تربية الأبناء في الإسلام

بقلم الاستاذ الدكتور: نعيم شرف
العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر

لا ريب أن تربية الأبناء في الإسلام عبادة جليلة، وأمانة عظيمة، ومسؤولية كبرى يتوقف عليها بناء المجتمعات، وإذا كانت مكفرات الذنوب كثيرة، بحيث لا تكاد تحصى، وفي مقدمتها توحيد الله تعالى، والإيمان به، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأداء العمرة، وحج البيت، واجتناب كبائر الذنوب والمعاصي، والسعي على الرزق، والكسب الحلال، وكثرة الاستغفار، والتوبة، والدعاء.. إلى غير ذلك من الأعمال الصالحة، إذا كان كل ما سبق وغيره كثير من مكفرات الذنوب والآثام، فإن هموم الأولاد تُعَدُّ من أهم المُكَفِّرات للذنوب والخطايا، فكل هَمٍّ أو حزن أو مرض أو أذى يصيب المسلم، ويصبر عليه، ويَحْتَسِب، يكون كفارة لذنوبه وسيئاته

وخطاياه، ففي الخبر أن “من الذُّنُوبِ ذُنُوبٌ لا يُكَفِّرُهَا إِلَّا الْهُمُومُ، وفي لفظٍ آخرَ: إِلَّا الْهَمُّ بِطَلَبِ المَعِيشَةِ” وقال رسول الله صلى الله عليه

وسلم: “ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، من نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزْنٍ ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ “.

فالهموم والقلق والأحزان التي تدخل على القلب من أجل المباحات تُعَدُّ من مُكَفِّرات الذنوب والآثام؛ وفي حديث عائشة -رضي الله عنها- إذا كثرت ذنوب العبد ولم تكن له أعمال تكفرها أدخل الله تعالى عليه الهموم فتكون كفارة لذنوبه”.

وإن من أكثر ما يصيب الإنسان بالغَمِّ والهَمِّ إنما هو أولاده؛ وهذا سلوك غريزي غير مكتسب جُبِلَ عليه الآباء والأمهات، وإنما يأتي الهم والقلق نتيجة الإفراط الشديد في حب الأولاد، والتعلق بهم، والخوف عليهم من الفتن والمعاصي أو من التقصير في حسن تربيتهم، أو مما يُسْمع عن مشاكل اختلاط الأولاد، والظواهر الاجتماعية غير الأخلاقية، وانتشار التكنولوجيا والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، التي على الرغم من الإيجابيات التي تبثها، إلا أن سلبياتها عديدة، وتشكل خطرا حقيقيا على الأولاد من النواحي النفسية والصحية والاجتماعية والفكرية والدينية، كونهم في طور النشأة، وتنقصهم الخبرة والدراية في كيفية التعامل الواعي مع أخطار تلك الوسائل، فالوالدان -وإن كانا يستخدمان مع الأولاد أهم الوسائل التربوية الحديثة- فإنهما يكونان دائما الخوف والقلق عليهم، فحمل التربية ثقيل، وصلاح الحال والأحوال لا يكون إلا من اللَّه جل في علاه.

لكن ثمة فرق كبير بين القلق المفرط من الوالدين وبين الخوف المعتدل الذي يدفع إلى التوكل على الله، ويراعي الأخذ بأسباب الرعاية والحفظ برحمة الله، وهو أرحم الراحمين، أما الإفراط والمبالغة في الخوف على الأبناء فتؤدي بالأولاد إلى الانطوائية والانعزال عن المجتمع، وضعف الثقة بالنفس، والخجل في غير مواضعه، وضعف الشخصية؛ ولذلك ينبغي أن يكون الخوف والهَمُّ ممزوجا بتعميق الإيمان بالله تعالى، والاستعاذه به سبحانه من الشيطان الرجيم، وكثرة الاستغفار والدعاء لهم، وأن يكون كل هذا نابعا من السجية القلبية، والغريزة الإنسانية، وفطرة الطبع.

وليس من حسن التربية القسوة المبالغ فيها على الأولاد أو تدليلهم الزائد عن الحد؛ لأن الإهمال والتفريط في تربية الأبناء يؤدي حتما إلى عواقب وخيمة؛ ومنها العقوق، والانحراف، والإدمان، وارتكاب الموبقات، والانصراف عن طاعة الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: “من لا يَرحَم لا يُرحم”.

ومن ثم يجب على الآباء والأمهات تحقيق التوازن بين عاطفة الحب والانضباط، مع تعزيز الحوار البناء والتواصل الدائم بين مكونات الأسرة، ومراقبة المحتوى الذي يشاهدونه سواء من التلفاز، أو من خلال برامج التواصل الاجتماعي؛ درءا للفتن، والشهوات، والإغراءات المادية، ومختلف الضلالات.

فعلى الآباء أن يتحلوا بكامل المسؤولية تجاه الأبناء، تلكم الأمانة التي تشمل الإنفاق، وتوفير الحماية، وتعهدهم بالرعاية، وحق الأولاد في التعليم، وكثرة المناقشة، وحسن التربية الأخلاقية والدينية، وغرس العقيدة الصحيحة، وقِيَم الحب، والحنان، والتسامح، والصدق، والكرم، والأمانة، والعمل الصالح،واحترام المبادئ، وتوجيههم نحو الصلاح، وتأديبهم بالرفق، والحزم، وحقهم في ممارسة الألعاب الرياضية؛ للوقاية من الأمراض النفسية، والترويح عن النفس، والتنمية العقلية والصحية، وتتطوير قدراتهم ومهاراتهم الحركية، وتقوية عضلاتهم البدنية، وبهذا يكونوا أبناء صالحين لأنفسهم ولمجتمعهم، وبهذا يكون الأب راعٍ ومسؤول عن رعيته، فعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه ِ،فَالإِمَامُ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهْىَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”

فإذا ما قام الأبوان بمسؤوليتهما تجاه أولادهما كان هذا من الأثر الطيب الذي هو خلاصة الحكمة، والعمل الصالح، بل هو من غايات الإسلام، والإيمان بالله عز وجل، وللهِ دَرُّ أُنَاسٍ تركوا بصمة مُشْرِقَة مُشَرِّفَة، وإضافة إيجابية في قلوب الناس، فطابت سيرتهم، وخَلُد اسمهم أينما ذُكِـروا، ودام الدعاء لهم بالخير، وكان ذلك لهم إرثا ممتدا في القلوب عبر القرون والأزمان، وبه يُذْكرون، ويَحْسُن مآبهم، ويكون سببا من أسباب عفو الله جل في عُلاه، قال الله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَٰهُ فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ﴾ صدق الله العظيم، وقال النبي العدنان صلى الله عليه وسلم: “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا” وقال أيضا: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” صدق الله العظيم ونبيه الكريم.

وعلى هذا النحو تتحول هموم الأولاد إلى عمل صالح مكفر للذنب؛ لأنها مصحوبة بالاجتهاد في التربية، والصبر، واحتساب الأجر، والأخذ بالأسباب، والاستغفار، والدعاء، والاستعانة بالله جل في علاه، فهو خير معين، ولله الحمد والمنة، نسألك يا الله أن تَقِنا عَذابَـكَ يوم أن تَبْـعَث عِبـادَك، آمين.