خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) للدكتور : مُحَمَّدُ حِرْزٍ
23 ديسمبر، 2025
خطب منبرية

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)
للدكتور : مُحَمَّدُ حِرْزٍ
إِمَامٌ بِوَزَارَةِ الْأَوقَافِ
بِتَارِيخِ 6 رجب 1447هـ – 26دِيسَمْبَرَ 2025م
الْحَمْدُ لِلَّهِ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَأَحْكَمَهُ خَلْقًا، قَسَّمَ الْعِبَادَ فَأَسْعَدَ بِرَحْمَتِهِ فَرِيقًا، وَبِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ فَرِيقًا أَشْقَى، وَهُوَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ وَالتَّقْوَى، نَشْهَدُ أَلَّا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعَبُّدًا لَهُ وَرِقًّا، وَنَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَكْمَلُ الْخَلْقِ خُلُقًا وَخَلْقًا، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَإِيمَانٍ وَمَنْ كَانَ لِرَبِّهِ أَتْقَى…. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّه- وَأَطِيعُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ، وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ بِعِبَادَتِهِ، وَالْعَمَلِ بِشَرِيعَتِهِ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَالَ: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة: 8]. عِبَادَ اللَّهِ: ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)) بَلْ إِنْ شِئْتَ فَقُلْ ((الوَهْمُ خِزْيٌ وَعَارٌ وَهَلاَكٌ وَدُمَارٌ)) عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
-
أَوَّلًا: لَا تُواهِمْ نَفْسَكَ وَعِشْ وَاقِعَكَ قَبْلَ الْخُسْرَانِ الْمُبِينِ.
-
ثَانِيًا: سَبِيلُ النَّجَاةِ مِنَ الْخُسْرَانِ الْأَعْظَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ !!
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: أَطْفَالُ الشَّوَارِعِ هُمْ مَسْؤُولِيَّتُنَا جَمِيعًا، وَرِعَايَتُهُمْ وَاجِبٌ إِنْسَانِيٌّ وَدِينِيٌّ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)) بَلْ إِنْ شِئْتَ فَقُلْ ((الوَهْمُ خِزْيٌ وَعَارٌ وَهَلاَكٌ وَدُمَارٌ)) وَخَاصَّةً وَإِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا يَبْتَلِي بِهِ اللهُ جَلَّ وَعَلَا الْقُلُوبَ وَالنُّفُوسَ أَنْ يَخْتَلَّ مِيزَانُهَا، فَتَطْمَئِنَّ إِلَى مَا لَيْسَ بِحَقٍّ، وَتَأْنَسَ بِمَا لَا يُرْضِي اللهَ جَلَّ وَعَلَا ، فَيرَى الْعَبْدُ نَفْسَهُ مُحْسِنًا، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُحْتَاجٌ إِلَى مُرَاجَعَةٍ وَبَصِيرَةٍ يَرَى أَنَّهُ مُحْسِنٌ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُسِيءٌ يَرَى أَنَّهُ مَظْلُومٌ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ ظَالِمٌ يَرَى أَنَّهُ دَاعِيَةً مُتَزِنًا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ دَاعِيَةٌ مُخْتَلُّ الْاتِّزَانِ يَرَى أَنَّهُ عَلَى صَوَابٍ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى خَطَأٍ وَهَلُمَّ جَرَّ أَيُّهَا الْأَخْيَارُ يَعِيشُ فِي وَهْمٍ وَرُبَّمَا لَا يَفِيقُ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ فِي اللَّحَظَاتِ الْأَخِيرَةِ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ يَا رَبِّ سَلِّمْ، وَخَاصَّةً وَهُنَاكَ الْكُثُرُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّـهُ يَظُنُّ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَسِيرُ فِي طَرِيقٍ الْهُدَى وَالنُّورِ وَهُوَ لِلْأَسَفِ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ الضَّلَالِ وَالظُّلْامِ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ الْاسْتِقَامَةِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ الْانْحِرَافِ، يَعْمَلُ الْعَمَلَ يَظُنُّهُ وَيَرَاهُ إِحْسَانًا، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عِندَ اللَّـهِ مَرْدُودٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَصَدَقَ رَبُّنَا إِذْ يَقُولُ (( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ))وَخَاصَّةً وَمِنْ أَخْطَرِ أَنْوَاعِ الْوَهْمِ صَاحِبِ الْوَهْمِ الدِّيِنِيِّ يُبَالِغُ فِي التَّشْدِيدِ وَالتَّنَطُّعِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ بِاسْمِ الاِحْتِيَاطِ وَالِالْتِزَامِ وَالشِّدَّةِ ، وَيَقْسُو بِاسْمِ الْغَيْرَةِ وَالِانْتِفَاضِ لِدِينِ اللَّهِ، وَيُقْصِي النَّاسَ بِاسْمِ حِمَايَةِ الدِّينِ وَالْتحَذَيرِ مِنَ الْبِدَعِ وَالْخُرَافَاتِ وَهُوَ فِي الْحَقيقةِ مُغَالٍ وَمُتَشَدِّدٌ وَمُتَنَطِّعٌ فِي دِينِ اللَّهِ وَمُنَفِّرٌ لِلنَّاسِ وَمَيَأُسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ ، وخَاصَّةً وَهُنَاكَ مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ الْمُتَحَدِّثُ بِاسْمِ الْدِّينِ وَالْمُخَوَّلُ مِنْ قَبْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا بِالْحُكْمِ عَلَى النَّاسِ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ تَحَوَّلَ مِنْ مِيزَانٍ يُصْلِحُ إِلَى سُوطٍ يُقْصِي، وَمِنْ نُورٍ يَهْدِي إِلَى حَدَّةٍ تُعْمِي، يُرْفَعُ شِعَارَ الْإِصْلَاحِ بَيْنَمَا يَهْدِمُ الْقُلُوبَ، يَظُنُّ الْإِحْسَانَ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُفْسِدٌ مُنَفِّرٌ وَصَدَقَ اللَّهُ إِذْ يَقُولُ : ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220].
-
أَوَّلًا: لَا تُواهِمْ نَفْسَكَ وَعِشْ وَاقِعَكَ قَبْلَ الْخُسْرَانِ الْمُبِينِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: الْوَهْمُ خُزْيٌ وَعَارٌ وَهَلَاكٌ وَدَمَارٌ يَجْرُ عَلَى صَاحِبِهِ الْوَيْلَاتُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، الْوَهْمُ يَجْعَلُ صَاحِبَهُ يَعِيشُ فِي وَادٍ وَالْحَقِيقَةُ فِي وَادٍ آخَرَ، الْوَهْمُ داءٌ اجْتِماعِيٌّ خَطِيرٌ، وَوباءٌ خُلْقِيٌّ كَبِيرٌ مَا فَشا فِي أُمَّةٍ إِلَّا كَانَ نَذِيرًا لِهَلاكِهَا، وَمَا دَبَّ فِي أُسْرَةٍ إِلَّا كَانَ سَبَبًا لِفَنَائِهَا، فَهُوَ مَصْدَرٌ لِكُلِّ عَدَاءٍ وَيَنْبُوعُ كُلِّ شَرٍّ وَتِعَاسَةٍ، وَالوَهْمُ آفَةٌ مِنْ آفَاتِ الإِنْسَانِ، مَدْخَلٌ كَبِيرٌ لِلشَّيْطَانِ، مُدَمِّرٌ لِلْقَلْبِ وَالأَرْكَانِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ وَالْإِخْوَةِ، يُحَرِّمُ صَاحِبَهُ: الْأَمْنَ وَالأَمَانَ، وَيَدْخُلُهُ النِّيرَانَ، وَيُبْعِدُهُ عَنْ الْجَنَّانِ، فَالبُعْدُ عَنْهُ خَيْرٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
الْوَهْمُ أَيُّهَا الْأَخْيَارُ أَعْظَمُ خَسَارَةٍ يَجْنِيَّهَا الْإِنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ فَلَا خَسَارَةَ تُعَادِلُ خَسَارَةً مِمَّنْ خَسِرَ نَفْسَهُ فِي الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ، وَهُوَ يَرَى غَيْرَهُ مِنَ الْفَائِزِينَ الْمُفْلِحِينَ، فَيَنْدَمُ وَلَا يَنْفَعُ عِندَ ذَاكَ الْنَّدَمُ قَالَ جَلَّ وَعَلا مُحَذِّرًا مِن تِلْكُمِ الْخَسَارَةِ {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} الْآمِرُ هُوَ اللَّـهُ جَلَّ وَعَلَا، وَالْمَأْمُورُ هُوَ سَيْدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُنبِّئُ لَنَا هُوَ اللَّـهُ جَلَّ وَعَلَا {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}
يَا عِبَادَ اللَّـهِ! مَا هِيَ حَقِيقَةُ الْخُسَارَةِ؟ مَنْ هُوَ الْخَاسِرُ؟
بَلْ مَنْ هُوَ أَخْسَرُ النَّاسِ؟ “
هَلْ هُوَ مَنْ خَسِرَ تِجَارَتَهُ؟
هَلْ هُوَ مِنْ خَسِرَ مَالَهُ؟ الْكَثِيرُ لَا يُفَكِّرُ إِلَّا فِي خُسَارَةِ الدُّنْيَا، وَهَذَا هُوَ حَدِيثُ النَّاسِ الْيَوْمَ، الْحَدِيثُ عَنْ ارْتِفَاعِ الْأَسْعَارِ، الْحَدِيثُ عَنْ الْخَسَائِرِ ـ خَسَائِرِ التُّجَّارِ ـ الْحَدِيثُ عَنْ ارْتِفَاعِ الْعُمْلَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَهُبُوطِ الْعُمْلَةِ الْمَحَلِّيَّةِ. هَلْ هَذِهِ هِيَ الْخُسَارَةُ الْحَقِيقِيَّةُ يَا عِبَادَ اللَّـهِ؟ قَطْعًا لَيْسَتْ هَذِهِ هِيَ الْخُسَارَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، لَأَنَّ خَسَائِرَ الدُّنْيَا تُعَوَّضُ بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ كَمْ خَسِرْتَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ رَبِحْتَ، وَكَمْ رَبِحْتَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خَسِرْتَ؟ فَهَذِهِ لَيْسَتْ هِيَ الْخُسَارَةَ الْحَقِيقِيَّةَ.
بَلْ قَدْ تَكُونُ نَتِيجَةُ هَذِهِ الْخُسَارَةِ الدُّنْيَوِيَّةَ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ اللَّـهِ تَعَالَى عَلَيْكَ إِنْ صَبَرْتَ عَلَيْهَا، أَلَمْ يَقُلْ مَوْلَانَا عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابهِ الْعَظِيمِ: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ}؟ ألم يأمُر ربُّنا عز وجل أن نُبَشِّرَ أصحابَ هذه الابتلاءاتِ والخساراتِ بقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِين * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون}؟ بَأَيِّ شَيْءٍ نُبَشِّرُ مِمَّنِ ابْتَلَاهُ اللهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ؟ نُبَشِّرُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}. فَأَيُّ خَسَارَةٍ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ هِيَ النَّتِيجَةُ؟
أنَّ أَعْظَمَ خَسَارَةٍ هِيَ خَسَارَةُ الْدِّينِ؛ فَمَنْ رَبِحَ الْدِينَ سَعِدَ، وَمَنْ خَسِرَهُ شَقِيَ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا (الَّذِينَ خَسِرُوَا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [المؤمنون:103]، فَجَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ خَسَارَةَ الْنَّفْسِ فِي فَقْدِ الْإِيمَانِ، فَالَخْسَارَةُ الحَقيقَيةُ سببها ضَلالُ السَّعْيِ في الدُّنْيا وَكَيفَ لا ؟ وَضَلالُ السَّعْيِ سَبَبُهُ ضَلالٌ في العَقيدَة، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ عَقيدَتُهُ فاسِدَةً وَفِيها خَلَلٌ مَا ضَلَّ سَعْيُهُ في الحَيَاةِ الدُّنْيا؛ لأنَّ العَقيدَةَ الفاسِدَةَ تُدَمِّرُ وَلا تُعَمِّرُ، وَتَجْعَلُ صاحِبَها في ضَلالٍ في سَعْيِهِ ، الْخَسَارَةُ الحَقيقِيَّةُ هِيَ إِحباطُ العَمَلِ وَضِيَاعُ الثَّوابِ قَالَ جَلَّ وَعَلَا{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا}. قال الله جل وعلا: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَاب * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّور}. فالرِّيَاءُ مُحْبِطٌ لِلْأَعْمَالِ، مُضَيِّعٌ لِثَوَابِهَا وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا، فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ” (حَسَنٌ، رَوَاهُ التُّرْمِذِيُّ). فَالْرِّيَاءُ سَبَبٌ فِي عَذَابِ صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:”إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ به فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟
قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ، ولكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حتَّى ألُقِيَ في النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وعَلَّمَهُ، وقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ العِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وقرَأتَ القُرآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارئٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ…”(رواه مسلم).
الخَسَارَةُ الحَقيقِيَّةُ : إِفْلَاسُ رَصِيدِ الطَّاعَاتِ بَعْدَ أَن عَمِلَ المُسْلِمُ أَعْمَالًا كَثِيرَةً فِي وُجُوهِ البِرِّ، وتَزْدادُ الحَسْرَةُ حِينَ يَعْجَزُ الرَّصِيدُ عَنْ القَضَاءِ، فَيَكُونُ التَّسْدِيدُ بِتَحَمُّلِ سَيِّئَاتِ العِبَادِ، فَيَخرُجُ مِنَ الدُّنْيَا حَزِينًا عَلَى مَا قَدَّمَ مِنْ إِسَاءةٍ، وَهُنَاكَ لَا مَجَالَ لِتَعْوِيضِ الخَسَارَةِ فَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ؟ قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فَكَمْ مِنْ مُجْتَهِدٍ فِي بَاطِلٍ لَا يَنْفَعُهُ اجْتِهَادُهُ، وَلا يُعْذَرُ بِهِ الآنَ؛ لانْتِشَارِ العِلْمِ وَأهْلِهِ وَوَسَائِلِهِ،! قَالَ جَلَّ وَعَلَا (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الْدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (الكهف:104) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: “كَانَ الرَّجُلُ يُقَدِّمُ الْمَدِينَةَ فَإِنْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ غُلَامًا، وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، فَإِنْ لَمْ تَلِدْ امْرَأَتُهُ، وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ: هَذَا دِينُ سُوءٍ”. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. الْخَسَارَةُ الْحَقيقيةُ هِيَ خَسَارَةُ الآخِرَةِ عَافَانَا اللَّهُ إِيَّاكُمْ مِنْ تِلْكُمُ الْخَسَارَةَ قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [سورة الزمر: 15].
الْخَسَارَةُ الْحَقيقةُ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا عَلَى هَوَى قَالَ جَلَّ وَعَلَا(( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ (سورة الحج: 11) فَالخُسْرَانُ كُلُّ الخُسْرَانِ أَنْ تَكُونَ صِلَةُ العَبْدِ بِرَبِّهِ هَزِيلَةً وَمُتَقَلِّبَةً، إِنْ رَأَى خَيْرًا اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِلَّا أَعْرَضَ وَاعْتَرَضَ، الْخَسَارَةُ الْحَقيقيةُ من سَلَكُوا طَرِيقَ الشَّيْطَانِ وَأَعْرَضُوا عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، فَطَاعَةُ الْشَّيْطَانِ هِيَ أَصْلُ الْخُسْرَانِ وَأَسَاسُ الْإِفْلَاسِ قَالَ جَلَّ وَعَلَا (وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا)، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا (اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَـئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
اَلْخَسَارَةُ الْحَقيقَيةُ الَّذِي يَعْمَلُ السُّوءَ وَيَظُنُّهُ عَمَلًا حَسَنًا فَهَذَا هُوَ الضَّلالُ الْمُبِينُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾، [فَاطِرٌ: 8]، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَعْمَلُونَ أَعْمَالًا سَيِّئَةً وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أَي: أَفَمَنْ كَانَ كَذَلكَ قَدْ أَضَلَّهُ اللَّهُ، أَلَكَ فِيهِ حِيلَةٌ؟ لا حِيلَةَ لَكَ فِيهِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾،
وَكَيْفَ لا؟ وَإِنَّ الْمُصِيبَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ مُصِيبَةُ الْإِنْسَانِ فِي دِينِهِ، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا) لِأَنَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ دُونَ مُصِيبَةِ الدِّينِ فَهِيَ هَيْنَةٌ، لَهَا نِهَايَةٌ وَمَخْرَجٌ، لَكِنَّ مُصِيبَةَ الدِّينِ لَا مَخْرَجَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ نِهَايَتَهَا النَّارُ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- فَالْخُسَارَةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ نُرَاجِعَ أَنْفُسَنَا مَعَهَا وَأَنْ نَعْرِفَ فِيهَا رِبْحَنَا. فَكَمْ مِنْ خَاسِرٍ فِي نَظَرِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَلَكِنَّهُ يُرَبِحُ عِندَ اللَّهِ الرِّبْحَ الْعَظِيمَ يَوْمَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]
الفَوْزُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَ المُؤْمِنِ يَوْمَ يُزَحْزَحُ عَنِ النَّارِ وَيُدْخِلُهُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ جَنَّتَهُ، التي فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، أَيُّ فَوْزٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَنْجُوَ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، التي تُنْسِي المُتَنَعِّمَ في الدُّنْيَا كُلَّ نَعِيمٍ مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ غَمْسَةٍ يُغْمَسُ فِيهَا وَالعِيَاذُ بِاللهِ تعالى، كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ». غَمْسَةٌ وَاحِدَةٌ تُنْسِيهِ كُلَّ نَعِيمٍ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ يُضَاعَفُ عَلَيْهِ العَذَابُ يومَ القيامةِ؟
الْخَسَارَةُ الْحَقيقيةُ أَن تَتَحَدَّثَ فِي دِينِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَتَتَّهِمَ النَّاسَ بِالْبَاطِلِ وَتُكَفِّرَ هَذَا وَتُفَسِّقَ هَذَا وَتَفْتِي بَيْنَ النَّاسِ بِلا عِلْمٍ وَبِلا فَهْمٍ تِلْكُم خَسَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ تَهْلِكُ صَاحِبَهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِن لَمْ يَتُبْ إِلَى رَبِّ الْبَرِيَّةِ جَلَّ وَعَلَا وَيَنْدَمَ عَلَى مَا فَعَلَ وَيَتَخَلَّصَ مِنْ وَهْمِ أَنَّهُ عَالَمٌ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ جَاهِلٌ لَا يَفْقَهُ شَيْئًا وَلَا يَعْرِفُ شَيْئًا قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ (الأنعام: 144) قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُون ﴾ [النحل: 25]. نَعُوذُ بِالله مِنَ الْخُذْلَانِ وَالْخُسْرَانِ، وَنَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ الْإِخْلَاصَ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَالثَّبَاتَ عَلَى الْحَقِّ إِلَى المَمَاتِ؛ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:٢٣]، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة:201].
-
ثَانِيًا: سَبِيلُ النَّجَاةِ مِنَ الْخُسْرَانِ الْأَعْظَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ !!
أَيُّهَا السَّادَةُ: كَيْفَ أَحْمِي نَفْسِي مِنَ الْخَسَارَةِ؟! وَأَيْنَ هِيَ التِّجَارَةُ الرَّابِحَةُ؟! لقد بَيَّنَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مَعَالِمَ التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ الْمُثْمِرَةِ الَّتِي لَا يَلْحَقُهَا حَسْرَةٌ وَلَا نَدَامَةٌ، تِجَارَةٌ مَأْمُونَةُ الْخَسَائِرِ، إِنَّهَا التِّجَارَةُ مَعَ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الصف: 10، 11]، وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) [فَاطِر: 29]. والَّذِينَ يُفَرِّطُونَ فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ فَسَوْفَ تَتَقَطَّعُ قُلُوبُهُمْ حَسَرَاتٍ، وَتَذُوبُ أَفْئِدَتُهُمْ نَدَمًا عَلَى ضِيَاعِ الْفُرْصَةِ الَّتِي لَا تُعَوَّضُ، قَالَ سُبْحَانَهُ: (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) [الْأَنْعَامِ: 31].
أَنَّ النَّجَاةَ الْحَقيقيةَ لَيْسَتْ فِي شِدَّةِ الْقَوْلِ، وَلَا فِي قَسْوَةِ الْحُكْمِ، وَلَا فِي كَثْرَةِ الْاتِّهَامِ، بَلْ فِي عِلْمٍ يُبَصِّرُ، وَقَلْبٍ يَرْحَمُ، وَمِيزَانٍ يُقِيمُ الْحَقَّ دُونَ إِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ. فَمَنْ فَقَدَ هَذَا الْمِيزَانَ، وَإِنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْوَهْمِ مِنْهُ إِلَى الْإِحْسَانِ، قَالَ سُبْحَانَهُ ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)).
أَنَّ النَّجَاةَ الْحَقيقيةَ: فِي الصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَعَاصِي وَالصَّبْرِ عَلَى أَقْدَارِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَمَن أَرَادَ الفَوزَ في الآخِرَةِ فَلْيَصبِرْ في الدِّنيَا عَلَى الطَّاعَاتِ، وَلْيَصبِرْ عَنِ المَعَاصِي، وَلْيَتَصَبَّرْ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِن أَقدَارِ اللهِ المُؤلِمَةِ؛ فَإِنَّ الإِيمَانَ وَالعَمَلَ الصَّالِحَ يَحتَاجَانِ إِلى صَبرٍ وَمُصَابَرَةٍ وَجِهَادٍ وَمُجَاهَدَةٍ؛ لِيُحَقِّقَ العَبدُ الفَوزَ في الآخِرَةِ، فَيَكُونَ مِمَّن ثَقُلَت مَوَازِينُهُم، وَقَالَ اللهُ تَعَالى فِيهِم: (إِنِّي جَزَيتُهُمُ اليَومَ بما صَبَرُوا أَنَّهُم هُمُ الفَائِزُونَ) [المؤمنون: 111].
أَنَّ النَّجَاةَ الْحَقيقيةَ: فِي إِرْضَاءِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا وَلَيْسَ فِي إِرْضَاءِ النَّاسِ فَإَرْضَاءُ النَّاسِ غَايَةٌ لَا تُدْرَكُ وَإِرْضَاءُ اللَّهِ غَايَةٌ لَا تَتْرُكُ فَاحْرِصْ عَلَى مَا لَا يَتْرُكُ وَدَعْ مَا لَا يُدْرِكُكَ قَالَ النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ((منِ التمسَ رضا اللَّهِ بسَخطِ النَّاسِ كفاهُ اللَّهُ مؤنةَ النَّاسِ ، ومنِ التمسَ رضا النَّاسِ بسخطِ اللَّهِ وَكلَهُ اللَّهُ إلى النَّاسِ))
وَاللهِ لَوْ صَاحِبَ الإِنْسَانِ جِبْرِيلًا ***** لَمْ يَسْلَمِ الْمَرْءُ مِنْ قَالَ وَمِنْ قِيْلًا
قَدْ قِيلَ فِي اللَّهِ أَقْوَالًا مُصَنَّفَةً ***** تُتْلَى إِذا رَتَّلَ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
قَدْ قِيلَ أَنَّ لَهُ ولَدًا وَصَاحِبًا ****** زُورًا عَلَيْهِ وَبُهْتَانًا وَتَضْلِيلًا
هَذَا قَوْلُهُمْ فِي اللَّهِ خَالِقِهِم ****** فَكَيْفَ لَوْ قِيلَ فِينَا بَعْضُ مَا قِيلَ
أَنَّ النَّجَاةَ الْحَقيقيةَ: فِي الْحِرْصِ عَلَى فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ وَوَاجِبَاتِ الدِّينِ وَالْبُعْدِ عَنْ الْآثَامِ وَالْحَرَامِ؛ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النُّعْمَانَ بْن قَوْقَلٍ رضي الله عنه أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: « أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟» قَالَ : «نَعَمْ » ، وفي رواية «وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا» قَالَ : « نَعَمْ » ، فقَالَ: «وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا» .
أَنَّ النَّجَاةَ الْحَقيقيةَ : فِي حِفْظِ اللِّسَانِ وَصِيَانَتِهِ ، وَتَجَنُّبِ الْفِتَنِ ، وَلُزُومِ الْبُيُوتِ عِندَ اشْتِعَالِهَا ، وَالنَّدَمِ عَلَى فِعْلِ الذُّنُوبِ ، وَالْمُبَارَدَةِ إِلَى التَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلا . رَوَى التُّرْمِذِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضى الله عنه قَالَ : قُلْتُ «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ؟» قَالَ: ((امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ)) .
أَنَّ النَّجَاةَ الْحَقيقيةَ: فِي أَنْ لَا يَغْتَرَّ الْمَرْءُ بِعَمَلِهِ وَإِن كَثُرَ ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دَوْمًا وَأَبَدًا خَائِفًا رَاجِيًا ، يَأْتِي بِأَعْمَالِهِ صَحِيحَةً قَوِيمَةً وَيَجْعَلُهَا بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:60] . روى الحاكم في مستدركه أن عَبْد اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رضي الله عنه كان في بيته عند امرأته فَبَكَى ، فَبَكَتِ ، فَقَالَ لها : مَا يُبْكِيكِ ؟ فقَالَتْ: رَأَيْتُكَ تَبْكِي فَبَكَيْتُ ، فقَالَ رضي الله عنه : ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 71] ، قال رضي الله عنه : « فَلَا أَدْرِي أَنَنْجُو مِنْهَا أَمْ لَا» .
أَنَّ النَّجَاةَ الْحَقيقيةَ: فِي التَّخَلُّصِ مِنَ الْوَهْمِ وَالتَّخَلُّصِ مِنَ الْجَهْلِ وَالتَّخَلُّصِ مِنَ التَّنَطُّعِ وَالْغُلُوِّ فِي دِينِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلاَ قَالَ النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ)) قَالَ -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
أَنَّ النَّجَاةَ الْحَقيقيةَ فِي اللجوء الصَّادِقِ إِلَى اللَّهِ وَكَثْرَةِ دُعَائِهِ وَالإِلْحَاحِ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ النَّجَاةَ بِيَدِهِ ، وَلَا نَجَاةَ لِعَبْدٍ إِلَّا إِذَا نَجَّاهُ اللَّهُ ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَالدُّعَاءُ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ .
أَنَّ النَّجَاةَ الْحَقيقيةَ بكَثْرَةِ الاسْتِغْفَارِ ؛ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الأنفال : 33] قَدْ جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : «عَجِبْتُ لِمَنْ هَلَكَ وَالنَّجَاةُ مَعَهُ» !! فَقِيلَ وَمَا هِيَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : «الِاسْتِغْفَارُ».
أَنَّ النَّجَاةَ الْحَقيقيةَ: في الإِخْلاصِ اعْلَمُوا أَنَّ الإِخْلاصَ يُعَظِّمُ الْعَمَلَ الصَّغِيرَ حَتَّى يُصْبِحَ كَالْجَبَلِ، كَمَا أَنَّ الرِّيَاءَ يُحَقِّرُ الْعَمَلَ الْكَبِيرَ حَتَى يَكُونَ كَالْهَشِيمِ تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، قَالَ تَعَالَى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) الفرقان (23) وقال ﷺ: (من تعلَّم علمًا مما يبتغى به وجهَ اللهِ تعالى ، لا يتعلَّمُه إلا ليُصيبَ به عرضًا من الدنيا لم يجِدْ عَرْفَ الجنةِ يومَ القيامةِ) . يعني ريحَها. أخرجه أبو داود . وَالإِخْلاصُ عَزِيزٌ عَلَى الْمَرْءِ، عَسِيرٌ عَلى الْقَلْبِ، شَدِيدٌ عَلَى النَّفْسِ؛ سُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ عَلَى النَّفْسِ؟ قَالَ: (الإِخْلاصُ؛ إِذْ لَيْسَ لَهَا فِيهِ نَصِيبٌ) وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: (مَا عَالَجْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ نِيَّتِي؛ إِنَّهَا تَتَقَلَّبُ عَلَيَّ). فَالنَّفْسُ بِفِطْرَتِهَا تَمِيلُ لِلظُّهُورِ وَالْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، وَفِي الإِخْلاصِ قَطْعٌ لِحُظُوظِ النَّفْسِ وَعَلائِقِ الْقَلْبِ، قَالَ أَحَدُ السَّلَفِ: (إِخْلاصُ سَاعَة نَجَاةُ الأَبَد، وَلَكِنَّ الإِخْلاصَ عَزِيزٌ). قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: (الْعَمَلُ بِغَيْرِ إِخْلاصٍ وَلا اقْتِدَاءٍ كَمُسَافِرِ يَمْلأُ جِرَابَهُ رَمْلًا يَنْقُلُهُ وَلا يَنْفَعُهُ)
فَاَتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاحْذَرُوا – مِنَ الِاغْتِرَارِ بِهَذِهِ الدَّارِ ، فَإِنَّ مَتَاعَهَا مَتَاعُ الْغُرُورِ ، وَهُوَ مَتَاعٌ زَائِلٌ ، وَالْحَيَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ إِنَّمَا هِيَ عِنْدَمَا يَقِفُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العَنْكَبُوتِ:64] أَيْ هِيَ الْحَيَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ ؛ فَلْيُعِدَّ النَّاصِحُ لِنَفْسِهِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ عُدَّتَهُ ، فَإِنَّ الْكَيِّسَ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الْأَمَانِيَّ .
يَا مَنْ بِدُنْيَاهُ اشْتَغَلْ *** قَدْ غَرَّهُ طُولُ الْأَمَلِ
الْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً *** وَالْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَلِ
وَلَمْ تَزَلْ فِي غَفْلَةٍ *** حَتَّى دَنَا مِنْكَ الْأَجَلُ
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ…. الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ أَعَزَّ الطَّائِعِينَ بِرِضَاهُ، وَأَذَلَّ الْعَاصِينَ بِسَخَطِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: أَطْفَالُ الشَّوَارِعِ هُمْ مَسْؤُولِيَّتُنَا جَمِيعًا، وَرِعَايَتُهُمْ وَاجِبٌ إِنْسَانِيٌّ وَدِينِيٌّ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: لَقَدْ حَدَّدَتْ وِزَارَةُ الأَوْقَافِ فِي ظِلِّ مُبَادَرَةِ صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ قَضِيَّةً مُهِمَّةً لَغَايَةً أَلَّا وَهِيَ أَطْفَالُ الشَّوَارِعِ حيثُ تُعَدُّ ظَاهِرَةُ أَطْفَالِ الشَّوَارِعِ مِنَ التَّحَدِّيَاتِ الْكُبْرَى الَّتِي تَتَطَلَّبُ تَعَاوُنَ الْجَمِيعِ مِنْ مُؤَسَّسَاتٍ حُكُومِيَّةٍ، مُجْتَمَعٍ مَدَنِيٍّ، وَأُسَرٍ، لِتَوْفِيرِ الْحِمَايَةِ وَالرِّعَايَةِ لِهَؤُلَاءِ الْأَطْفَالِ، مِمَّا يُعَرِّضُهُمْ لِمَخَاطِرَ مُتَعَدِّدَةً صِحِّيَّةً وَاجْتِمَاعِيَّةً وَنَفْسِيَّةً. تَكْشِفُ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ عَنْ اخْتِلَالٍ فِي مَنْظُومَةِ الأُسْرَةِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَتَحْتَاجُ إِلَى مُعَالَجَةٍ مُتَكَامِلَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الْبُعْدِ الإِنْسَانِيِّ وَالدِّينِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ.
وَكَيْفَ لَا؟ وَرِعَايَةُ الْيَتِيمِ وَحِفْظُ الْأَطْفَالِ وَحِفْظُ الْأَرْوَاحِ وَالنُّفُوسِ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} [البَقَرَةِ: ٢٢٠] قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] ، وَأَشَارَ بِالْسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.
وَكَيْفَ لَا؟ وعدمَ رِعَايَةِ الصَّغِيرِ وَتَوْقِيرِهِ وَالعَطْفِ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنَ الدِّينِ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “لَيْسَ مِنا مَن لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوقِّرْ كَبِيرَنَا”. رَوَاهُ التُّرْمِذِيُّ
وَكَيْفَ لَا؟ وَأَطْفَالُ الشَّوَارِعِ قُنْبُلَةٌ مَوْقُوتَةٌ إِنْ لَمْ يَسْرِعِ الْجَمِيعُ فِي حَلِّهَا سَتَتَحَوَّلُ إِلَى انْفِجَارٍ لِلْمَخَدِّرَاتِ وَالْدِعَارَةِ والسرقةِ وَالْفَوْضَى وَالْخَرَابِ وَالْهَلَاكِ الْكُلُّ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)(رواه البخاري ومسلم).
وَكَيْفَ لَا؟ وَأَطْفَالُ الشَّوَارِعِ يَنَامُونَ فِي الْبَرْدِ وَتَحْتَ الْأَمْطَارِ فِي الشِّتَاءِ وَفِي الْحَرِّ وَلَهِيبِهِ فِي الصَّيْفِ يَفْتَرِشُونَ الشَّوَارِعَ وَالطُّرقَاتِ فَأَيْنَ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ أَيُّهَا الْأَخْيَارُ بِهَـؤْلَـاءِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ الْحَسَنَ ابْنَ عَلِيٍّ، فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَقَالَ ﷺ: “مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ”. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَكَيْفَ لَا؟ والرحمةُ كتبَهَا اللهُ عزّ وجلّ على نَفْسِهِ، واخْتَصَّ بِهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، هِيَ منجاةُ الخائفينَ، ورَجَاءُ المؤمنينَ، بَشَّرَ اللهُ بها المتقينَ، وطَمْأَنَ بِهَا التَّائبينَ، وتَوَدَّدَ بِهَا إلى العُصَاةِ والمذنبينَ، وجَعَلَهَا شِعَارًا للخلائقِ أجمعينَ، قال ﷺ: (لمّا قَضى اللهُ الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إنّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبِي) الرَّحمةَ الرَّحمةَ عِبادَ اللهِ بأَطْفَالِ الشَّوارِعِ التَّعاوُنَ التَّعاوُنَ عِبادَ اللهِ مَعَ أَطْفَالِ الشَّوارِعِ الشَّفَقَةَ الشَّفَقَةَ بِهِمْ عِبادَ اللهِ الوُقُوفُ بِجانِبِهِمْ عِبادَ اللهِ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
حَفِظَ اللَّهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الْكَائِدِينَ، وَشَرِّ الْفَاسِدِينَ وَحِقْدِ الْحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ الْمَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ الْمُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ الْمُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الْخَائِنِينَ.
كَتَبَهُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ
د/ مُحَمَّدٌ حَرْزٌ
إِمَامٌ بِوَزَارَةِ الْأَوقَافِ