خطبة بعنوان «قيمة الوقت في حياة المسلم» للشيخ : أحمد عزت حسن
30 ديسمبر، 2025
خطب منبرية

خطبة بعنوان «قيمة الوقت في حياة المسلم»
إعداد الشيخ/ أحمد عزت حسن
خطبة الجمعة ١٣ من رجب ١٤٤٧ هـ الموافق ٢ من يناير ٢٠٢٦م
الموضوع
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ، “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا . يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا”، وبعد
فإن عبادة الله -تعالى- هي وظيفة العمر التي خَلق الله الخلق مِن أجلها، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: ٥٦)، فلا يتصور أن يحيا واحد من الخلق بلا عبادة يتعبد بها لله في ليله أو نهاره، في بيته أو عمله أو مسجده، في حال صحته أو مرضه، في عسره أو يسره، فكل من في السماوات والأرض موصوف بوصف العبودية لله -عز وجل- في كل أحواله، وفي كل مكان يتواجد فيه.
ومَن تأمل توجيه الله لنبيه ﷺ: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ . وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (الشرح: ٧-٨)، يعلم أن العبادة تورّث سكونًا وهدوءً، وثباتًا واستقرارًا نفسيًّا، يُحرم منه المضطربون المتهوكون الذين يظنـون أن مقاليد الأمور بيد غير الله.
وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ) رواه البخاري، فالفراغُ ينبغي أن يستثمر في الخير، والناس فيه إما موفق فيستعمل فراغه فيمَا ينفعه في دينه ودنياه، وإما مخذول، يعمر وقته وفراغه في الحرام وأنواع السيئات، وبين ذلك مَن يضيع وقته سدى فيما لا يضر ولا ينفع.
جاء في الأثر عن عمر -رضي الله عنه-: “إني لأكره أن أرى الرجل سبهللًا، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة”، والسبهلل معناه في اللغة: “الفارغ” كما في “لسان العرب”.
قال ابن القيم -رحمه الله-: “إن لكل وقت عبادته، وإن أفضل العبادة: العمل على مرضاة الله في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته”.
آية للمتفكرين ونعمة من رب العالمين
فإن الله تعالى قد قال: “وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا” الفرقان: ٦٢. فجعل الله مرور الليل والنهار وتعاقب هذين المخلوقين مجالاً للأعمال، جعله خلفة لمن أراد أن يذكر، أو أراد شكورًا، فمكن عباده من العمل في هذا الوقت، فمن عمل بطاعة الله سعد في الدنيا والآخرة، ومن عمل بمعصية الله، وشغل الوقت بذلك تعس وشقي في الدنيا والآخرة: “وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا” طـه: ١٢٤، وكذلك “فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ” هود:١٠٦.
قال ابن القيم رحمه الله: “وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مر السحاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً من حياته، وإن عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته”.
السلف واستغلال الأوقات
لقد كانت أسئلة الصحابة عن الأفضل، إنهم سيملؤون الأوقات بالطاعات، لكن أي الطاعات هي الأفضل، وأي الطاعات هي الأكثر أجراً، على ذلك انصب الاهتمام والسؤال، فترى الصحابي يسأل: “يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ لما علموا أن العمر محدود، والأعمال كثيرة أرادوا أن لا يشغلوا الأوقات إلا بالأفضل، وهذا الفقه العظيم شغل الوقت بالأفضل، ومن كان يدور مع السريعة، وكان صاحب عِلم عَلم أن الأفضل هو لزوم الطاعة في ذلك الوقت، فإذا أذن المؤذن فالأفضل الترديد معه، وإذا صار وقت الاستجابة فالأفضل الدعاء، وإذا نزل الضيف فالأفضل إكرام الضيف، وإذا دعاك الوالد والوالدة فالأفضل إجابتهما، بصيرة: علم، وفقه، ثم بعد ذلك يمتلئ العمر بطاعة الله تعالى.
الأفضل في أوقات الغفلة الذكر، ورأس الذكر قراءة القرآن، والأفضل في أوقات الجهل طلب العلم، والأفضل في وقت المنكر الاشتغال بإزالته، والأفضل في وقت رؤية جاهل تعليمه، والأفضل في رؤية غافل نصحه ودعوته، وهكذا -يا عبد الله- تنشغل بالأفضل.
كان السلف يملؤون الأوقات بالطاعات، فقد قيل لنافع: ما كان ابن عمر يصنع في منزله؟ ونافع من أخلص تلاميذه، قال: “الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما” ألا ترى يا عبد الله أن هذا من خير ما شغلت به الأوقات، وعمرت به الأعمار، إذا نظرت في قضية الصلاة مثلاً، وحث الشريعة على الاستعداد لها، الوضوء والتذكير، والمشي للمسجد، وانتظار الصلاة، وأداؤها بخشوع، والأذكار بعدها، كم يأخذ ذلك من الوقت، إذا استعملنا ما جاء في الشريعة في العبادات امتلأت أوقاتنا بالخير، ولكن إن غفلنا عما جاء في الشريعة بهذا الشأن كنا بين التقصير والغفلة والمعاصي، بعض الناس يستغرقون في الصلاة وقتاً طويلاً، بعض النساء الصالحات تمكث في ما بين استعدادها للصلاة والانتهاء من الأذكار والسنن بين نصف ساعة وساعة، فلما جاءها الأجل، وقبل الموت بيومين تغير شيء في العقل، فماذا كانت تذكر من الدنيا؟ الصلاة، وربما صلت بغير تمييز، لم تعد تذكر شيئاً من الدنيا إلا الصلاة، وأخرى دخلت في غيبوبة الموت، وهي تقرأ سورة تبارك، معنى ذلك أن الانشغال بالشيء يبقى مع الإنسان إلى آخر عمره، وربما خرف، ولكنه لا يزال يذكر الصلاة لو صلاها بغير الشروط الشرعية، وعلى غير الكيفية الشرعية، لكن معنى ذلك أن في لا شعوره قد انطبعت قضية الصلاة انطباعاً عظيماً، فمع زوال العقل، وحصول الخرف، لكن لا زال يذكر الصلاة والصيام؛ لأنه كان مشغولاً بالعبادة فيها، فمع ضياع عقله الذي بقي أهم شيء كان يركز فيه، وهو العبادة، وإذا كان الإنسان المسلم حريصاً على وقته تأسس لفواته في غير مفيد.
قال بعض أهل العلم: “والله إني أتأسف في الفوات عن الاشتغال بالعلم وفي وقت الأكل؛ فإن الوقت والزمان عزيز”، وينادي بعض الدعاة أن يكون وقت الوجبة عشرة دقائق؛ لأجل استثمار الوقت في الطاعات، واليوم يدخلون المطاعم، فيأخذون الوجبة بالتقسيط المريح، فتأتي السلطات، وبعد وقت الوجبة، وبعدها العصائر، وبعدها القهوة والشاي، وبعدها الحلويات، وهكذا لا يخرج من البوفيه إلا بعد ساعة، يستلذون، ويضيعون الأوقات فيما أخبر النبي ﷺ عنه بقوله: “حسب الآدمي لقيمات يقمن يصلبه”، فتحولت اللقيمات إلى ساعة أو أكثر في تناول وجبة، فأين استشعار هؤلاء لأهمية الوقت؟ وكان ابن الجوزي رحمه الله يجعل في وقت مقابلة الناس أموراً لا بد له منها في التأليف، كقطع الأوراق، وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، يقول: “فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر، وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم؛ لئلا يضيع شيء من وقتي”.
الحل الإسلامي لمشكلة الفراغ
إن الحل الإسلامي لإشكالية الفراغ مبني على أمور، ومن ذلك وهي قضية مهمة جداً
▪︎ توالي الطاعات،
إذا فرغت من الفرائض فانصب للنوافل، إذا فرغت من صلاة النهار فانصب لقيام الليل، إذا فرغت من الفريضة فاجعل الوقت في الذكر بعدها، إذا فرغت من الجهاد فانصب لقيام الليل، وعندما يرى الإنسان قدوة فيما يملأ به وقته تعظم القضية عنده، ومشكلتنا قلة القدوات في المجتمع، نادراً ما ترى شخصاً يذكرك بالله واليوم الآخر، وكيف تستثمر وقتك، ولما كانت هذه العناصر كثيرة في المجتمع الإسلامي في الماضي، كان المجتمع بخير وعافية.
قال الراوي: ما يأتي على ابن البزار يوم إلا وهو يعمل فيه خيراً، وقد كنا نختلف إلى شيخ فكنا نقعد نتذاكر إلى خروج الشيخ، وابن البزار قائم يصلي، فهو ينتظر خروج العالم، وهو قائم يصلي، والمطلوب اغتنام الوقت إيمانياً؛ لأنه هو عمرنا.
▪︎ لا مكان للفراغ في الإسلام؛
لأن الإسلام مبني على العبودية لله، أن تكون دائماً عابداً لله تعالى، والإسلام -والحمد لله- فيه مجالات كثيرة للترويح ولكن بمفيد، ولو نظرت إلى ترويح النبي ﷺ لوجدته مبنياً على تقوية الروابط الاجتماعية في كثير من الأحيان، فلما سابق عائشة، ولما قال لها: تشتهين تنظرين إلى الحبشة، وهم يلعبون لعبة الحرب والحراب، وهو تدريب عسكري،
ولما كان يقبِّل الحسن والحسين، ويضمهما رضي الله عنهما،
ولما كان يكون أحياناً كالراحلة يسمح للولد الطفل الصغير أن يرتحله، ويلعب على ظهره، ماذا تنبئك هذه التصرفات،
لما كان يمازح أصحابه، أو أهله أحياناً، ماذا تنبئك هذه المزحات؟
إنها في الحقيقة عمل اجتماعي استثماري في تنمية العلاقات مع الطفل والزوجة، والأقارب والأصدقاء،
إنها تداخل نفسي وممازجة للأرواح بالمباح،
وعندما ينوي فيه الإنسان الله والدار الآخرة في تربية أهله وزوجته مثلاً؛ فإنه يؤجر على ذلك، يؤجر على ملاعبة أهله وزوجته،
أربعة ليست من اللهو: الرماية والسباحة، وكذلك ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه،
فترويض هذا الحيوان لاستعماله في الجهاد، وملاعبة الأهل ليست من اللهو الذي ذمته الشريعة،
لكن المصيبة عندما تلهو الزوجة بالمنكر، ويتلهى زوجها في مكان آخر بالمنكر أيضاً، وتجعل المنكرات بين أيدي الأطفال، كل يشتغل بمنكره، في الإسلام لا يوجد في حياة المسلم فراغ لا يشغله بشيء، وإذا لم يُشغل بالطاعة، شغل بالمعصية، فنفسك إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.
ومن الحلول الإسلامية لإشكالية الفراغ الاستبدال،
جعل الخير مكان الشر، مزاحمة الشر بالخير،
لما كان من عادات أهل الجاهلية أعياد ومواسم جعل الإسلام لهم أعياداً أيضاً،
كانوا يجتمعون على موائد الخمر والميسر، وعبادة الأوثان وسماع الشعر الضال، فجعل الإسلام المسلمين يجتمعون على صلاة الجماعة، ويتذاكرون القرآن، وكذلك يجلسون في حلق العلم، فنفوسهم مشغولة بالذكر والعبادة التطوعية بعد أداء الفرائض، ومشغولة بحفظ القرآن وتلاوته تعبداً، ومشغولة في زيارة الأصحاب والأحباب وعيادة المرضى من المسلمين، ومشغولة في ساعة مرح نظيفة مع الزوجة والأولاد، هكذا إذن.
▪︎ استغل الفراغ فيما قصرت فيه
ثم إننا عندما نأخذ إجازة فإننا نحتاج إلى الالتفاف في جوانب قصرنا فيها أثناء العمل أو الدراسة، إن الإجازة في الحقيقة من وظائفها الالتفات إلى استدراك ما فات، إذا كنت مقصراً في شيء مع زوجتك، مع أولادك، مع أقاربك، مع أهل حيك، هذه فرصة لاستدراك ما فات، تقول: تنادون بطلب العلم، والدوام والعمل والشركة لا تعين على ذلك، فيرجع الإنسان من عمله مهموماً متعباً كالاًّ، يشتري أغراض بيته، يأكل، ينام، إذا جاءت الإجازة إذن فينبغي أن يكون فيها استدراك -مثلاً- لقضية طلب العلم، إذا كنا مقصرين في طلب العلم أثناء الدراسة الجامعية الدنيوية، أو أثناء هذه الأعمال التي كانت تشغل أوقاتنا، فإننا ينبغي أن نستدرك ما فات في طلب العلم، هذه العبادة العظيمة التي قصر فيها الكثيرون، كان السلف يرحلون في طلب العلم الأيام والليالي، ويجوعون، ويتعرون، ويتعرضون للصوص والأخطار، وغير ذلك، ولم يجد بعضهم إلا سلحفاة، فلما قشرها ليأكلها قال: وجدت طعمها كصفار البيض المالح.
إذا رأيت شباب الحي قد نشئوا لا ينقلون قلال الحبر والورق ولا تراهم لدى الأشياخ في حلق يعون من صالح الأخبار ما اتسق فدعهم عنك واعلم أنهم همج قد بدلوا بعلو الهمة الحمق، فمن الحمق إذن أن لا يصل الإنسان علماً،
إذا مر علي يوم لم أزدد فيه علماً فلا بورك لي في ذلك اليوم، كما قال بعض السلف، يحضرون وهمتهم الإخلاص، وليس المراءاة والمباهاة، ويحضرون وليس همهم جمع المعلومات، وهذه قضية مهمة جداً، ليس همهم فقط جمع المعلومات، وإنما تعلم السمت والأدب.
كان يجتمع في مجلس الإمام أحمد خمسة آلاف، أو يزيدون، خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت، السمت الحسن، المظهر الحسن، التصرفات الحسنة، وهكذا.
قال أبو بكر بن المطوعي: اختلفت إلى الإمام أحمد اثنتي عشرة سنة، وهو يقرأ المسند على أولاده في نحو من أربعين ألف حديث جمعها بعرقه، فما كتبت عنه حديثاً واحداً، إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه،
فكانوا تستقطبهم قضية القدوة والاقتداء، ويلتفون حول أصحاب المجاهدة: “وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا” العنكبوت: ٦٩،
وكانوا يحرصون على كتابة الفوائد، وربما كتبوا آلاف آلاف الصفحات، والبخاري فُقد فوجد في بيت ليس له ثياب، فني المال في طلب العلم، فاشتروا له ثياباً، فخرج معهم للطلب.
وقف قتادة الأعمى -الذي لم تمنعه عاهته من طلب العلم-، وهو يسأل أنساً، ويسأل ابن المسيب حتى قال له: نزفتني يا أعمى، استخرجت علمي، نزفتني يا أعمى؛ مداعباً له،
كانوا يبكرون للحلق، ويلزمون المكان القريب من الشيخ، ويكتبون ما فاتهم إذا فات لأمر لا يستطيع استدراكه، لا يستطيع حضوره استدركه،
الفراغ ضيع الكثير
ينبغي أن نلتفت لأنفسنا، أن نصلح ما خرب في بيوتنا، أن نلملم ما انفرط من علاقاتنا الأسرية والاجتماعية، أن نصل الرحم، أن نواصل إخواننا في الله،
أن نحرص على الصالحين والاجتماع بهم ولقياهم، فإذا كنت -يا أيها الشاب- ممن يريد أن ينجو يوم الهلاك، ويأمن يوم الفزع،
فعليك بملازمة الصالحين، فإذا كانوا في مراكز تحفيظ القرآن، والأماكن الطيبة، فاغشهم، وكن معهم، وطبق قول الله: “وَاصْبِرْ نَفْسَك” احبسها، اصبر، الصبر هو الحبس والكف،
أيها الإخوة المؤمنين: إن الدنيا عرَضٌ حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة لوعد صادقٌ يحكم فيها ملك عادل، فطوبى لعبدٍ عمِل لآخرته وحبله ممدود على غاربه، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فتوبوا إلى الله واستغفروه وادعوه وأنتم موقونون بالإجابة.
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. قاد سفينة العالم الحائرة في خضم المحيط، ومعترك الأمواج حتى وصل بها إلى شاطئ السلامة، ومرفأ الأمان.
أيها الإخوة المؤمنين
لقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِأمرٍ بدأ فيه بنفسه وثنّنى فيه بملائكته وثلّث فيهِ بكم فقال عَزَّ قَائِلًا عَلِيمًا: (إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الْأَحْزَابِ: ٥٦].
فاللهم صل وسلم وزد بارك عليك سيدي يا رسول الله وآلك وصحبك قادة الحق، وسادة الخلق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين، وبعد أيها الإخوة المؤمنين
على كل مسلم ومسلمة اغتنام هذه الأوقات، وعدم تضيعها في القيل والقال، وكثرة الكلام فيما لا يعود عليهم بنفع.
علينا أن ننشغل في هذه الأوقات بالتفكر في مثل هذه الآيات التي تدل على كمال قوة الله وضعفنا، وكمـال قدرة الله وعجزنا، وكمال غنى الله وفقـرنا، وكيف أن الله سبحانه هو الفعال لما يريد، بيده وحده كشف الضر، ورفع الكـرب.
علينا اغتنام هذه الأوقات في عبادات نزكي بها أنفسنا مِن: صلاة، وصيام، وقراءة قرآن، ومحـافظة على ذكر الله -سبحانه- من تسبيح وتهليل وتحميد، وصلاة على النبي -ﷺ-، ومدارسة علم، ومواساة محتاج، فالمفلح مَن زكى الله نفسه بهدايته إلى الطريق المستقيم.
علينا اغتنام هذه الأوقات في العمل على تعميق معاني أركان الإيمان في قلوبنا، ولا سيما قضية الإيمان بالقضاء والقدر، وكيف نجمع بينها وبين مسألة الأخذ بالأسباب.
علينا اغتنام هذه الأوقات في العمل على زيادة أعمال القلوب في قلوبنا: من الخوف من الله، والرجاء والثقة فيه، وحسن التوكل عليه، والإخلاص والتجرد له، ومحبته، ومحبة أوليائه، والصبر على مقاديره، والرضا، واليقين، وسلامة القلوب للمسلمين، والنصح لهم، وعدم الحقد، ولا الحسد، ولا البغضاء، فقد مدح الله نبيه -ﷺ- وصحابته بأنهم (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) الفتح: ٢٩.
علينا اغتنام هذه الأوقات بمراجعة صادقة في محاسبة للنفس وعدم إحسان الظن بها، فإنها محل الجناية، فمَن لم يتهم نفسه على طول الأوقات فهو مغرور، والله يقول: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) النجم: ٣٢.
قال الإمام الذهبي -رحمه الله-: “وعلامة المخلص إذا عوتب في نفسه، وفي عمله أن لا يبرئ نفسه، ولا يكون معجبًا، بل يعترف، ويتهم نفسه ويستغفر الله”.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.