
المفهوم الرابع من سلسلة ( مفاهيم يجب أن تصحح فى ضوء الكتاب والسنة )
بقلم د / سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان
أستاذ التفسير وعلوم القرآن بالجامعة الإسلامية ببروكسل – بلجيكا
وعضو بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بكندا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء، وأشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله، وصحبه، والتابعين له بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد، فهذا المفهوم الرابع من السلسلة المباركة (مفاهيم خاطئة يحب أن تصحح في ضوء القرآن والسنة)
لقد بَعَثَ اللهُ نبيَّهُ وَحَبيبَهُ مُحمَّدًا صلى الله عليه وسلم، مُعلمًا للناس جميعًا، ومُوجِهًا لهم فقال تعالى: ﴿ كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ 151﴾ [البقرة: 151]
ومما قام به صلى الله عليه وسلم تصحيح المفاهيم الخاطئة ومن هذه المفاهيم مفهوم الناس حول المال الذي بين أيديهم فيظنون أن ما يحتفظون به من مال هو الباقي له ولكن النبي علمنا في ضوء هذا الحديث عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أم المؤمنين رضي الله عنها، أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا بَقِيَ مِنْهَا»؟ قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا قَالَ: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا»: ” أخرجه الترمذي في السنن، كتاب صفة القيامة الحديث (2470)، وقال: (حديث صحيح)، وأخرجه أحمد في المسند (6/ 50). هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَأَبُو مَيْسَرَةَ هُوَ الهَمْدَانِيُّ اسْمُهُ: عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ ”
ففي هذا الحَديثِ تُخبِرُ أم المؤمنين عائشةُ رضِيَ اللهُ عَنها: “أنَّهم ذبَحوا”، أي: ذَبَح أهلُ بيتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، شاةً، أي: ضَأنًا أو ماعِزًا، وقاموا بسلخها وتقطيعها وتوزيعها، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليعلم، ويربي، ويصحح المفاهيم، فقال: «مَا بَقِيَ مِنْهَا»؟ ما بقي من الشاة؟ فقالوا إنهم قاموا بتوزيعها كاملة إلا القليل «مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا» فأراد النبي أن يصحح لهم مفهوم أن ما تم التصدق به وإنفاقه هو الباقي فقال: صلى الله عليه وسلم «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا» إنَّ ما تَأكُلُه في الدُّنيا يَبْلى ويَفْنى، أمَّا الصَّدقةُ فهي الَّتي تَمضي إلى الآخرةِ، فيَبْقى لك ثَوابُها؛
قال السِّنديُّ في حاشيته على “المسند”: قولها: ما بقي إلا كتفها، أي: تَصَدَّقوا بكلَّها إلا كَتِفَها، فما بقي إلا كَتِفُها، فأجاب: «بَقِيَ كُلُّهَا» أنَّ ما تصدَّقتم به قد بقي، وما تركتم لنفسكم فهو الذي ما بقي، لأنَّ الذي صُرِفَ في سبيل الذي هو البَاقي حقيقةً كما هو الموافق لقوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ﴾ [النحل: 96] «حاشية السندي على سنن الترمذي» (3/ 327) بتصرف
فَعندما اختلت الموازين، وانقلبت المفاهيم، وانعكست الأمور في فهمهم للباقي والفاني، وجعلوا المُشَاهَد المحسوسَ باقياً، والغائب فانياً على سبيل الحصر عكس صلوات الله عليه، وصحح لهم فقال: إن ما تشاهدونه وتخصون به أنفسكم خيالٌ؛ لأنه في معرض الفناء، ووشك الزوال وما تؤثرونه عليها وإن كان غائبًا فهو ثابت عند الله، ووعده الصادق كما قال الله تعالي: ﴿مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ﴾ [النحل: 96]، شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن» (5/ 1556)، بتصرف كثير
«قوله: “إنهم ذبحوا شاة” فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما بقي منها” قالت ما بقي منها إلا كتفها قال: “بقي كلها” والاستفهام في الحديث هذا استفهام بمعنى ما تصدقت فهو باق عندك فهو غير فان كما قال الله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ﴾ [النحل: 96]، ا. هـ
قال الحافظ: ومعناه أنهم تصدقوا بها إلا كتفها ا. هـ، وقال: غيره معناه أي بقيت لنا في الآخرة إلا كتفها.» فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب» (5/ 332)
ويؤكد هذا ما جاء عَنِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ قَالَ: ذُبِحَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ شَاةٌ، فَلَمَّا سُلِخَتْ، جَاءَ مِسْكِينٌ يَسْتَطْعِمُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ نَفْسُهُ، فَقَطَعَ لَهُ مِنْهَا عُضْوًا، فَأَطْعَمَهُ، فَذَهَبَ الْمِسْكِينُ، فَدَلَّ آخَرَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَطَعَ لَهُ مِنْهَا عُضْوًا، فَأَطْعَمَهُ، فَتَدَالُّوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُطْعِمُهُمْ حَتَّى أَطْعَمَ الشَّاةَ جَمِيعًا، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا تَرَكْتَ لَنَا بَعْضَ شَاتِنَا نَأْكُلُهُ، فَقَالَ: «كُلُّهَا وَاللَّهِ لَنَا». شرح السنة للبغوي» (6/ 136)
فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعلمُنَا أنَّ ما أنفقناه لله فإنه لا يضيع أبداً، ولا يذهب سدىً فهناك مال أنت تدخره في نفقتك ومتعتك، وهناك مال تخرجه لله وتنفقه ابتغاء مرضاته؛ فالذي أخرجته لله هو هذا الذي يُدخر عند الله سبحانه وتعالى ويبقى، فهذه هي حقيقة الأشياء، فالأشياء لها ظاهر أمامنا نراه، ولها حقيقة أخرى عند الله سبحانه وتعالى، فمال العبد إما أن ينتفع به في الدنيا فينفذ، وإما أن يتركه لوارثه ويغادر الدنيا ولم ينتفع بهذا المال، وفي كل الأحوال هو نفع مؤقت، وأما الذي أخرج لله سبحانه وتعالى فهو الذي يبقى، ويأتي العبد يوم القيامة فيجد هذا المال ثواباً عند الله سبحانه، ويجده مظلة تحميه يوم القيامة من حر الشمس في هذا اليوم العظيم عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ” كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ ” أَوْ قَالَ: “يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ” قَالَ يَزِيدُ: وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لَا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ إِلَّا تَصَدَّقَ فِيهِ بِشَيْءٍ وَلَوْ كَعْكَةً، أَوْ بَصَلَةً، أَوْ كَذَا ” مسند أحمد حديث رقم (17332)، إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير حَرملة بن عمران، فإنه من رجال مسلم، وغير علي بن إسحاق -وهو المرْوَزي- فمن رجال الترمذي، وهو ثقة.، وهو عند ابن المبارك في “الزهد” (645)، وأخرجه من طريقه أبو يعلى (1766)، وابن خزيمة (2431)، وابن حبان (3310)، والحاكم 1/ 416، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
فَالإِنسَانُ العَاقلُ هُوَ مَن يَفهمُ حَقِيقَةَ الأُمُورِ وًيَضَعَهَا في نِصَابِهَا الحَقِيقِي ويَعلمُ أَنَّ الدُّنيا هِيَ الفَانِيةُ والآخرةَ هِيَ البَاقيةُ فَيَعمَلَ للباقيةِ ويتركَ الفانيةَ وأَنَّ مَا يَتَصدَّقُ بِه وما يُنفِقهُ يَكُن لَهُ عِندَ اللهِ تَعالى.
ما يستفاد من الحديث:
1- الترغيبُ في الصَّدقةِ، والنَّظرِ إلى الآخرةِ، وتَقْديمِها على الدُّنيا.
2- إِنَّ مّا َيَتصدَّقُ بِه الإِنسانُ يَبقَى عِندَ اللهِ تَعالى.
3- إِنَّ اللهَ تعالى يُخلِفُ المُتصَدِّقُ ويُعظِمُ لهُ أَجرَهُ.
4- إِنَّ المَفهُومَ الحقيقي للباقي هو ما يتصدقُ بِه الإِنسَانُ.
الثلاثاء الموافق الثالث من شهر رجب المحرم لعام 1447هـ – الموافق 2025/12/23
مجلة روح الاسلام فيض المعارف