التعليم وتعزيز ثقافة الحوار
26 ديسمبر، 2025
العلم والعلماء

بقلم : د/ محمد السيد فرج الماظ
أستاذ أصول التربية المساعد
كلية الدراسات العليا للتربية – جامعة القاهرة
يعد الحوار من أهم وسائل المجتمعات في الحفاظ على قيمها الثقافية واستيعاب الثقافات الجديدة وتوليد قيم نافعة في ظل الانفتاح الحضاري وثورة المعلومات التي يشهدها العالم. والحوار دعامة أساسية لتحقيق السلام بين الأفراد، وهو من ضرورات العصر الذي لا يمكن فيه التعايش والتفاعل والتفاهم إلا بقبول الحق في الاختلاف وبالانفتاح على الآخر وتبادل الأفكار والآراء معه، والحوار هو وسيلة الإنسان للتعبير عن حاجاته ورغباته وميوله وأحاسيسه ومواقفه ومشكلاته، وطريقة تصريف شؤون حياته المختلفة .
ويعرف الحوار بأنه نوع في الحديث بين شخصين، أو فريقين يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة، فلا يستأثر أحدهما دون الآخر ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصب. ويتضمن مصطلح الحوار درجة من التفاعل والتعاطي الإيجابي بين الأفراد التي تعتني به، وهو فعل ثقافي يؤمن بالحق في الاختلاف ، ويكرس التعددية، ويؤمن بالمساواة.
ويكتسب الحوار أهميته البالغة من كون الوجود الاجتماعي الإنساني لا يتحقق إلا بوجود الآخر المختلف, ومن أن الإنسان لا يحقق ذاته الإنسانية ولا ينتج المعرفة إلا بالالتقاء والحوار مع الإنسان الآخر والتفاعل الخلاق معه, إذ أن الإنسان أيا كان لونه أو سمته أو دينه أو معتقده أو لغته يجب أن ينظر بعقله وقلبه إلى الآخر الذى يسكن معه هذه العالم ، حيث أصبح من المعقول والمقبول أن يعيش الناس معًا في سلام ومحبة وود واحترام وتعاون في ظل وجود قيم الحوار الإنساني.
ويمكن القول بإن للمؤسسات التعليمية دور كبير في تعزيز ثقافة الحوار من خلال الحرص على دمجها في المناهج الدراسية، وخلق بيئة مدرسية تعكس قيمة الحوار في سلوكياتها اليومية، وتدريب المتعلمين على ممارسة الحوار، وتبصيرهم بمشروعية الاختلاف وبإن الحوار هو البديل عن الفوضى في الأفكار والمفاهيم والاتجاهات، وبإن الحوار الوسيلة الآمنة في الحفاظ على المجتمعات والتواصل بين الثقافات والحضارات ومجالات التشارك بينهم.
ولكي تحقق المؤسسات التعليمية هدفها في تعزيز ثقافة الحوار فلابد وأن تعمل عناصر المنظومة التعليمية بصورة تعاونية وتكاملية وبانسجام تام، وأن تتآلف معا في تركزيها على هدف مشترك يتمثل في تعزيز ثقافة الحوار ، وذلك من خلال الاعتماد على التعليم القائم على الحوار والتعلم التعاوني في مقابل التعليم البنكي التسلطى، حيث يمكن التعليم الذي يستند على الحوار والتفاعل والتعلم التعاوني الطلاب من تطوير مهاراتهم في التواصل الفعّال، والاحترام المتبادل، والتفاهم ، كما يتعلم الطلاب من خلال العمل الجماعي كيفية مشاركة الأفكار والعمل معًا لتحقيق الأهداف، مما يُعزز من قيم الحوار.
إن أي رؤية لتعزيز وتفعيل ثقافة الحوار لدى المتعلمين ، إنما هي جزء من السياق المجتمعي أو المجال العام، الذي يستلزم إجراء تغييرات فيه، كشرط ضروري لنجاح أي جهد لتعزيز ثقافة الحوار، وهنا ينبغي التأكيد على كون المؤسسات التعليمية جزءًا من المجتمع فهي في حاجة إلى دعم من النظام السياسي القائم، وأيضًا الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة، وكذلك منظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، ودور العبادة، والأسرة؛ لتعزيز وتنمية ثقافة الحوار لدى المتعلمين بصفة خاصة، حيث إنه لا يمكن لجهة واحدة القيام بمسؤولية نشر وتعزيز ثقافة الحوار، ولذا فلا بد من اشتراك جميع المؤسسات والهيئات الرسمية وغير الرسمية في تعزيز ونشر ثقافة الحوار، فكل هذه الأطراف مسؤولة عن هذا البناء الوطني للناشئة والشباب, وتنمية قدرتهم على ممارسة الحوار في كافة المجالات والميادين المختلفة.
وختامًا يجب على مؤسسات المجتمع أن تعمل على تعزيز الحوار من خلال اتخاذ الحوار أساسًا للتعامل مع الأبناء داخل الأسرة والمؤسسات التعليمية وفي دور العبادة، وأن تعمل وسائل الإعلام المختلفة على بيان أهمية الحوار وتقديم نموذج وصورة مشرفة للحوار الجاد والبناء لدى كافة أفراد المجتمع وبصفة خاصة طلاب التعليم الجامعي.