المذهب الحنبلي والتوسل ردا على مدعي السنة وحماة التوحيد!!!


بقلم . 
د :  إبراهيم المرشدي الحنفى الأزهري
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف والمدرس بجامعة نور مبارك بكازاخستان

 

اتفقت كلمة علماء المذاهب الأربعة على التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والصالحين، وقد بينت ذلك مفصلا في كتابي: الكواشف الجلية في الرد على الوهابية، لمن أراد أن يقف على أقوال معتمد المذاهب الأربعة، وقد أنكر ذلك بعض من ينسبون أنفسهم إلى الحنابلة زورًا وبهتانًا، بل زادوا بشاعة أن خرجوا بالمسألة من الناحية الفقهية وحرام ومباح ومستحب إلى تكفير المسلمين المتوسلين.

وقد سبق وذكرنا أن التوسل أو الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الصالحين مداره على حسن الاعتقاد في الله تعالى، فإن العوام لا يعتقدون في النبي ولا ولي نفعًا ولا ضرًّا بغير إذن الله تعالى، ففهم العلماء أن قولهم يا رسول الله أو يا سيدي فلان إنما قصدوا به معنى السببية، وقد أحسن الشيخ يوسف النبهاني في كتابه: “شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم” وقد قرظه كبار علماء الإسلام ما بين شيخ للأزهر أو مفتٍ للديار، وهو مطبوع ذائع.

ولننقل هنا كلام ساداتنا الحنابلة قبل ابن تيمية وشيعته لترى كيف أن المنهج مستقر ومنضبط حتى جاء ابن تيمية والوهابية فأحدثوا شرخًا وفهمًا غريبا عن منهج ساداتنا العلماء.

فقد ذكر جواز التوسل سائر أئمة الحنابلة، وحكوه عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وأنه قال باستحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ونصهم في ذلك: “قَالَ أَحْمَدُ فِي “مَنْسَكِهِ” الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ: إنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي “الْمُسْتَوْعِبِ” وَغَيْرِهِ”. راجع ذلك في: “المبدع”(2/ 27)، “الفروع” (3/ 229) لابن مفلح، و”الإنصاف” للمِرداوي (5/ 420)، و”كشاف القناع” (2/ 68) للبهوتي، وغيرهم.

وقال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي المتوفى 513هـ فيما يقوله الزائر للروضة الشريفة: “وإني قد أتيت بنبيك تائبًا مستغفرًا فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك بحقه أن تغفر لي ذنوبي”. [التذكرة في الفقه (صـ 117)].

فهذا توسل ثم استغاثة وتأمل قوله مخاطبًا الجناب الأفخم الأجلّ صلى الله عليه وسلم: “يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي”.

#وذكر ابن أبي يعلى المتوفى 526هـ في “طبقات الحنابلة” (1/ 382) عند ترجمة سيدنا معروف الكرخي رحمه الله تعالى عن عَبْد اللَّهِ بْن الْعَبَّاسِ الطيالسي قَالَ لي ابن أخي معروف قَالَ: لي عمي معروف: إذا كان لك إلى اللَّه حاجة فتوسل إليه بي”.

ذكر ذلك شيخ الحنابلة ولم يعترض عليه ولم يتعقبه، ورواه أبو نعيم في حلية الأولياء (8/ 364)، وسبط ابن الجوزي في “مرآة الزمان” (13/ 362)، والحرضي في “غربال الزمان في وفيات الأعيان (1/ 167)، ومجير الدين الحنبلي في “التاريخ المعتبر في أنباء من غبر” (3/ 338)، وابن العماد الحنبلي (2/ 478)، وغيرهم، ولم يعترض أحد قط من الحنابلة أو غيرهم، أما وهابية العصر فيعدون ذلك من الشرك الصريح!!

وقال الإمام نصير الدين محمد بن عبد الله السامري الحنبلي المتوفى 616هـ في توجه الزائر إلى قبره الشريف: “ويجعل القبر تلقاء وجهه، والقبلة خلف ظهره، والمنبر عن يساره، ويقف مما يلي طرف جدار القبر مما يلي المنبر فيقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد – إلى آخر ما يقوله في التشهد الأخير – اللهم أعط محمدًا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود الذي وعدته إياه، إنك لا تخلف الميعاد… اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك عليه السلام: {وَلَوْ أَنَهُمْ إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 64]، وإني قد أتيتك تائبًا مستغفرًا، فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته

اللهم إني أتوجه إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك بحقه أن تغفر لي ذنوبي …”. [المستوعب 1/ 525].

وقال الإمام أبو محمد ابن قدامة الحنبلي المتوفى 620هـ فيما يقوله الزائر عند زيارته صلى الله عليه وسلم: “ثم تأتي القبر فتولي ظهرك القبلة، وتستقبل وسطه، وتقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله، وخيرته من خلقه وعباده …. اللهم إنك قلت وقولك الحق: {وَلَوْ أَنَهُمْ إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 64] وقد أتيتك مستشفعًا بك إلى ربي، فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته”. [المغني 3/ 479].

فتأمل قول الإمام ابن قدامة: “وقد أتيتك مستشفعًا بك إلى ربي” والتي يعتبرها الخوارج عبودية لغير الله ومن الشرك الأكبر!

وذكره بتمامه الإمام شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى 682هـ في كتابه: “الشرح الكبير على المقنع” (9/ 274).

#وقال الإمام أبو طالب عبد الرحمن بن عمر البصري العبدلياني المتوفى 684هـ في كتابه: “الحاوي في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه (صـ443) وهو يتكلم عن دعاء الاستسقاء: “ويباح التوسل بالصلحاء”.

ولا شك أن المراد بالصلحاء من أفضوا إلى الحق سبحانه؛ لأن منصوص المذهب أن خروج الأحياء حال الاستسقاء مستحب استحبابًا شديدًا لا مباحًا، وإنما اختلفوا في التوسل بالصالحين على قولين في المذهب ما بين مبيح ومستحِب.

# وقال الإمام زين الدين المُنَجَّى بن عثمان بن أسعد ابن المنجى التنوخي الحنبلي المتوفى 695هـ في كتابه: “الممتع شرح المقنع”: “أما استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من زارني أو زار قبري كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة». رواه أبو داود الطيالسي.

ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد يسلم عليّ عند قبري إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام».

ويروى عن العتبي قال: «كنت جالسًا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله! سمعت الله يقول: {وَلَوْ أَنَهُمْ إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 64]، وقد جئتك مستغفراً مستشفعاً بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم انصرف الأعرابي، فحملتني عينيّ فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: يا عتبي! الحق الأعرابي فبشره أن الله تعالى قد غفر له».

وقال الإمام علاء الدين المِرْداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي المتوفى 885هـ في “الإنصاف” (2/ 456): “يجوز التوسل بالرجل الصالح، على الصحيح من المذهب، وقيل: يستحب. قال الإمام أحمد: المروذي يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه وجزم به في “المستوعب” وغيره”.

فهؤلاء جميعًا قبل ظهور خوارج العصر الذين يكفرون المتوسلين، وها أنت ترى أئمة المذهب مطبقون على التوسل بجنابه الشريف عند قبره الشريف، بلفظ التوسل كقولك: اللهم إني أتوجه إليك أو أسالك بنبيك محمد، وكذا بلفظ الاستغاثة كقولك: يا رسول الله جئتك مستشفعا بك إلى ربي أو يا رسول الله أتيتك مستغفرا من ذنوبي، ولا تجد لهم مخالفًا في أئمة المذهب دون نكير، بخلاف ما يراه بعضهم، لأنهم يعتقدون أن لا مؤثر في الحقيقة إلا الله وأن الخلق أحياء وأمواتا ما هم إلا أسباب أما من منعوا ذلك في الميت وأجازوه في الحي كأن الحي له نوع تأثير فأضعف اعتقادا ممن أجاز التوسل بالحي والميت مع الاعتقاد الكامل في مسبب الأسباب فاللهم ردنا وردهم إلى الحق آمين.