجمات مجرد محاولات بشرية لتقريب الفهم، مجردة من القوة التأثيرية والجزالة اللغوية التي اختص بها الوحي في لسانه المبين.
ويتصل هذا الإعجاز بسورة الكوثر التي تبدأ بقوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ؛ وهنا نجد إعجازاً في اختيار لفظ “أعطيناك” بدلاً من “آتيناك”؛ فالعطاء في اللغة العربية يفيد التمليك والدوام، بينما الإيتاء قد يكون مؤقتاً أو مسترداً، مما يطمئن قلب النبي ﷺ بأن ما ناله من فضل هو ملك دائم له لا ينقطع. وكلمة “الكوثر” على وزن “فَوْعل” وهي صيغة مبالغة من الكثرة، تشمل في طياتها نهراً في الجنة، وشفاعة عظمى، وكثرة في الأتباع، ورفعة في الذكر؛ وهذا الشمول في اللفظ الواحد يضيع تماماً عند ترجمته إلى لغات أخرى تكتفي بكلمة تعني “الوفرة” أو “الخير الكثير”، فتفقد الكلمة عمقها الاشتقاقي وصيغة المبالغة التي تملأ الوجدان.
ثم يأتي الأمر الإلهي: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، حيث نجد حرف الفاء الذي يفيد التعقيب والترتيب، ليدل على أن العبادة هي النتيجة المباشرة والشكر الواجب على ذلك العطاء العظيم. وقد خص الصلاة والنحر لأنهما أفضل العبادات البدنية والمالية، وفي قوله “لربك” التفات بياني يرسخ معنى الربوبية والرعاية والعناية الخاصة بالنبي ﷺ. أما ختام السورة في قوله: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، فهو قمة الإعجاز في رد الكيد؛ فالأبتر في لغة العرب هو المقطوع الذنب أو الذي لا عقب له، وقد استخدمها المشركون للسخرية من النبي ﷺ لوفاة أبنائه الذكور، فجاء الرد القرآني بنفس اللفظ ليعكس المعنى عليهم بصورة معجزة، فجعلهم هم المقطوعين من كل خير ومن الذكر الحسن، بينما بقي ذكر النبي ﷺ مرفوعاً في العالمين. إن هذا النظم الذي يربط بين نفي النقص وإثبات الكثرة المطلقة في ثلاث آيات فقط، يمثل منظومة لغوية محكمة لا يمكن للترجمة أن تنقل وقعها النفسي أو دقتها التشريعية والعقائدية، مما يثبت أن القرآن في لغته هو معجزة قائمة بذاتها لا تقبل التجزئة أو الاستبدال.
لقد كرس النبي محمد ﷺ مكانة هذه اللغة بسيرته وتعليمه، وهو الذي عُرِف بكونه أفصح العرب، مَنحه الله جوامع الكلم؛ تلك الموهبة الفذة في التعبير عن حقائق كبرى بكلمات يسيرة بليغة. وقد أدرك الصحابة أن إتقان اللغة هو عين إتقان الدين، فكان عمر بن الخطاب يَهتف بالمؤمنين “:تعلموا العربية فإنها من دينكم”، وفي موطن آخر أكد أنها تثبت العقل وتزيد في المروءة. لقد نظر الفاروق إلى الدقة اللغوية كامتداد لاستقامة الروح، فكان يقول “:أجِدّوا في تعلم العربية فإنها تزيد في الدين”، بل وعُرف عنه توبيخ رُماة لَحَنوا في قولهم بقسوة فاقَت توبيخه لهم على خطأ رمي السهام، ليقينه أن “اعوجاج” اللسان يقود بالضرورة إلى “اعوجاج” القلب.
وهنا تلتقي رؤية التراث مع فلسفة اللغة الحديثة، حيث يُلخص الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين هذه العلاقة الوجودية بقوله ” حدود لغتي تعني حدود عالمي “. فإذا ضاقت اللغة أو اعوجّت، ضاق معها أفق الإدراك البشري للحقائق الكبرى. وهذا النَّهج هو ما استقر لدى أئمة العلم كالإمام الشافعي وابن تيمية، حيث قرروا أن تعلم القدر الكافي من العربية “فرض عين” على كل فرد لإقامة عبادته، بينما التبحر فيها “فرض كفاية” لحفظ كيان الدين فالإمام الشافعي، الذي أمضى عشرين عاماً في بوادي العرب ليستقي اللغة من منابعها الصافية، جعل في كتابه “الرسالة” استقامة الإيمان مرهونة باستقامة البيان، ورأى في بنية العربية حصناً إلهياً ضد اللبس، يسمح للمرء بالتفكير عبر مصطلحات ومنطق القرآن. واتصالاً بهذا الفهم، برهن ابن تيمية على أن اللغة العربية هي المهندس الأول للعقل والشخصية البشريين، معتبراً أن اعتياد التحدث والتفكير بها يؤثر حتماً في العقل والديانة والخلق، حيث تفرض اللغة منطقاً قرآنياً وإطاراً أخلاقياً يعمل كصراط مستقيم للعمليات الذهنية؛ ومن هنا، وُصِفت العربية بأنها ثوب جمال للمؤمن، يُعبر عن مكنونات صدره بوقار وفصاحة.
ولكن، ورغم هذه السيادة، تواجه اللغة اليوم تهميشاً ممنهجاً عبر طيف من الجهود التي تظهر بصور مباشرة وغير مباشرة، وصلبة وناعمة، وضمنية ومعلنة. ففي كثير من مدارس النخبة داخل الدول العربية، برز توجه مقلق يقضي بإعفاء الطلبة العرب من دروس اللغة العربية لمجرد حملهم لجوازات سفر أجنبية. هذه السياسة تخلق تراتبية تُعامل فيها اللغة الأم كرفاهية اختيارية لا كركيزة وجودية، مما يُنتج جيلاً من يتامى اللغة الذين يجوبون الآفاق بلغات غريبة ويعجزون عن فك شفرات هويتهم؛ الأمر الذي يجعلهم في حالة انفصال عن هويتهم العربية الحقة، إن لم يصل بهم الأمر إلى الشعور بالخجل منها.
ويزداد هذا التهميش استفحالاً مع التعرية الثقافية الناعمة المتمثلة في كتابة العربية بحروف لاتينية، وهي الظاهرة المتفشية في رسائل الواتساب ولوحات المتاجر والإعلانات الضخمة ذات الميزانيات العالية. فحين تختار مؤسسة في قلب عاصمة عربية الخط اللاتيني على حساب الحرف العربي، فإنها تُكرس معتقداً ضمنياً مدمراً يرى في اللغة الأصيلة عجزاً عن مواكبة الحداثة. إن الانصراف عن العربية واستبدالها بلغات أعجمية أو تشويه رسمها بالحرف اللاتيني )واستبدال الحروف الأصيلة بأرقام مثل 3 و7 و9( ليس مجرد خيار أسلوبي عابر، بل هو خيانة فكرية وحضارية وروحية عميقة لجوهر اللغة، ونقض لِلأَمانَة التي تقتضي حفظ الوحي في صفائه، وخلق حالة من الاعوجاج في الفهم كان الصحابة يحذرون منها بشدة.
لقد نظر ابن تيمية إلى هذه التحولات بوصفها إزاحة نفسية؛ فبمجرد كسر الارتباط الإدراكي بين القلب والمصطلحات الإلهية، يفقد المؤمن العمق متعدد الطبقات الذي لا يمنحه إلا النظام الاشتقاقي الأصيل. وكما أدرك عمر بن الخطاب، فإن الخطأ في البيان أشد جسامة من الخطأ في الرمي، لأن ضياع اللغة يتبعه ضياع قلب التراث وهويته. ولذا، فإن الوقوف ضد هذا التآكل هو قضية وجودية ومعركة بقاء حضاري.
إن أزمة العربية هي في جوهرها أزمة ثقة حضارية؛ فالتهميش المتعمد للسان القرآن هو إغلاق تدريجي لأبواب أربعة عشر قرناً من التاريخ الفكري. ومع ذلك، يبقى جوهر المسألة هو قوة الحب و الرغبة الصادقة في التحدث بلسان الوحي ولسان النبي محمد ﷺ. إن الحفاظ على لغة الضاد ليس مجرد فعل عاطفي، بل هو ضرورة دينية وثقافية لضمان أن يظل الوحي قوة حية ونابضة للأجيال القادمة، وبدون هذه اللغة، تضيع القدرة على التعامل المباشر مع العقل وقلب التراث، ليبقى المرء أسيراً لتجربة لغوية ثانوية ومترجمة، بعيداً عن الهوية النابضة التي أُريد لها أن تكون غير ذي عوج.
ختاماً، إنَّ الدفاع عن لغة الضاد ليس انحيازاً لعرقٍ أو تعصباً لقومية، بل هو صونٌ لأرقى نظامٍ معرفي وجمالي عرفه الوجدان البشري. إنها المعركة التي لا تستهدف استعادة الماضي، بل تهدف إلى تأمين المستقبل؛ فبقدر ما يستقيم لساننا، تستقيم أفكارنا، وبقدر ما نعتز ببياننا، نثبت جدارتنا بالشهود الحضاري. إن الأمانة الملقاة على عواتقنا اليوم تتجاوز مجرد الحفظ السلبي، لتصل إلى مرتبة الاستئمان على جوهر الوجود؛ فالعربية هي الحصن الذي يحمي العقل من التشتت والروح من الاغتراب. فليكن تمسكنا بها فعل حُبٍ واعٍ، واستثماراً في هوية لا تزيدها الأيام إلا عراقة، لنضمن أن يظل صوت الوحي فينا غير ذي عوج، نابضاً بالحق، وشاهداً على جلال الكلمة التي بدأت بـ “اقرأ” ولن تنتهي ما دام فينا لسانٌ يبين.