حين يموت الموت


بقلم فضيلة الشيخ : حسين السمنودي

إمام وخطيب ومدرس بدرجة مدير عام بمديرية أوقاف القاهرة

في الجنة لا تُقاس الأعمار بالسنين، ولا تُحسَب الأيام بالتعب، ولا تُعرَف الحياة من خلال الخسارات. في الجنة تسقط كل المقاييس الأرضية، وتذوب القوانين التي أنهكتنا في الدنيا، ويبدأ الوجود من جديد على هيئة سلامٍ خالص لا تشوبه شائبة ولا يهدده فناء. هناك، لا يُطارِد القلب خوف، ولا تُرهِق الروح فكرة النهاية، لأن البقاء هو الأصل، والطمأنينة هي القانون.

الجنة ليست مجرد دار نعيم، بل هي الشفاء الكامل من كل ما أصاب أرواحنا في هذه الدنيا. هي نهاية رحلة الوجع الطويلة، وميناء السفن المتعبة بعد عواصف لا تُحصى. هناك، لا يُعرَف معنى القلق، ولا تسكن النفس فكرة الفقد، ولا يمر بالقلب ذلك السؤال المؤلم: ماذا لو خسرت؟ لأن الخسارة نفسها تُنزَع من الوجود.

في الجنة تختفي تجاعيد السنين، لا لأنها تُمحى من الوجوه فقط، بل لأنها تُمحى من الأرواح قبل الأجساد. فلا ثِقَل لذكرى أرهقت، ولا حمل لتجربة قاسية، ولا أثر لليالٍ بكَت فيها القلوب في صمت. كل ما أدمى النفس في الدنيا يُغسَل هناك غسلًا كاملًا، وكأن الألم لم يكن إلا طريقًا عابرًا إلى رحمة أوسع.

في الجنة لا دموع حنين، لأن الحنين لا يولد إلا من الفقد، والفقد هناك لا وجود له. الأحبة مجتمعون، القلوب متقابلة، والوجوه باسمة بسلامٍ لا يعرف الغياب. لا أم تخشى على ولدها، ولا أب يقلق على مستقبل أبنائه، ولا قلب يتوجس من لحظة وداع. كل لقاء أبدي، وكل قرب دائم، وكل محبة محفوظة من الزوال.

في الجنة لا إرهاق ولا إنهاك. لا سهر قلق، ولا صباح مثقل بالهم، ولا ليل طويل من التفكير. الراحة هناك ليست استراحة مؤقتة، بل طبيعة الحياة نفسها. النفس مطمئنة بطبعها، والقلب ساكن بلا مجاهدة، والروح في انسجام دائم مع النعيم.

في الجنة لا مرض يطرق الجسد، ولا ألم يتسلل إلى العظم، ولا وجع يقيم في الصدر. الصحة هناك ليست نعمة نخشى فقدها، بل حالة أبدية لا تزول. الجسد في كماله، والإحساس في صفائه، وكل خلية تنعم بنعيم لا يعتريه نقص ولا يهدده زوال. حتى الأوجاع القديمة التي حسبناها ستسكننا إلى الأبد تختفي دون أثر، وكأنها لم تكن.

في الجنة لا قهر ولا ظلم ولا غصة حق ضائع. كل مظلوم يُنصف، لا بصخب ولا بانتقام، بل بعدلٍ إلهي يُعيد للنفس توازنها، ويُسكِت السؤال الذي ظل يؤلمنا طويلًا: لماذا حدث هذا؟ هناك، نفهم دون وجع، ونرضى دون مقاومة، وتهدأ القلوب هدوءًا لم تعرفه من قبل.

في الجنة تُنقّى القلوب من كل ما علِق بها في الدنيا. لا حقد، لا غيرة، لا ضغينة، لا جراح قديمة تعود فجأة. القلوب صافية، والصدور سليمة، والمشاعر نقية كما خُلِقَت أول مرة. كل ما شوّهته الدنيا يُعاد إلى فطرته الأولى.

في الجنة لا خوف من الغد، لأن الغد كله نعيم. ولا حزن على الأمس، لأن الأمس لم يعد يؤلم. الزمن نفسه يفقد قسوته، فلا شيخوخة تسرق القوة، ولا شباب يذوي، ولا لحظة جميلة نخشى أن تنتهي. كل شيء ثابت على الكمال، وكل نعمة في ازدياد.

وفي الجنة… الموت سيموت.

لا جنازات، لا قبور، لا أخبار مفجعة، ولا قلوب ترتجف من كلمة “رحل”. فكرة النهاية تُلغى، والخوف من الفقد يُمحى، والخلود يصبح الحقيقة الوحيدة. حياة لا يعقبها موت، ونعيم لا يقطعه فناء، وأمان لا تهزه صدمة.

هناك ندرك أن كل ما مر بنا لم يضع هباءً. كل ليلة بكينا فيها وحدنا، كل خيبة صمتنا عنها، كل صبرٍ ظنناه فوق طاقتنا، كل مرة انكسرنا ولم نجد من يجبرنا… كان يُكتَب لنا لا علينا. هناك نفهم لماذا تأخر الفرج، ولماذا طال الطريق، ولماذا لم تتحقق بعض الأمنيات في الدنيا، لأن الله كان يدخر لنا ما هو أعظم وأبقى وأطهر.

هناك يُغلق آخر باب للحزن، فلا يعود للقلب ما يخشاه، ولا للروح ما تنتظره بقلق. تنتهي الأسئلة الثقيلة، وتسقط المقارنات، ويختفي الشعور بالنقص. لا أحد أفضل من أحد، ولا أحد أقل من أحد، فالجميع في رحمة الله، والجميع في كنف عوضه.
هناك نبتسم دون سبب، ونفرح دون خوف، ونطمئن دون مقاومة. لا نخشى زوال نعمة، ولا فقد قريب، ولا انقلاب حال. حتى القلوب تُعاد صياغتها على هيئة رضا دائم، فلا تعرف الضيق ولا تعود للانكسار.
وحين يموت الموت، تموت معه كل مخاوفنا القديمة. تموت فكرة الفراق، ويموت هاجس النهاية، ويموت القلق من الغد. تبقى الحياة خالدة، ويبقى الأمان مقيمًا، ويبقى اللقاء ممتدًا لا تقطعه لحظة وداع. هناك، نحب بلا خوف، ونأمن بلا حذر، ونعيش بلا نهاية.
اللهم اكتبنا في الفردوس الأعلى، نحن ولوالدينا وأبنائنا وذرياتنا.
اللهم إن كانت الدنيا قد أثقلت ظهورنا، فاجعل الجنة راحة أرواحنا، وإن كانت الحياة قد أخذت منا كثيرًا، فاجعل عوضك أكبر مما فقدنا.

اللهم اجعل لقاءنا هناك، ومقامنا دائمًا، ونعيمنا لا يزول.

هناك فقط ندرك أن كل ألم كان مؤقتًا،
وأن كل وجع كان طريقًا،
وأن الموت…
كان آخر ما يموت.