حقائق الإيمان عند العارفين
2 يناير، 2026
منهج الصوفية

بقلم الشيخ : محمد رجب أبو تليح عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف
سلسلةمقامات السلوك إلى حضرة ملك الملوك المقال السابع:
مما هو معروف علما وشرعا أن الإيمان قول وفعل واعتقاد وهو درجة أعلى من الإسلام، فالإسلام أعمال بدنية، والإيمان أعمال قلبية، والإحسان هو عمل الروح.
ولا يزال المسلم في حضرة الحق يترقى من الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان، إن صحبته عناية مولاه، وأيده بهداه وتوفيقه ورضاه.
وللإيمان حقائق عند العارفين، كلمات تسطر بالذهب، منها:
قال بعض الشيوخ: حقائق الإيمان أربعة: توحيدٌ بلا حد، وذكرٌ بلا بت، وحالٌ بلا نعت، ووجدٌ بلا وقت.
وقد استنبط هؤلاء الشيوخ هذا التقسيم من مقاصد الشريعة الغرّاء، فإن التوحيد الذي لا حدَّ له هو ما أثبتته الآية الكريمة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11)، إذ لا يُدرَك ذاتُه تعالى بحدٍّ أو شبهٍ.
والذكرُ بلا بتٍ – أي: انقطاع- يعود إلى أمر الله عز وجل: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 205)، فليس للذكر انتهاءٌ يقطعه القلبُ المنيب.
وأمّا الحالة بلا نعتٍ، فهي تلك التي لا تحدها صفةٌ من صفات الخلق، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (القصص: 60)، فلا يوصف صاحبُها بحالٍ إلاّ وهو بها موصوفٌ من لدن الحقّ.
والوجدُ بلا وقتٍ يشير إلى دوام المشاهدة، وهو ما تضمّنته الآية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ (الحديد: 4)، فالمؤمن الحقّ لا يغفل عن رؤية الحقّ في كلّ حين.
وقال آخرون: حقيقة الإيمان هي: صدق التعظيمُ لله، وثمرتُه الحياءُ من الله. وقد صحّ في الحديث: «الإيمانُ بضعٌ وسبعون شعبةً، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان» (رواه مسلم).
وصدق التعظيم يُثمر الحياءَ، وهو خلقٌ حثّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «الحياءُ شعبةٌ من شعب الإيمان».
وقيل: المؤمنُ مشروحُ الصدر بنور الإسلام، منيبُ القلب إلى ربه، شهيدُ الفؤاد لربه، سليمُ اللب، متعوّذٌ بربه، محترقٌ بقربه، صارخٌ من بعده.
وهذا كله مُستمدّ من قوله تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ (الزمر: 22)، ومن قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» . (رواه مسلم).
وقال بعضهم: الإيمان بالله مشاهدةُ ألوهيته.
وهذه المشاهدةُ لا تُعني الإبصار الحسّي، بل إدراكَ العقل والقلب، على نحو ما قال تعالى: ﴿لَّيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فالمؤمنُ يرى آثارَ الألوهية في الكون، ويُقرّ بها قلبُه إقرارًا لا يخالطه شكّ، تماشيًا مع ما في «الإيمان الحقّ أن تؤمن بالله، ورسوله، واليوم الآخر، وتؤمن بالغيب». (رواه البخاري في كتاب الإيمان).
وقال أبو القاسم البغدادي: الإيمان هو الذي يجمعك إلى الله ويجمعك بالله. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 24)، فإن الإيمان الصادق يجذب القلب إلى خالقه، فلا يسكن إلاّ إليه.
وأما الاختلاف في حقيقة الإيمان والإسلام، فقد أُجمعوا على أن الإيمان أصلٌ، والإسلام ظهورُه، كما في حديث جبريل المشهور: «أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدّقه! قال: فأخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً» (رواه مسلم).
فالإسلام عامٌّ، والإيمان خاصٌّ؛ والإسلام ظاهرٌ، والإيمان باطنٌ؛ والإيمان تحقيقٌ واعتقادٌ، والإسلام خضوعٌ وإنقيادٌ.
وأما قولهم: التوحيد سرٌّ، وهو تنزيه الحقّ عن دركه؛ والمعرفة بِرٌّ، وهو أن تعرفه بصفاته؛ والإيمان عقد القلب بحفظ السرّ ومعرفة البرّ؛ والإسلام مشاهدة قيام الحقّ بكل ما أنت به مطالب.
فهو تجسيدٌ لمراتب الدين الثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان، المذكورة في حديث جبريل عليه السلام، والتي قال عنها النووي: «هي أصول الدين وأركانه». فالإحسانُ هو مقام المشاهدة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
وإلى لقاء إن شاء الله.