الاستحسان عند الأصوليين (20)
6 يناير، 2026
العلم والعلماء

بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف
الاستحسان لغة هو: عد الشيء حسناً، واصطلاحا هو: العدول عن قياس جلي إلى قياس خفي، أو هو استثناء مسألة جزئية من أصلٍ كلي لدليل تطمئن إليه نفس المجتهد، مثال للعدول عن القياس الجلي الحكم المقرر في الفقه الحنفي أن الحقوق الإرتفاقية كحق الشرب والمسير والمرور للأرض الزراعية لا تدخل في عقد البيع دون النص عليها، فهل يثبت هذا الحكم نفسه عند وقفها دون نص عليها في العقد أم لا؟ قال الحنفية القياس عدم دخولها والاستحسان دخولها؛ لأن وقف الأراضي الزراعية يتجاذبها قياسان جلي وهو قياسها على البيع وهو المتبادر إلى الذهن بجامع ما في البيع والوقف من إخراج الملك من مالكه ومقتضى هذا القياس الجلي عدم دخول الحقوق الإرتفاقية في الوقف تبعاً للأرض من دون ذكرها والنص عليها، والقياس الثاني: قياس خفي وهو قياسها على الإجارة بجامع في الوقف والإجارة، فتملك منفعة العين لا تملك العين نفسها، ومقتضى هذا القياس دخول الحقوق الإرتفاقية في الوقف تبعاً بلا حاجة للنص عليها فاستحسان المجتهد للقياس الخفي أقوى من تاثير القياس الجلي حتى يتم الانتفاع بالشيء الموقوف.
ومثال استثناء مسألة جزئية من أصل كلي جواز وصية المحجور عليه لسفهٍ في وجوه الخير فقد جازت هذه الوصية استحساناً، والقياس عدم الجواز فالقاعدة العامة تقتضي بعدم صحة تبرعات المحجور عليه لسفهٍ حفظا لماله ولكن استثنيت وصيه في وجوه البر من هذه القاعده العامه استحسانا ويدخل في هذا ايضا وقفه على نفسه.
أنواع الاستحسان من جهة مستنده:
أـ استحسان بالنص وهو: أن يرد من الشارع نص خاص في جزئية يقتضي حكماً لها على خلاف الحكم الثابت لنظائرها بمقتضى القواعد العامة، كالقاعدة العامة التي تقتضي بيع المعدوم ولكن استثنى منه بيع السلم، وهو: بيع ما ليس عند الإنسان وقت العقد بنص خاص، وهو حديث: “من أسلف منكم فليسلف في كيل معلوم ووزن المعلوم إلى أجل معلوم”، ومثاله أيضا خيار الشرط فقد جاز استحسانا لورود النص في السنة بجوازه ثلاثه أيام استثناءً من الأصل الكلي في العقود القاضي بلزومها.
ب ـ الاستحسان بالإجماع كعقد الاستصناع فهو جائز استحسانا، والقياس عدم جوازه؛ لأنه عقد على معدوم وأنما جاز استثناءً من القاعدة العامة، ودليل الاستحسان هنا جريان التعامل به بين الناس دون إنكار من أحدٍ، فكان إجماعاً.
ج ـ الاستحسان بالعرف كجواز وقف المنقول الذي جرى العرف بوقفه كالكتب والأوأني ونحوها على رأي بعض الفقهاء استثناء من الأصل العام في الوقف وهو أن يكون الوقف مؤبداً فلا يصح إلا في العقار لا في المنقول وأنما جاز وقف المنقول لجريان العرف به.
دـ استحسان بالضرورة، ومثاله العفو عن رشاش البول والغبن اليسير في المعاملات لعدم إمكان التحرز منه استحسانا للضرورة ودفع الحرج عن الناس.
هـ ـ استحسان بالمصلحة تضمين الأجير المشترك ما يهلك عنده من أمتعة الناس إلا إذا كان الهلاك بقوة قاهرة لا يمكن دفعها أو التحرز منها، مع أن الأصل العام يقضي بعدم تضمينه إلا بالتعدي أو بالتقصير؛ لأنه أمين، ولكن افتى كثير من الفقهاء بوجوب الضمان عليه استحسانا رعاية لمصلح الناس وحفاظاً على أموالهم؛ نظراً لخراب الذمم.
وـ استحسان بالقياس الخفي كما مضى في مثال وقف الأرض الزراعية دون النص على حقوقها الإرتفاقية، ومثاله أيضاً الحكم بطهارة سباع الطير، فالقياس الجلي هو قياسه على سؤر البهائم وهو يقضي بنجاساته ولكن قالوا بطهارته قياساً على سؤر الآدمي؛ لأنها تشرب بمناقيرها وهي عظام طاهرة وهنا قياس خفي كان الحكم به استحساناً.
حجية الاستحسان:
أنكر الاستحسان الشافعية وغيرهم، حتى نقل عن الشافعي أنه قال: “الاستحسان تلذذ وقول بالهوى”، وقال: “من استحسن فقد شرع”، والظاهر أن اطلاق لفظ الاستحسان أثار عند بعض العلماء معنى التشريع بالهوى فانكروه، والحقيقة أن الاستحسان بالهوى ليس بدليل بلا خلاف بين العلماء، وعلى هذا النوع يُحمل إنكار المنكرين، أما الاستحسان الثابت بالنص الأولى عدم تسميته بالنص لا بالاستحسان، ولكن الحنفية اصطلحوا على تسميته استحساناً.