فن جبر الخواطر: كيف استعادت “دولة التلاوة” روح الإحسان
29 ديسمبر، 2025
أخبار العالم الإسلامى

بقلم الدكتورة : تاليا عراوي كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان
في عالمٍ صاخبٍ يموج بصراعات المنافسة، وتشتد فيه وطأة الأداء التي قد تطغى أحياناً على الجوهر الروحاني للكلمة الإلهية، جاء القرار الأخير للأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف المصري، ليرسل بارقة أمل وتفاؤل في نفوس الشباب؛ فبإعلانه أن الجميع فائز في دولة التلاوة، وبتقرير استيعاب كافة المتسابقين في فعاليات واحتفالات الوزارة الرسمية، أحيا سيادته أصلاً إسلامياً عريقاً وقيمة إنسانية باذخة هي جبر الخواطر. إن هذا القرار يعد تجسيداً حياً للحكمة القرآنيّة المدوية في سورة البقرة”: قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى”؛ فمن خلال الانحياز لمبدأ الاحتواء بدلاً من الإقصاء، ضمنت الوزارة ألا تشوب صدقة إتاحة المنبر للقراء أذيةُ الإحساس بالرفض أو الاستبعاد. ومصطلح جبر الخواطر مشتق لغوياً من اسْمُ مَادَّة “جبر” التي تُستخدم في الأصل لترميم العظم المكسور، وهو في سياقه الاجتماعي والروحي يشير إلى الفعل الاستباقي لترميم روح الإنسان بعد خيبة أمل أو فقد أو لحظة انكسار. وهذا المسلك لا يداوي القلوب فحسب، بل يزكي فاعلَه في درجات الصلاح واللطف نأياً به عن القسوة والغلظة، وحين نجبر الخواطر، فإننا نستبقي قدرة النفس البشرية على العطاء والخير، ممتثلين للأمر الإلهي في سورة الإسراء: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وبذلك نئد بذور الشقاق والمرارة قبل أن تنبت في قلوب النشء. وفي هذا السياق، نجد تأصيلاً روحياً ونفسياً عميقاً لدى الإمام ابن قيم الجوزية، الذي تحدث كثيراً في كتبه مثل “مدارج السالكين” عن اسم الله الجبار، موضحاً ببراعة أنه ليس جبار قهر وسطوة فقط، بل هو الذي يجبر القلوب المنكسرة؛ حيث ربط ابن القيم بين الصحة النفسية للعبد وبين جبر الله له، معتبراً أن من جَبَر جُبِر، وأن سعيك في جبر خاطر غيرك هو أعظم وسيلة لجبر كسر قلبك ونفسك.
إن فعل الجبر هذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإطار الفلسفي لأخلاق الفضيلة، التي تركز على جوهر وشخصية الفاعل لا على مجرد مخرجات الموقف أو نتائجه المادية. ولفهم هذه العلاقة، يمكننا مقارنتها بالنظم الأخلاقية الأخرى؛ فبينما يكتفي نظام الأخلاق الواجبة بالتساؤل عما إذا طُبقت قوانين المسابقة حرفياً، ويهتم النظام الذرائعي أو النفعي فقط بجودة الصوت المستخرج للتسجيل والنتيجة النهائية، تأتي أخلاق الفضيلة لتتساءل: أيُّ نوعٍ من البشر نصبح من خلال أفعالنا هذه؟ إنها تركز على غرس الرحمة وجبر الخواطر كغايةٍ أسمى، وتفترض أن الهدف الأقصى للحياة هو التحول إلى شخصٍ فاضلٍ عبر تطبيع النفس على اللين سجيّةً، والارتقاء بالروح لتصبح الرحمةُ عندها طبعاً لا تكلّفاً. وقد جادل أرسطو بأن كل فضيلة هي وسطٌ ذهبي يقع بدقة بين رذيلتين؛ وفي حالتنا هذه، يتجلى جبر الخواطر كالتوازن المثالي بين القسوة الجافية (التي قد تظهر في إهمال مشاعر من لم يحالفهم الحظ باسم الانضباط) وبين المداهنة الزائفة أو الضعف الذي يطمس المعايير. إن هذا الوسط الذهبي هو الذي يحفظ كرامة الموهبة دون أن يكسر روح صاحبها. وبتحويل هذا المبدأ إلى سياسة عامة، لم تعد الوزارة تكتفي بالإجراءات الإدارية، بل جعلت من الرحمة عادةً مؤسسية، مما ينقل التركيز من مجرد قياس الكفاءة واكتشاف المواهب إلى صناعة مجتمعٍ من النفوس الممكنة والمتصالحة. ومن خلال تطبيع النفس على اللين سجيّةً، أصبح هؤلاء الشباب لبناتٍ أصيلة في جدار هذا الصرح الروحاني، حيث لا يُقاس النجاح فقط بجودة الصوت، بل بمدى اتساع القلوب لاحتواء الجميع.
تستدعي ذاكرتي اليوم موقفاً محفوراً في حنايا القلب، يعود إلى بدايات مسيرتي المهنية حين كنتُ في الثانية والعشرين من عمري، أُدرس مادة الفلسفة لطلابٍ في المرحلة الثانوية، لم يكن يفصلني عنهم في العمر سوى سنوات قليلة، وكنتُ حينها مشرفةً على فصلهم. في أحد الأيام، طلبت مني إدارة المدرسة إجراء انتخابات لاختيار ممثلٍ للفصل، فوقفتُ أمام طلابي شارحةً المهمة، ثم سألتُ: مَن تجد أو يجد في نفسه الرغبة للتطوع لهذا المنصب فليتفضل برفع يده. تسابقت الأيدي في الارتفاع، وكان من بينها يدُ فتاةٍ رقيقة خجولة تُدعى “دينا”. وما إن لمح زملاؤها يدها مرفوعة حتى انفجر الفصل بضحكات ساخرة، متهكمين على فكرة أن تحظى فتاةٌ بجموح خجلها بفرصة لتمثيلهم. في تلك اللحظة، وكأنَّ إلهاماً علوياً قذف في روعي كلماتٍ لم أكن قد أعددتُ لها، فقلتُ بصوتٍ واثقٍ شقَّ جدار السخرية: “أنا، وبشكل شخصي، أمنح صوتي لدينا”. مرت الأيام، وحلّت عطلة الأعياد، فأعدَّ الطلاب لي هدية جماعية كانت عبارة عن نبتة جميلة، لكنَّ دينا اقتربت مني لتمنحني بطاقتها الخاصة (التي لا أزال أحتفظ بها إلى يومنا هذا ككنزٍ ثمين). كتبت فيها ببراءة طفلة في الخامسة: “لم أكن أؤمن بوجود (سانتا كلوز)، لكنني حين قابلتُكِ، جعلتِني أؤمن بالمعجزات وبالخير في هذا العالم”. لقد كانت تلك البطاقة، بكلماتها العفوية، هي شهادة ميلادي الحقيقية كإنسانة قبل أن أكون معلمة؛ كانت تلك أول تجربة حية أمارس فيها جبر الخواطر، دون أن أدري أنني أطبق فلسفةً روحيةً عميقة. إنني اليوم، وبعد كل هذه السنوات، أدرك أن جبر خاطر دينا في تلك اللحظة لم يرمم ثقتها بنفسها فحسب، بل رمم روحي أنا أيضاً، وأثبت لي أن الكلمة الطيبة هي المعجزة التي لا تحتاج إلى عصا سحرية، بل إلى قلبٍ يشعر بكسر الآخرين فيجبره. لقد بقيت تلك التجربة في قلبي حتى الآن، لتؤكد لي أن كل شُعور نزرعه في نفوس الآخرين، يزهر في حياتنا يقيناً بأن الخير هو الباقي، وأنَّ من جَبَر، جُبِر قلبه ولو بعد حين.
أما بالنسبة لشباب دولة التلاوة، فإن الأمر يتخطى حدود التنافس التقليدي ليلامس جوهر وجودهم؛ فهم لا يقدمون مجرد أصوات، بل يبذلون أرواحهم في محراب خدمة القرآن الكريم. وخلف كل دمعةِ توارٍ أو غصةِ مغادرةٍ كابدها أولئك الذين لم تدركهم الأرقام الأولى، كان ثمة إيمانٌ يقي بأن هذه النفوس الكسيرة تستحق ترميماً يليق بجلال ما تحمل.
ومن هنا، جاء قرار القيادة بفتح آفاق الاحتواء ليغير المسار من منطق الإقصاء إلى رسالة الاستبقاء؛ فلم يعد هؤلاء الشباب مجرد متسابقين انتهت جولتهم، بل استُحضروا ليكونوا سفراء يحملون وهج الكلمة الإلهية. وهذا النهج هو امتثالٌ بليغ لروح سورة الضحى، التي تُعرف بحق بين العلماء بـسورة جبر الخواطر؛ تلك التي لم تنزل إلا لتجبر قلباً أضناه الانتظار حين أبطأ الوحيُ عن النبي ﷺ، فاستغل الخصومُ هذا الصمت الروحاني للشماتة به زاعمين أن ربه قد ودعه وقلاه. فجاء القسم الإلهي بالضحى والليل ليسكن روع المصطفى، متبوعاً بالتأكيد الحاني: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، ثم بالوعد الممتد بالرضا المطلق: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى.
وعليه، فإن التوجيه الرباني في ختام السورة: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، هو امتدادٌ لهذا الجبر؛ فالسائلُ هنا هو طالبُ الفضل والراغبُ في الوصل، وجبرُ خاطره بالاحتواء هو الذي يعزز لديه قيم الانتماء، ويمنع تسلل شعور النبذ إلى روحه، محققاً ‘الازدهار الداخلي’ الذي هو لبُّ أخلاق الفضيلة والسبيل لليودايمونيا.
وهذا الجبرُ الذي يتنزل بلسماً على الندوب النفسية، نجد أرومته أيضاً في سورة الكوثر؛ فحين رمقته عيون الشامتين بوصف ‘الأبتر’ استهزاءً بوفاة أبنائه وانقطاع نسله، جاء الرد الإلهي قاطعاً: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، ليقلب موازين القوة المعنوية ويؤكد أن الشانئ الحاقد هو الأبتر المنسي، بينما ذكرُ المصطفى مخلدٌ ما دامت السماوات والأرض. إن هذا المشهد القرآني يبرهن على أن الذات الإلهية تعتني بكسر الخواطر وتجبرها، وهو ذاته المنهج الذي استلهمه القادة في تعاملهم مع القلوب، إيماناً بأن الإله الذي جَبَر قلب نبيه في ساعة الضيق، لا يرضى لعباده أن يذوقوا مرارة الإقصاء أو الانكسار.
لقد كان النبي محمد ﷺ الممارس الأسمى لهذا الفضل، والنموذج الأكمل لشخصية الفضيلة، وقدمت حياته منهاجاً لكيفية التعامل مع أولئك الذين يشعرون بالانزواء أو النقص. ومن أكثر القصص تأثيراً قصة الرجل الفقير الذي أهدى النبي ﷺ طبقاً من العنب الحامض، فأكله النبي ﷺ كله وحده متبسماً، وخلافاً لشهادته المعهودة في مشاركة الطعام مع أصحابه، لم يطعم أحداً منهم، ليتبين لاحقاً أنه خشي إن تذوقه أصحابه أن تظهر على وجوههم علامات الامتعاض فتكسر قلب الفقير، فآثر مرارة الطعم ليحفظ حلاوة الفرح في قلب الرجل. وحتى مع الأطفال، لم يكن أي حزن صغيراً على الجبر، فقد كان النبي ﷺ القائد العظيم يواسي الطفل أبا عمير في موت عصفوره الصغير “النغير” مداعباً إياه ومظهراً اهتمامه بجرحه الصغير: “يا أبا عمير، ما فعل النغير؟”. إن القادة حين يتبنون هذه السياسات، إنما يعظمون التذكير القرآني: وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ، فهذا الفضل هو الطبقة الإضافية من اللطف التي تحول الإجراءات الإدارية الجافة إلى بلسم شافٍ. إن هذا النهج يؤنسن المؤسسات الدينية، ويحولها من دواوين بيروقراطية باردة إلى بيوت للرحمة، ويضمن ألا يغادر أحد مأدبة القرآن وفي قلبه ثقل، تصديقاً لوصف الكتاب العزيز بأنه \شِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ.
وفي عالم لا يحتفي إلا بالرقم واحد، تأتي هذه المبادرة لتذكرنا بأن كل جهد مخلص هو فوز في عين الخالق. وهذا هو جوهر الإحسان، حيث تتجاوز فضيلة الفعل متطلبات المسابقة الشكلية، ومَن قضى حياته جابراً لخواطر الناس، سخر الله له مَن يجبر خاطره في أحلك لحظاته، فالفاعل يترقى في مدارج الخير واللطف، واقفاً كحائط صد أمام قسوة عالم ينسى أحياناً قيمة الروح المنكسرة. إن ما شهدناه في “دولة التلاوة” لم يكن مجرد قرار إداري عابر، بل كان هطولاً حانياً للرحمة على قلوبٍ أضناها السعيُ في محاريب القرآن؛ ليُعلمنا أن في هذا العصر الصاخب بضجيج الأرقام والمنافسة، يبقى جبر الخواطر هو اللغة الأكثر قداسةً وأثراً. إننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى أن نتنفس روحانية سورة الضحى، ونستشعر أن الجبار سبحانه يراقب من فوق سبع سماوات كل خفقة انكسار ليداويها. فمن خلال احتضان هؤلاء الشباب الذين أصبحوا اليوم شركاء في الرسالة لا ضحايا للإقصاء، نرسل رسالة للعالم أجمع: أن القلوبَ أغلى من الألقاب، وأنَّ الإحساس بكرامة الإنسان هو الجوهر الحقيقي للإيمان. فليكن جبر الخواطر هو بوصلتنا؛ فما أجمل أن نعيش بقلوبٍ تجبر الكسر وتزرع الأمل، موقنين أنَّ كل يدٍ تمتد لترميم روحٍ حزينة، ستجد يد اللطف الإلهي تجبرها في أحلك لحظاتها. ولن يبقَ من ضجيج المنافسة شيء، سوى حلاوة ذلك الفضل الذي استبقيناه بيننا، واليقين الراسخ بأنَّ من جَبَرَ خواطر عباد الله، جُبر قلبه بعظيم عفو الله، وأزهرت روحه في مدارج الإحسان إلى الأبد.