
بقلم الدكتور : محمد أنور الأزهري الشافعي
إمام وخطيب ومدرس بالأوقاف
لم تعد كرة القدم مجرد لعبة داخل المستطيل الأخضر ، فقد أصبحت اليوم ظاهرة اجتماعية واسعة التأثير ، تتجاوز حدود المتعة والمنافسة ، لتتحول في كثير من الأحيان إلى مساحة للتوتر والتشنّج والسلوك غير المنضبط . وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الرياضة وسيلة لتقريب الناس ، بات التعصّب الكروي أحد أبرز أسباب الانقسام المجتمعي ، وشرارة خلافات تمتد من المنازل إلى الشوارع، ومن مواقع التواصل إلى المدرجات.
ظاهرة تتضخم… وشغف يخرج عن السيطرة
ومع ازدياد متابعة البطولات وتنامي تأثير الإعلام الرياضي، تصاعدت موجات التعصّب بصورة لافتة، حيث باتت بعض الجماهير تتعامل مع أنديتها كقضية حياة أو موت ، وتربط الانتماء بالفخر الشخصي، والخسارة بالإهانة، والنقد بالخيانة.
هذا التحوّل الخطير جعلنا نرى مشاهد لا تليق بالرياضة:
سبّ على المنصات ، عنف في المدرجات ، قطيعة بين الأصدقاء، وتحريض يصل أحيانًا إلى حدود الفتنة .
أسباب تحت المجهر
خبراء علم الاجتماع يُرجعون انتشار التعصّب الكروي إلى عدة عوامل، أبرزها:
– الإعلام الموجّه الذي يقدم الإثارة على حساب المسئولية، ويغذّي الخلافات لصنع نسب مشاهدة.
– السوشيال ميديا التي تُضاعف الصوت المتشنج، وتوفر مساحة مفتوحة للتجاوز دون رقيب.
– ضعف الوعي الرياضي لدى فئات واسعة من الجمهور، وعدم إدراك أن كرة القدم لعبة تُكسب وتُخسر.
– البحث عن هوية وانتماء يعوّض به بعض الشباب ما يفتقدونه في الواقع، فيعلّق آماله كلها على فريقه المفضل.
آثار لا يمكن تجاهلها :
التعصّب لا يظل حبيس المدرجات؛ بل ينعكس على النسيج الاجتماعي كله.
وقد رصدت دراسات عدة آثارًا مباشرة للتعصّب، منها:
– توتر العلاقات داخل الأسرة والعمل.
– انتشار العداء بين جماهير الأندية.
– تحويل النقاش الرياضي إلى ساحة للتجريح والإهانة.
– انصراف الشباب عن القضايا الأهم التي تستحق وعيهم وجهدهم .
الرياضة أخلاق قبل أن تكون منافسة
وسط هذا المشهد، تبرز الحاجة إلى إعادة التذكير بمعنى الروح الرياضية، وهي القيمة التي تأسست عليها الرياضة منذ بداياتها. فاللعبة تُربح وتُخسر، والحَكَم قد يخطئ، واللاعب قد يتعثر، لكن الأخلاق لا ينبغي أن تهتز.
والتشجيع السليم لا يقوم على الهجوم، بل على الاحترام؛ ولا على السباب، بل على الإبداع في دعم النادي دون المساس بالآخرين.
لوقف زحف التعصّب الكروي، ينبغي أن تتكاتف أطراف عدة:
الإعلام بإعادة ضبط خطابه، ونزع فتيل الفتنة بدل إشعاله.
المدارس والجامعات بتعليم الطلاب معنى المنافسة الشريفة.
الأندية والاتحادات بتطبيق عقوبات صارمة على التجاوزات.
الأسر بتربية الأبناء على الاتزان وعدم تضخيم قيمة الفوز أو الخسارة.
كرة القدم ستظل اللعبة الشعبية الأولى، وستبقى مصدرًا للفرح والإثارة والتجمع الجميل حول حدث رياضي. لكنّها لن تعود كذلك إلا إذا أعدناها إلى إطارها الطبيعي: لعبة تُمتّع ولا تفرّق، تُقرّب ولا تبعد، تُهذّب ولا تُفسد.
فالتعصّب ليس دليل حب للنادي، بل دليل غياب للوعي.
وحين نتعلم أن نتنافس دون أن نتعصّب، سنربح جميعًا، حتى لو خسر فريقنا المباراة.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف