أزمة وعي حين يتحول الاختلاف إلى خصومة «الخروج من بوتقة الكبت»
24 ديسمبر، 2025
العلم والعلماء

بقلم : د. ميرنا يونس
في زمنٍ كان يُفترض فيه أن يكون العلم جسرًا للتقريب، أصبح عند بعض المنتسبين إليه ساحًة للصراع، ومنبرًا للتجريح، وذريعًة للتطاول..
فما نشهده اليوم من مشاهد مؤسفة بين بعض طلاب العلم، سواء المنتسبين إلى المنهج السلفي أو المنهج الأزهري، لا يمتّ إلى روح العلم ولا إلى أخلاق أهله بصلة، بل يكشف عن أزمة وعي حقيقية، وشهوة كلام، وفقرٍ في الفهم، قبل أن يكون خلافًا في المناهج.
لقد أصبح من المألوف أن نرى طالبًا لم يجف بعد مداد بدايته، ولم يكتمل بناؤه العلمي، ولم ينضج فكره بعد، يتجرأ على مشايخ أفنوا أعمارهم في طلب العلم، وشابوا في الدعوة إلى الله، فيطعن في نياتهم، ويُسفّه جهودهم، ويتعامل معهم من علٍ، وكأن سنوات التحصيل والتضحية لا وزن لها في ميزان المعرفة.
وقد صدق من قال:
كم عالمٍ متفضّلٍ قد سبّهُ
من لا يساوي غرزةً في نعلهِ.
هذه الظاهرة لا تقتصر على اتجاه دون آخر، بل تتوزع مع الأسف على أكثر من مسار فكري.
فمن جهة، يظهر بعض أنصاف المتعلمين من أصحاب المنهج السلفي غير المعتدل، الذين ضاق أفقهم بالخلاف، فصار التكفير والتبديع عندهم أسرع من الفهم، ولم يبقَ من العلم إلا أسماء شيوخ تُردَّد، وأحكام تُطلق بلا دراية ولا ميزان.
ومن جهة أخرى، يبرز أنصاف متعلمين من أصحاب المناهج غير السلفية، وغالبًا ما ينتسبون إلى المنهج الأزهري المتمذهب، يظنون أنهم يمثلون الوسطية المطلقة، فلا يرون الحق إلا فيما تعلموه، ولا الخير إلا فيما اعتادوه، ويحكمون على غيرهم بالتشدد والتضييق دون إنصاف أو تمحيص.
ومن رحم هذين الاتجاهين خرج صنف ثالث، لا يقل خطرًا، بل ربما كان أشدهم أثرًا؛ أولئك الذين انسلخوا من المنهج السلفي غير المعتدل، فانقلبوا عليه انقلابًا كاملًا، وراحوا يهاجمون شيوخه ودعاته سبًّا وقذفًا، وكأن تاريخهم العلمي والدعوي كان شرًا محضًا لا خير فيه…
إنه ردّ فعلٍ نفسي أكثر منه موقفًا علميًا، يمكن وصفه بـ«الخروج من بوتقة الكبت»، لا ثمرةَ مراجعةٍ رصينة ولا نتيجةَ بحثٍ منصف.
ولو أن هذه الأصناف جميعًا تعلّمت العلم بحق، لأدركت أن الشريعة أوسع من أن يحتكرها اتجاه، وأن الكمال غاية تُطلب ولا تُدّعى، وأن طالب العلم يظل طالبًا إلى آخر أنفاسه، وأن الوصول إلى الحق لا يولّد صخبًا ولا تعاليًا، بل يثمر تواضعًا وإنصافًا وسكينة.
فالإنصاف حقًا عزيز، وخيار الناس من كان منصفًا.
والناظر إلى حال كبار العلماء يدرك الفارق الهائل بين من تعلّم ليُصلح، ومن تعلّم ليُخاصم، فعلماء الأزهر الشريف، وشيوخ السلفية، رغم وضوح الاختلاف بينهم في المنهج والطريقة، ظلّ الودّ والاحترام هو القاسم المشترك؛ يتصافحون، ويتحاورون، ويتناقشون، وإن تناظروا كان مقصدهم الوصول إلى الحق، لا الانتصار للنفس ولا إسقاط المخالف.
وقد تجلّى ذلك في لقاءات ومبادرات جمعت علماء من الأزهر وقيادات من الدعوة السلفية تحت مظلة واحدة، سعيًا إلى لمّ الشمل، وتطوير الحوار الإسلامي، وتقديم نموذج راشد للاختلاف المسؤول، الذي يحفظ للدين هيبته، وللعلم مكانته، وللأمة وحدتها.
ومن ذلك: لقاء شيخ الأزهر بالدعوة السلفية تحت قبة الأزهر الشريف، وذلك من أجل لم الشمل وتطوير الحوار الإسلامى حيث حضر الاجتماع الدكتور حسن الشافعى، رئيس المكتب الفنى لشيخ الأزهر، والدكتور محمد عبد الفضيل القوصى، وزير الأوقاف وقتها، والدكتور نصر فريد واصل، مفتى الجمهورية السابق، والدكتور محمد المختار المهدى الرئيس العام للجمعية الشرعية، والدكتور عبد الله شاكر، كما شارك عدد من الدعاة السلفيين، من أبرزهم : الشيخ محمد حسان، الشيخ محمد وحيد بالى، والشيوخ الكرام نشأت أحمد، عوض الجزار، وجمال المراكبى …
كما أسس الدكتور نصر فريد واصل ما سموه «هيئة حقوق الإصلاح»، و انضم إليها علماء من الأزهر، وقيادات سلفية
وعليه؛ فإن الرسالة الأهم اليوم هي أن يتعلّم الأزهري الأدب قبل الخلاف من علمائه، وأن يتعلّم السلفي الاحترام قبل الحُكم من شيوخه، وأن يدرك الجميع أن الاختلاف سُنة كونية ماضية، لن تزول إلا بزوال الدنيا، وأن ما يبقى للإنسان في نهاية الطريق هو إخلاصه، وصدقه، وحسن قصده في طلب الحق، لا عدد خصومه ولا ضجيج معاركه…
فالعلم لم يكن يومًا سلاحًا للهدم، بل كان وسيبقى نورًا للهداية، ورحمةً للاختلاف، وجسرًا يعبر به العقلاء نحو الحق، لا خندقًا يُدفن فيه الإنصاف.