زوجات وأزواج يهدمون بيوتهم بأيديهم
28 ديسمبر، 2025
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم : د. محمد جمال أبو سنينة
مدير المركز القانوني لفض النزاعات
الخبير بمجمع الفقه الإسلامي بكندا
قاضي محكمة الاستئناف الشرعية سابقا
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أينا يحسن عملا، والصلاة والسلام على من رسم لنا طريق النجاة في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد؛
وبعد:
شر مستطير أن يكون مصدر الخوف هو المسئول عن الأمن؛ ووسيلة الهدم يستخدمها المسئول عن البناء، فهذا أمر لا يحتمل، وقلق لا يتوقف، ومن العجب العجاب أن يكون مبعث المشاكل من موقع الحل فهذا يعني الحريق والدمار.
ولذلك فإن من أسوأ ما يمر بالبيوت أن يكون سبب دائها وبلائها وشقائها ودمارها وتفككها هو الزوج أو الأب أو الزوجة أو الأم.
هناك من الأشخاص من يسعى لحتفه بيديه ولعذابه من بابه، فكم من بيت دُمر، وأسرة شردت، وأبناء انحرفوا، ونساء أهينت، بسبب الأب أو الزوج وتصرفاته وأخلاقه وطريقة إدارته لبيته وأسرته أو بسبب الزوجة وعنادها او بسبب الأم وانفعالاتها .
قد تختلف الأساليب والأسباب والطرق التي يسلكها الأشخاص المخربون في تخريب بيوتهم بقصد أو بدون قصد، فالحقيقة أنهم يهدمون بيوتهم بأيديهم، ومن أبرز تلك الأسباب والأساليب:
1- الشك : إذا دخل الشّكُ بيتا من الباب فرّ الاستقرار الأسري من كل المداخل والنوافذ بل والشقوق ولا يعرف بعد ذلك معنى للراحة والطمأنينة والجو العائلي، فالزوج إذا بدأ يساوره الشك في زوجته وأنها تخونه أو أن تصرفاتها مريبة، عندها القِ على السعادة السلام وكبر عليها أربعا وعدها من الموتى، وكم يعيش الزوج المتعوس الذي أبتلي بالشك في عناء ومكابدة وهموم ووسواس فهو في حياة صعبة وقاسية ويمر بساعات يتمنى فيها الموت، ويتخذه الشيطان كرة يتسلى بها وينزل بها من الهموم ما الله به عليم، ففي كل لحظة يخرج بها من بيته يتخيل آلاف التخيلات الشيطانية عن حال بيته وأهله، وكم من موقف بريء أو كلمة عابرة من زوجته يجعل منه أصل انحراف ومنهج فساد، ومثل هذا يقال في الزوجة التي تظن بزوجها الخيانة، فتنقلب حياتهما إلى نكد دائم.
ويزداد الأمر سوءا إذا صادف عدم مبالات من الطرف الآخر أو عدم مراعاة للحالة النفسية التي يعيشها الشريك أو عدم التزام بالضوابط الشرعية، فإن ذلك تُقوي الشكوك ويزيد الظنون الشيطانية المدمرة.
الشك يهدم البيت ويدمر الأسرة، ويحول الحياة إلى جحيم لا يطاق، لا ينتهي الا بعد تدمير نفسية الأولاد، وتشويه سمعة الأسرة.
2- التهديد: سبب غريب من أسباب خراب البيوت يستخدمه بعض الأزواج، فذاك يهدد بزوجة ثانية، في كل مناسبة وفي كل موقف، وعند كل خطأ، وفي كل زيارة للأقارب أو الأصدقاء، وأما عند حدوث خلاف فهي فرصته ليهدد ويفرض الرعب، وآخر يرفع سيف الطلاق باستمرار ويلوح به في كل وقت، وثالث يهدد بالهجر ورابع بأن يتركها في بيت أبيها معلقة ولا يطلقها، وبقال هذا عن الزوجة التي تهدد الزوج بترك بيت الزوجية بسبب وبلا سبب أو بفضح زوجها على الملأ من الناس.
إن من يعيش مهددا طول حياته لن يشعر بالأمان، وتبقى تنتظر متى يفجعه في أي لحظة بما يهدد، وإذا عاشت الزوجة خائفة مهددة فلك أن تتخيل نفسيتها وأثر ذلك على استقرار الأسرة، وتربية الأبناء، فهي وإن استمرت في علاقتها الزوجية إلا أنها في أقل الأحوال لن تعطي الأسرة سواء الزوج أو الأولاد الحنان والدفء الأسري، ولن تحرص على أن تقوم بدورها الكامل في بيت تعيش فيه مهددة، والسبب حقيقة يرجع إلى ذلك الزوج الجبان الذي يزعجها بتهديده ليفقدها حيويتها وينزع منها زر الأمان فتعيش خائفة من أي تصرف أو موقف أو حتى من كلمة تخاف أن تكون سببا لتنفيذ التهديد المهو.
والزوج الذي يعيش مع زوجة شرسة تهدد في كل وقت بترك البيت والأولاد، ستحول البيت إلى مكان للنوم فقط لا مكان فيه للرحمة وال
3- الإهمال: إهمال الزوج لزوجته أو الأب لأسرته عبارة عن الحكم بالموت السريري والإعدام البطيء لحيوية الأسرة ودورها الحقيقي، فالزوج الذي لا يدري عن حال بيته، ولا يستمع لأبنائه، ولا يتحاور مع زوجته، ولا يضع الحلول لمشكلاتهم، ولا يشجع انجازاتهم، ولا يقوّمهم، يهتم بنفسه فقط وملذاته وجلساته وأصدقائه، ولا يعرف من البيت إلا فندق للنوم وتغيير الملابس والطعام أحيانا، ولا يقبل النقاش في هذه القضية بل ربما يكون النقاش معه فتح باب مشاكل الصبر على إهماله أخف منها، ويتعلل بالانشغال أو الحرية الشخصية أو الخصوصية والعلاقات الخاصة ونحوها مما يبرر إهماله، فهو وإن صدق في بعضها فلا يقبل ولا يصح أن تكون حالة دائمة ومستمرة وفي كل الظروف فالمسئولية الأولى للأسرة تحتم عليه أن يغير من أسلوب حياته بما يحفظ كيان الأسرة ويحقق سعادتها.
ومما لا شك فيه فإن اهمال الزوجة لزوجها وأولادها وواجباتها تجاه البيت والزوج والأولاد هو أكثر سوءا من إهمال الزوج، وانعكاسات هذا الاهمال أكثر أهمية من الزوج بلا شك.
إن هذا الإهمال يجر الأسرة إلى انحرافات خطيرة، يزرع حاجزا نفسيا بين أفراد الأسرة وخاصة بين الأب والأبناء، والزوجة وزوجها، والزوجة والأبناء أيضا، وإذا وصل الإهمال إلى سن مراهقة الأبناء فاحتمال الانحراف يتقوى وتزداد المشاكل تعقيدا، إلا إذا كانت الأم تقوم بدورها ودور الأب، أو يوه الأب بدوره ودور الأم، وقلما يكون هذا.
4- الكذب أو التكلّف: إن الزوج يقوم بإدارة أسرته وبيته بقانون التكلف والكذب في المظاهر يدخل نفسه ومن معه معركةً خاسرة لا حدّ لخسائرها، فالتكلف في المظاهر مرهق ماديا ومعنويا بل وقاتل لكل المعاني الجميلة والحقيقية، ولذلك تعيش كثير من الأسر في حالة حرب مع الحياة لأنها تتعامل بالتكلف في كل قضية، فتتكلف في أحزانها وفي أفراحها، ومن أقبح صور التكلف أن يكذب الزوجان من خلال الظهور بمظهر الود والمحبة والعلاقة الحسنة وهما في الحقيقة يعيشان طلاقا صامتا أو هجرانا طويلا، وفي داخلهما من الكره والبغض والتنافر ما لا تطيقه الجبال، ويزداد الأمر سوءا أن يتكلفوا ذلك حتى أمام أقرب الناس إليهم والذي يمكن أن يكون عونا لهم في حل مشكلتهم .
إن من الآثار السيئة للتكلف على الأبناء أنهم يشعرون بكذب أسرتهم ويتطور الأمر إلى أن يمارس الأبناء الكذب على أسرتهم قبل غيرهم مثل أن يُظهروا لأسرتهم بطولات من خيالهم مع أصدقائهم، ويفتخرون بأعمال قاموا بها في مدرستهم لا حقيقة لها في الواقع .
‘ن الزوجة أو الزوج المتكلف يهدم بيته وأسرته بحيث يجرها إلى الكذب الاجتماعي، ويهدمها ماديا بتحمل ما لا يطيق ليظهر بغير حقيقته أو فوق حقيقته، ويتعبها نفسيا فالمتكلف يعيش حربا نفسية غير عادية لأنه يعيش في داخله صراعا بين الحقيقة التي يعرفها والمظهر الذي يتكلفه.
5- الإعلام : ليس بيد أي زوج أو زوجة أن يمنع قناة فضائية أو موقع انترنت أو مجلة أو أي وسيلة إعلامية من ألا تبث ما تشاء وألا تنشر ما تريد، لكنه بيدهما أن يدخلا إلى بيتهما ما يناسبهما وما يرغبان فيه ويمنعان ما لا يريدان.
إن السماح للقنوات الفضائية ومواقع الانترنت بالدخول إلى غرف البيوت دون أي ضبط أو قانون أو مراقبة أو انتقاء معناه زرع قنابل وألغام في البيت تنتظر ساعة الصفر لتفجيرها.
كم من بيت فسد وتغيرت علاقة الزوج بزوجته بسبب غرف الشات، أو رسالة إيميل، أو محادثات الأصدقاء، وكم فَعَل الأفلام أو المسلسلات بالأسر من أفاعيل نتيجة التقليد غير الواعي خاصة من قبل الأبناء المراهقين.
إنني لا أدعو لمحاربة الإعلام او رفضه كلية، لكنني أرسل نداء لعدم الغفلة عنه، واستخدامه بما ينفع، وألا يفتح الباب على مصراعيه لوسائل الاتصالات المتنوعة والفضائيات المختلفة، ولست بحاجة إلى التنبيه على وجود قنوات تنشر الرذيلة وتهدم الأخلاق وتفسد البيوت، فهذا أمر من الشهرة بما يغني عن ذكره.
وحتى لا يهدم الزوج بيته بيده، ويدفع مقابل هذا الهدم أموالا، عليه أن يتعرف كيف يستخدم هذه الوسائل، وكيف يمنع الضرر منها، خاصة وأنها أصبحت جزءا من حياة الناس ومشاركا رئيسا لهم في بيوتهم.
هذه بعض ما يمكن أن يكون سببا في هدم البيوت وخراب الأسر والتي يقوم بها الزوج أو الزوجة، ولا بد من التذكير بأن على رأس المصائب التي تقلب حياة في بيوت على رأسها، وتجعلها جحيما لا يطاق، وتهدمها من أساسها، هو الذنوب والمعاصي ومن أجلها؛ انتهاك حدود الله ومواثيقه ومن أعظم الحدود والمواثيق ما يخص العلاقة الزوجية.
نسأل الله أن يتوب علينا ويحفظ علينا أمننا ويهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ويجعلنا للمتقين إماما.