انت المؤمن الوحيد….الخديعة الكبرى


بقلم فضيلة الشيخ : يوسف محمد السعداوى

من علماء الأزهر والأوقاف

 

إن قضية الإيمان والكفر ولدت مع خلق الإنسان ونزوله على هذه الأرض
يوم أن تسارع الحق مع الباطل فى حضرة الملكوت الأعلى فنتج عن هذا السراع شيطانا ملعونا وانسانا مبتلى بالشر والخير فتنة

إنها تتغذى على القناعات التى تتربى داخل الإنسان وتنموا معه مع تقدم السن والعمر
وكلما تقدم السن رسخت هذه القناعات لأن تعايش الإنسان معها يدمغها داغل النفوس ويجعل اليقين بها أمر مفروغ منه
(هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن)

إن ما يتربى عليه الإنسان فى شبابه يشيب عليه
خصوصا إذا كان مورثا من موروثات الثقافات أو العادات والتقاليد والأعراف
ومن شب على شئ شاب عليه ومن شاب على شئ ورثه من يربيه ويرعاه
إنها قضية الإرث البغيض والارث الحميد

كانت حجج من سبق إلى عبادة الأوثان فى الرد على حجج العقل والبيان وكشف الزور والبهتان الذى يدعيه القوم حيال النفع والضر من هذه الاصنام (إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون)
(قالوا اجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباءنا)

ومع الدفاع عن الموروث تضيق افاق الخلق عن تلقى النور وتعشوا ابصارهم عنه ويعصبها التعصب الأعمى لما هم عليه وعدم قبول غيره مهما كان من دعى إليه ومهما كانت حجته وبينته
وسمى تعصبا لأنه من عصب العين فتعمى عن النور
إن التعصب الفكرى كعصب العين لتعمى يوقع الإنسان فى شراك الخداع والمخادعين كما يقع الاعمى فى حفر الطريق

فالتعصب مادة خصبة يؤتى منا الإنسان ويخضع راضياً لسلطان مستغلة فيتحكم به كيف يشاء ، والتعصب بنوعيه مقيت ،تعصب للباطل أو بزعم نصرة الدين
لأن التعصب ضد المنطق وضد العقل

فالمنطق والعقل يجزمان بأن الحقيقة نسبية وليست قطعية إلا فيما عليه دليل وبرهان يقبله العقل والمنطق

وإن التعصب لفكر ما باعتباره هو الحقيقة المطلقة ينم عن ضعف التلقى ورجاحة العقل
لأن كل ماهو فكر ليس قطعى الدلالة بخلاف ماهو نص صحيح السند أو من كتاب الله
عندما اعطى الله الإنسان العقل وميزه به اهداه معه ملكات قوية من اهمها ملكة الفطنة التى تذهب بالإنسان الى البحث والدرس حول ما يتلقى أو يعلم ليقف على الحقيقة فيقبل أو يرفض

وهذه الفطنة تمنع من التعصب لأنها تجعل لدى الإنسان الشغف والنهم للفهم والإدراك الذى يعين على القبول أو الرفض والتمسك أو الترك

لذا نجد أن الإسلام حارب التعصب والعصبية وعدها نقيصة لا يتخلق بها إلا ضعاف العقول
وعندما حاور القرآن الكريم عقول الخلق ليطلق لها عنان التحليق فى آفاق البحث والاستدلال على الحقيقة للخروج من دوائر الشك أو التخوف إنما أراد أن يحارب التعصب للمعلوم وترك أو الشك فيما يرفد إلى العقل من فهم مغاير

لأنه لا يريد للإنسان الجمود عند فكر أو موروث بل يريد له الإبداع والتطور الذى يليق
فلو أن الناس تجمدوا بعقولهم عن الابداع عند العصور الأولى لظلوا إلى اليوم يعيشون فى الكهوف

ليس هناك كتاب سماوى نزل من عند الله يخلوا ابدا من مخاطبة العقل بقضايا العلم ،وقد ناسب كل كتاب نزل بخطابه وهو يخاطب الناس زمانهم وخاطبهم على قدر تطور الحياة والافهام

والقضايا وما بين يديهم من مقومات الحياة المادية التى يدركونها
والايات المرئية فى الكون لهم والتى تصلح للاستدلال والنظر

ولا شك أن مع تطور الخلق حياتيا تتطور معهم قضايا الفكر والثقافة والمعلومات وتحتاج حياتهم الفكرية إلى الانفتاح بما يتناسب مع تطور الحياة
فكان تطور الرسالات وخطاب الله للخلق فى كتبه
حتى انقطع الوحى

وهنا تأتى الحاجة
فحتما مع ذلك التطور تبعث قضايا حياتية جديدة يثرى الأفكار والعقول بابداعات جديدة تلون الحياة بمظاهر جديدة تتصادم مع الموروث الثقافي والاجتماعى الاقدم

وهذا ما يجعل القضايا والافكار والمعتقدات تتشابك
وحتما مدد السماء لا يتوقف أبدا فإن انقطع الوحى لا ينقطع المدد
ولابد من مدد يعين على تنظيم ذلك كله حتى لا يتحول إلى صراع ويمزق وئام المجتمع ويجعله يضطرب
وهنا يحدثنا النبى صلى الله عليه وسلم عن حل هذا المأذق والذى هو متكرر مع كل تطور عقلى وفكرى ومعلوماتى وثقافى وحضارى والذى تطرأ معه معضلات عقديه ومعاملاتية واخلاقية
فإذا به صلى الله عليه وسلم يقول (إن الله يبعث لأمتى على رأس كل مائة سنة من يجدد لهم دينهم)
وهذا هو عين المدد بعد انقطاع الوحى

وهنا برهان على أنه لا جمود عند عصر أو تعصب لإرث ثقافى
بألوانه الحياتية والفكرية
ورفض صريح منه صلى الله عليه وسلم لهذا الجمود
لأنه يتنافى مع العقل والمنطق
ومن فضل الله تعالى على أمة الإسلام أن اعطانا اصلين يصلحان لكل زمان ومكان ولا يناقضان العقل والمنطق بل يعجزان الافهام حتى تقتصر الحكمة على عين المقصود بالتجديد وتنكشف له القضايا باعجاز ربانى بما يناسب كل زمان
منوط به التجديد، وما كشف الخضر لموسى ببعيد

هذان الأصلان هما
كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
ربما يظن البعض أن العقل مهمل أمام النص كما توجهت بعض الفرق إلى ذلك وقد اخطأوا خطئا بالغا لأن كشف الاسرار من الحكمة
والحكمة امسك بها الله تعالى ولا يؤتيها إلا من يشاء من عباده

(يؤت الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً وما يتذكر إلا أولوا الألباب)وفقه الدين هو عين إرادة الخير للعباد (من يرد الله به خيرا يفقه فى الدين)

ومثل من يفقه ومن لم يفقه كمثل الأرض الطيبة والأرض السبخة فمن فقه ورزقه الله الفقه أثره طيب وقوله طيب وفعله طيب وخلقه طيب ومن ادعى الفقه ولكنه لم يفقه فعله خبيث وقوله بذئ وخلقه سئ (حتى يميز الله الخبيث من الطيب)

وما كان ذلك ليظل العلم سراج نور وتظل مكانة العالم كالقمر بين سائر الكواكب وفضله على الخلق كفضل القمر على سائر الكواكب
ليظل العلماء رؤوس فى القوم يأخذون بنواصيهم إلى الخير

ولكن للأسف هناك من نازع العلماء فضلهم وظنوا أن عطايهم من الله كعطايا العلماء
فخرجوا على المسلمين بالتبديع والتفسيق بل ورموهم بالكفر

و هذا فهم الاحجار للنار والنور
فالاحجار لا تشعر بحرارة او برودة واستوى لديها النار والنور
لأنهم ادعوا الفضل وعطلوا العقل
فتعطيل العقل نكران لفضل الخالق، فما كان من تكريم الله للإنسان فهو بالعقل ، وما خاطبه بآية أو تكليف إلا لأنه يعقل

فهو سبحانه ما ساق آية او سرد دليلا فى قرآنه أو وجه إلى شئ من ذلك إلا قال (لعلكم تعقلون)(لعلهم يفقهون)(لقوم يعلمون)(إن فى ذلك لآية لأولى الالباب)
فحواره كله مع العقل لأنه آلة الفهم والاستدلال وتحصيل العلم الذى هو النور وفهم مرامى التكاليف الإلهية كيفا وأداءا

واذا كان العالم حادث ، ومتجدد الحوادث، فلا يليق ابدا أن يجمد الإنسان عقله ويتجمد عند القديم ولا يقبل الحادث , وإن فعل فإنه يسير عكس سير الكون

واكبر دليل على أن من يتجمدون ويتعصبون لجمودهم يسيرون عكس سير الكون أنهم لا تقوم لهم قائمة ويندثرون قبل أن يقومون بل ويرفضون ويقوم عليهم الخلق ويقاومونهم
إن قضية الإيمان اعظم من أن تحتكرها عقول دون عقول وافهام دون إفهام
لأنها قضية تتسع باتساع المدارك وتتطور بتطور الإنسان وترقى معه كلما اراد أن يرتقى أخلاقيا وانسانيا ويسعى جاهداً إلى العيش بسلام
إن الإيمان الحقيقى هو مايصنع الأمان لكل إنسان والإسلام الحقيقى هو ما يدفع إلى السلام مع الكون بأثره

أما ما كان من اثرة للنفس وتزكية لها فوق الناس ونبذهم والتعصب والجمود والإدعاء بالباطل فهو ليس إيمان ولا اسلام

وهذا مانولدت عنه فكرة أنا من الفرقة الناجية إذا أنا المؤمن الوحيد