أثر التربية والسلوك الصوفي في منهج الإمام أبي السعود العمادي (ت 982هـ)

بقلم الشيخ: الشاذلى حجاج عبد الباسط عضو الإدارة المركزية لشئون المساجد والقرآن الكريم بديوان عام وزارة الأوقاف 

تمهيد :
يمثل الإمام أبو السعود العمادي نموذجًا بارزًا للعالم المتكامل، الذي اجتمع في شخصيته العلم الراسخ والتزكية الروحية والسلوك الصوفي، لم يكن العلم عنده مجرد حفظ أو اجتهاد، بل كان ثمرة تربية متوازنة منذ نشأته، مرافقًا له في كل مراحل حياته العلمية، يجعل من المعرفة وسيلة لنمو النفس، ومن الفقه أداة للتزكية.

*التربية الصوفية في بيت العمادي*
نشأ الإمام أبو السعود في بيت علم وصلاح، تولّى فيه والده محمد بن مصطفى العمادي تربيته العلمية والروحية معًا، وكان والده عالمًا حنفيًا، صوفيًا، له مؤلفات صوفية قيّمة مثل:
*أحوال السلوك
*رسالة في التصوف

وقد أشار الإمام أبو السعود في إجازاته إلى والده واصفًا إياه بصفات صوفية رفيعة: «صاحب النفس المطمئنة، العارف بأطوار خطرات النفس، الواقف على أسرار الحضرات»، وهو ما يعكس أثر التربية الصوفية في صقل النفس قبل العقل، وجعلها مهيأة لاستقبال العلم وتطبيقه على ضوء الهدى والروحانية.


السلوك الصوفي وأدب البحث العلمي:
إن التربية الصوفية التي تلقاها الإمام أبي السعود تجسدت في سلوكه العلمي، فكان أدب الخلاف والإنصاف ديدنه، واحترام آراء العلماء المخالفين، وذكرها على جهة البيان لا الهدم.

كما ظهر ذلك في ضبط اللغة والبيان، واختيار ألفاظ دقيقة، والابتعاد عن التشدد أو الحرج في التعبير، وقد انعكس هذا جليًا في تفسيره للقرآن، حين تعامَل مع الآراء الاعتزالية مثل ما ورد في الكشاف، ليس على سبيل الهجوم أو التجريح، بل على سبيل التنبيه والتحذير، بما يتفق مع أدب التوجيه الصوفي الرفيع.

*أثر التصوف في المنهج العقدي والفقهي*
اتسم منهج الإمام أبي السعود بالاعتدال، ووضوح الرؤية العقدية، واتزان الفقه، وهو ما يظهر في:

عقديًا: تفسير آيات الصفات على منهج أهل السنة السادة الأشاعرة ، مع الالتزام بالتنزيه، وتوظيف المجاز اللغوي الدقيق، كما في تفسير الاستواء واليد، وهو منهج يجمع بين سلامة العقيدة وتهذيب الفكر.

فقهيًا: اتساق المنهج الحنفي مع مراعاة المقاصد، والبعد عن التفريط أو التشدد، وهو انعكاس مباشر للسلوك الصوفي الذي يجعل الفقه خادمًا للتزكية والروحانية.

*التصوف منهج حياة ومنهج علم*
لم يكن تصوف الإمام أبي السعود مجرد انغماس في الروحانيات، بل كان إطارًا ضابطًا للعلم والفكر. فقد أعطى للتربية الروحية قوة في ضبط المنهج العلمي، وجعل التزكية سمة ملازمة لكل أعماله: من الفقه، إلى التفسير، إلى التدريس، وصولًا إلى الإفتاء.

وهكذا، صاغ الإمام منهجًا علميًا متوازنًا، يجمع بين عمق المعرفة وسمو الروحانية، بين المنهج الصارم والتزكية العملية.

خاتمة:

تُظهر دراسة الإمام أبو السعود العمادي أن التربية الصوفية والسلوك الروحي لم تقلل من قيمة العلم، بل عمّقته وأثرت شخصيته. إنه نموذج يُحتذى للعلماء والطلاب، يذكّرنا بأن العلم الحق لا يُستغنى عن تزكية النفس، وأن المعرفة بلا سلوك متزن وروح صافية لا تصنع عالمًا كاملًا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.