تقارب الزمان علامة نبوية نعيشها
30 ديسمبر، 2025
منبر الدعاة

بقلم الشيخ : رائف ابوالنجا احمد
مديرية أوقاف سوهاج
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر ويكون الشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كاحتراق السعفة
والسعفة هي الخوصة
يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن علامة من علامات اقتراب الساعة، وهي تقارب الزمان، أي أن الناس يشعرون بسرعة مرور الوقت وذهاب بركته، فتمر السنة كأنها شهر، ويمر الشهر كأنه اسبوع، بل ويمر اليوم كأنه ساعة، حتى تصبح الساعة كاحتراق السعفة؛ تشتعل ثم تنطفئ سريعا.
وليس المقصود أن الزمن يقصر حقيقة في عدد ساعاته وأيامه، وإنما المقصود ذهاب البركة من الوقت، وقلة الإنجاز مع كثرة الانشغال، حتى ينقضي اليوم ولا يشعر الإنسان أنه قدم شيئا يذكر، وهو ما أشار إليه جمع من أهل العلم، ومنهم الإمام النووي رحمه الله، حيث بيّن أن تقارب الزمان يكون بذهاب بركته، وكثرة الفتن، وتشعب المشاغل.
وقد أشار القرآن الكريم إلى أن العبرة ليست بطول العمر، وإنما بما يُعمر به من طاعة وذكر، قال تعالى:
(أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ)
وقال سبحانه مؤكدا خطورة تضييع الوقت:
(وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)
فأقسم الله بالزمن لعظيم شأنه، وبيّن أن الخسارة عامة، إلا لمن أحسن استثمار وقته في الإيمان والعمل الصالح.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ
فالفراغ نعمة عظيمة، ولكن أكثر الناس يضيعونها، فإذا ضاعت البركة من الوقت شعر الإنسان أن أيامه تمر بلا أثر ولا ثمرة.
ومن مظاهر تقارب الزمان في عصرنا سرعة الحياة، وكثرة الوسائل، وتراكم الأخبار، والانشغال بما لا ينفع، حتى أصبح الإنسان يعيش مشتتا، قلبه بعيد عن الذكر، وحياته مزدحمة بلا بركة، فترفع البركة من وقته وإن كثرت ساعاته.
وعلى النقيض من ذلك، كان السلف الصالح يبارك الله لهم في أعمارهم، فكان أحدهم ينجز من العلم والعبادة والإصلاح في عمر قصير ما لا ينجزه غيره في أعمار طويلة، وذلك بصدق التوجه إلى الله، وحسن استثمار الوقت.
وفي تقارب الزمان تنبيه بليغ إلى خطورة الغفلة، ودعوة صريحة إلى اغتنام العمر قبل فواته، وتنظيم الحياة على ما يرضي الله تعالى، فسرعة الأيام رسالة ربانية تذكر العاقل بقرب اللقاء، وأن العمر مهما طال فهو قصير، ولا ينفع فيه إلا ما قدم لله.