
المقالة الثانية من سلسلة ( أنفاس آل البيت… عبيرٌ لا ينطفئ )
بقلم الدكتورة : إيمان إبراهيم عبد العظيم
مدرس بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر – واعظة بوزارة الأوقاف
السيدة زينَب رضي الله عنها… مدرسة الصبر والعِزَّة، ولسان الحقّ في وجه الطغيان.
حديثُنا اليوم ليس عن اسمٍ يُكتب في سِفْر التاريخ، بل عن روحٍ انبلجت في بيت النبوة، وتنفَّسَت عبقَ القرآن، واتّخذت من الألم عبادة، ومن الموقف رسالة، ومن الصمت بلاغة، ومن الكلمة سيفًا. إنها السيدة زينبُ بنتُ عليٍّ، رضي الله عنهما، عابدةُ آلِ عليٍّ، الصديقةُ الصغرى، التي لو قيل فيها: إنها معصومةٌ من الزلل لما جانَبَ الحقَّ قولٌ، ولا خالَفَ الحقيقةَ نطقٌ.
– الصديقة التي سماها الله عز وجل:
لقد اختار لها اسمَها ربُّ العِزَّة من فوق سبع سماوات، فلم يكن زينبٌ اسمًا يُمنح اعتباطًا، بل تكريماً من السماء، إذ نزل جبريلُ الأمينُ على خير الأنام ﷺ، وقال: «سَمِّ هذه المولودةَ زينبَ؛ فقد اختارَها اللهُ بهذا الاسم». وما إن وُلدتْ حتى كأنه قد بكت السماءُ قبل الأرض، وانهمرت دموعُ النبيّ الأكرم ﷺ مختلطة بالفرح والحزن، وكأنه ينظر بعينِ الغيبِ إلى مآسيَ لا تُحتمل، ومحنٍ لا تُطاق، تنتظرُ تلك الطفلةَ الطاهرةَ، بنت الصديقة فاطمةَ عليها السلام ريحانةَ رسولِ الله ﷺ .
– هي الطاهرة نسل الأطهار الكرام:
وُلدتْ في بيتٍ قال الله فيه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، فنشأت في حِجرِ الوحي، ورضعت لبانَ اليقين، وتعلَّمت من أبيها أميرِ المؤمنين، ومن أمّها سيدةِ نساءِ العالمين، حتى صارت عالمةً فقيهة، عابدةً زاهدة، قويةَ القلب، ثابتةَ الجنان، لم يزلزلها خطبٌ، ولم يُوهِنها بلاءٌ.
وإذا كانت ولادتُها قد اختلفَ المؤرخون في توقيتها فبعضُهم يقول: كانت في الخامس من جمادى الأولى سنة خمسٍ للهجرة، وآخرون يرونها بعد ولادة أخيها المحسن رضي الله عنه.
وإنّ مكانتَها في قلوب المؤمنين لم تختلف قطّ عبر الزمان، بل اتّفق الجميعُ على أنّها نِدُّ الرجالِ في الحزم، ورفيقةُ الحسينِ رضي الله عنه في المحن، وحارسةُ العقيدةِ في الشدائد.
– موقعة كربلاءُ… وموقفها الراسخ:
لقد كان سيفُ الغدر في كربلاء يخطُّ مصيرَ الأمةِ بدمِ الحسينِ رضي الله عنه، فما كان من زينبَ رضي الله عنها إلا أن جعلتْ من جراحِها نبراسًا، ومن دموعِها بلاغةً، ومن صبرِها ثورةً على الطغيان وجحود المنافقين، رافقتْ أخاها إلى كربلاء، ووقفتْ إلى جانبه لا تخافُ في الله لومةَ لائم، ورأت بأمِّ عينيها أبناءَها يُقتلون، وإخوتَها يُمزَّقون، وخيامَها تُحرَق، وحرماتِها تُنتهك، فما عجزت، ولا جزعت، بل وقفت شامخة أبية كالرواسي من الجبال، ورغم ذلك، لم تَنْكَسِر، بل نهضتْ كالطودِ الشامخِ، تحملُ رايةَ الحقِّ بعد سقوطِ السيف، ويدلك على ذلك موقفها الثابت وهي تخطب في أهل الكوفة:
– خطبتها العصماء بين يدي أهل الكوفة:
ولمّا دخلت قافلةُ السبايا الكوفةَ، خرج أهلُها يتفرَّجون، فخطبتْ خطبتَها العظيمةَ، قائلةً: «أتبكون؟ فلا سكنت العبرةُ، ولا هدأت الرنةُ! ويلكم! أتدرون أيَّ كبدٍ لرسول الله فريتم؟ وأيَّ عهدٍ نكثتم؟». كلماتٌ كالبرقِ تشقُّ ظلمةَ النفاق، وتهزُّ قلوبَ الغافلين، وتُحيي الضمائرَ الميّتة.
– وكذلك خطبتها في الشام، معقل يزيد – عامله الله بعدله-:
و لما دخل علي بن الحسين عليه السلام وحرمه على يزيد جيء برأس الحسين عليه السلام ووضع بين يديه في طشت، وجعل يزيد يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده وهو يقول:
ليـــت أشيـــــاخي ببــدر شهـدوا * جـزع الـخـزرج مـن وقــع الأســل
لأهلــــوا واستهــــلوا فــرحًــا * ثم قــــالوا يــــا يـزيد لا تشــل
لعــــبت هــــاشم بالمـــلك فــلا ***خــــبر جــــاء ولا وحـي نــزل
فقامت عقيلة آل البيت زينب بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وقالت:
“الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون﴾ [الروم: ١٠].
أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأُسارى أنَّ بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة؟!، وإنَّ ذلك لعِظَمِ خَطَرِكَ عنده، فشمَخْتَ بأنفِكَ، ونظرت في عطفِك،جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوثقة، والأمور متَّسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨].
أمِن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله ﷺ سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهنَّ الأعداء من بلد الى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفَّحُ وجوههن القريب والبعيد، والدنئ والشريف، ليس معهنَّ من حُماتهنَّ حميّ ولا من رجالهنَّ وليّ، وكيف يُرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والإحن والأضغان ثمَّ تقول غير متأثِّم ولا مستعظم:
لأهلوا واستهلوا فرحاً * ثمَّ قالوا يا يزيد لا تشل
منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيِّد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك، وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذريَّة محمد ﷺ، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك زعمت أنَّك تناديهم فلترِدنَّ وشيكاً موردهم ولتودنَّ أنَّك شُلِلتَ وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت, اللهم خذ لنا بحقِّنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا.
فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت الا لحمك، ولتردنَّ على رسول الله ﷺ بما تحمَّلت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلمَّ شعثهم، ويأخذ بحقّهم ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وحسبك بالله حاكمًا، وبمحمَّد صلى الله عليه وآله خصيمًا، وبجبرائيل ظهيرًا، وسيعلم من سوّل لك ومكَّنَك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلاً وأيّكم شرٌ مكانًا، وأضعف جنداً.
ولئن جرَّت علي الدواهي مخاطبتك، إنّي لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى.
ألا فالعجب كل العجب، لقتل حزب الله النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تَنْزفُ من دمائنا، والأفواه تتحلّب من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفرها أمّهات الفراعل ولئن اتّخذتنا مغنمًا، لتجدنَّا وشيكًا مغرمًا، حين لا تجد إلا ما قدَّمت يداك وما ربُّك بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى وعليه المعول.
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جُهدَك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند؟ وأيَّامك إلا عدد؟، وجمعك إلا بدد؟، يوم ينادي المنادي: (ألا لعنة الله على الظالمين).
والحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة، إنّه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
– وكيف لا تقولُ ذلك، وهي التي رأت يومَ عاشوراءَ كلَّ أحبتِها يسيرون إلى الموتِ شهداءَ، فلم تقلْ إلا: «ما رأيتُ إلا جميلًا».
كلماتٌ لا تخرجُ إلا من قلبٍ امتلأ يقينًا، واتّصلَ بالسماءِ اتصالَ النورِ بالشمس. إنه الصبرُ الجميلُ الذي لا شكوى فيه، بل تسليمٌ ورضا، وثباتٌ وإيمان.
سلم لسانك، وسلمتِ يدُكِ التي أمسكتْ برايةَ الحسينِ رضي الله عنه ، وصانتْ عِرضَ آلِ محمدٍ، وبلّغتْ رسالةَ كربلاءَ للأجيال.
– حنين إلى الطاهرة بكلمات يصوغها الشوق:
يا سيدةَ زينب! رضي الله عنك يا جدتاه، يا من جمعتِ بين رقةِ المرأةِ وصلابةِ البطلِ، بين دموعِ الأمِّ وخطبِ الحكيمِ، بين العبادةِ والموقفِ، بين الهزيمةِ الظاهرةِ والانتصارِ الأبديِّ.
أنتِ زينبُ، التي لا تُنسى، ولا تُمحى، ولا يُطفأُ نورُكِ، طالما في القلوبِ إيمانٌ، وفي الأمةِ ضميرٌ.
أنتِ من علَّمتنا أن الأنثى المؤمنةَ قد تكونَ جيشًا وحدها، وأن الكلمةَ الصادقةَ قد تهزمَ جيوشَ الظالمين، وأن الصبرَ مع اليقينِ يصنعُ من المآسي مجدًا، ومن الدموعِ تيجانًا.
– وفاتها رضي الله عنها:
وتُوفيتِ في الخامس عشر من رجب، في سنةٍ بين الثانيةِ والستينَ والخامسةِ والستينَ للهجرة.
فسلامٌ عليكِ يومَ وُلدتِ، ويومَ صبرتِ، ويومَ وقفتِ شاهدةً على الحقِّ، ويومَ تُبعثينَ حيَّةً عندَ ربِّك.
والحمد لله ربِّ العالمين، الذي ختم لأوَّلنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف