لما حد يسألك عن معنى قول الله تعالى: [كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ] ؟
22 ديسمبر، 2025
العقيدة والصفات

بقلم . د : إبراهيم المرشدي الأزهري
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف والمدرس بجامعة نور مبارك بكازاخستان
لما حد يسألك عن معنى قول الله تعالى: [كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ] ؟؟
كذب المجسمة حين قالوا: نثبت لله وجهًا حقيقيًّا بلا كيف، ولا أدري ما هو الوجه الحقيقي الذي يعتقدون به؟
فإن قالوا: لا نعلمه فقد وقعوا في التناقض، إذ العربي لا يعرف الوجه الحقيقي إلا في الجارحة، ولو قالوا: وجه الله أعلم بحقيقته، لما اختلفنا ولصاروا أشاعرة وماتريدية، لكن يصر المجسمة على إثبات المعنى الحقيقي ثم يدَّعون التنزيه.
قال ابن عثيمين: “وأجمع السلف على إثبات الوجه لله تعالى؛ فيجب إثباته له بدون تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، وهو وجه حقيقي يليق به”[ شرح لمعة الاعتقاد (صـ48)، ط ـ دار الاستقامة.].
ولا أدري من أين أتى بهذا الإجماع؟
وما مصدر نقله له؟
ومَنْ السلف الذين قالوا: وجه حقيقي؟
ألا فليظل التحدي إلى يوم القيامة أن يأتونا بنص واحد عن أحد من السلف قال: وجه حقيقي؟!!!
وينكر علي الشبل في كتابه “التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري” على الحافظ ابن حجر تأويله الوجه بالذات فيقول في عبارة فجة: بل لله وجه حقيقي يليق به سبحانه هو من ذاته.
فانظر لهذا القبح حين يعتقد بوجه هو من الذات حقيقي ثم يقولون لا نعرف كيفيته؟ والله كأنهم لا عقول لهم!
وغاية ما قاله السلف: وجه يليق بجلاله، أو الوجه بمعنى الذات، أو نحو ذلك، فإما أن يذكروا لنا من قال بذلك وإلا فليسكتوا ويمسكوا ألسنتهم عن الكذب والدجل.
فقد ورد تأويل الوجه المضاف إلى الله تعالى في آيات كثيرة، عن جمع من السلف والأئمة، فرُويَ عن الإمام مجاهد بن جبر المكي القرشي- أحد تلاميذ سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما- ومثله عن الضحاك، وأبي عبيدة، في قوله تعالى: {فَثَمَّ وَجْهُ اللّه} [البقرة: 115]، قال: قبلة الله”. [تفسير الطبري (1/402)، الأسماء والصفات (صـ 309)].
وورد نظيره عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى كما حكاه المزني فقال عن قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه} [البقرة: 115]:
يعني- والله أعلم- فثمَّ الوجه الذي وجَّهَكُم الله إليه” (وروى ذلك جمع من العلماء فلما وقع ابن تيمية في مأزق قال: ليست من آيات الصفات ولم يسبقه في دعواه أحد فيما أعلم بل يوردونها كغيرها من آيات الصفات).
وورد التأويل عن الإمام البخاري المتوفى256هـ في صحيحه (باب تفسير سورة القصص) عند قول الله تعالى: [كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ] فقال الإمام البخاري: إلَّا “ملكه”، ويقال: إلَّا ما أريد به وجه الله، وقال مجاهد: الأنباء الحُجَجُ”.
فلما سئل الألباني عن تأويل البخاري للوجه بالملك في «صحيحه» يقول في عبارة غريبة مخزية: “هذا ما يقوله مسلم مؤمن … وهو عين التعطيل” [«موسوعة الألباني في العقيدة» جمع: شادي بن محمد بن سالم آل نعمان (6/326].
فالإمام البخاري يؤول الوجه بالملُك، والألباني لا يقبل تأويله؛ لأنه يخرق عقيدته الفاسدة، ويبطل مذهبه الذي يعتقده، فيقول: “هذا ما يقوله مسلم … وهو عين التعطيل”.
وورد مثله عن شيخ المفسرين ابن جرير الطبري المتوفى 310هـ فقال: “واختلف في معنى قوله: (إِلا وَجْهَهُ) فقال بعضهم: معناه: كلّ شيء هالك إلَّا هو.
وقال آخرون: معنى ذلك: إلَّا ما أريد به وجهه، واستشهدوا لتأويلهم ذلك بقول الشاعر:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيهُ* رَبُّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ(تفسير ابن جرير/ آخر سورة القصص (19/643)..
وقال محيي السنة الإمام البغوي المتوفى 510هـ عند قوله تعالى: [كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ] أي: إلَّا هو، وقيل: إلَّا ملكه، قال أبو العالية: “إلَّا ما أريد به وجهه” (معالم التنزيل (4/364)، ط ـ دار الفكر 1412هـ ـ 1992م).
وعن الإمام القرطبي قال: “والصحيح أن يقال: وجهه وجوده وذاته، يقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب …” (الجامع لأحكام القرآن المجلد التاسع (17/108).
وقال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في الرد على أحد المجسِّمة في إثباته للوجه على حقيقته، وقوله: إن كل شيء سيفنى من الله تعالى إلَّا الوجه، فقال: “وإنما المراد بالوجه هنا غير ما قال، فإن للمفسرين فيه تأويلات، وقصد هذا القائل ما لا يتجه لغة ولا معنى.
وأقرب قول لقصد هذا المسكين: أن يراد به ذو الوجه، كما تقول: فعلت هذا لوجه فلان: أي لفلان، فكان معنى الآية: كل شيء هالك إلَّا هو” (الاعتصام (2/561).).
فسيدنا مجاهد والضحاك والإمام البخاري، والإمام البغوي، والإمام ابن جرير، والإمام القرطبي، والإمام الشاطبي، وغيرهم من أئمة الإسلام معطِّلَة في نظر هؤلاء؛ لأنهم لم يقولوا: وجه حقيقي، ويحكون كلام السلف الذين يقولون: وجهه أي: ملكه، أو ذاته، أو ما أُريد به وجهه، أما عند ابن تيمية والوهابية فإنهم يعدون من تأوَّل الوجه بأنه خارج عن أئمة السنة وخالف هدي السلف، فاللهم طهر الأرض من هذا الفكر الفاسد العفن وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين آمين.
من كتابنا: نظرات في طريقة السلف في فهم آيات وأحاديث الصفات طبع رواق الجامع الأزهر الشريف.