فضائل المدينة المنورة


المقال الثانى من سلسلة (هجرة النبى)

بقلم  الشيخ/ احمد عزت حسن
الباحث فى الشئون الاسلامية

 

وهَا هِيَ المَدِيْنَةُ قَدْ طَابَتْ بِمَقْدِمِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَمَّاهَا اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى طَابَه؛ فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ”. قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ : هَذَا فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَسْمِيَتِهَا (طَابَةَ) وَلَيْسَ فِيهِ (أَنَّهَا لَا تُسَمَّى بِغَيْرِهِ)، فَقَدْ سَمَّاهَا اللهُ تَعَالَى (الْمَدِينَةَ) فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَسَمَّاهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (طَيْبَةَ).

وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي قِصَّةِ حَدِيْثِ الجَسَّاسَةِ (الدَّجَال) وَفِي آخِرِهِ قَالَ: أَيْ الدَّجَالُ: “… وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي، إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الأَرْضِ فَلاَ أَدَعَ قَرْيَةً إِلاَّ هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً -أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا- اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلاَئِكَةً يَحْرُسُونَهَا.

قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ: “هَذِهِ طَيْبَةُ هَذِهِ طَيْبَةُ هَذِهِ طَيْبَةُ”.

وللمدينة المنورة فضائل جمَّة تمتاز بها عن غيرها من البقاع والاقطار ومن هذه الفضائل أنها :

 أولاً : دار الهجرة :

كانت (يثرب) قبل الهجرة النبوية في حياة جاهلية رعناء، مليئة بالحروب والصراعات بين الأوس والخزرج، ويعيش بها وعلى أطراف منها بعض قبائل اليهود، الذين كانت لهم السيطرة الاقتصادية، بما فيها من ظلم وربا بشتى ضروبه يقصم ظهور الفقراء، الذين كانوا أذلة ضعافا، وتحيا الأكثرية في أعمالهم المتوارثة، والتي ثبتت واستقرت مع الأيام، وليست لهم نشاطات دينية تهذب سلوكياتهم، أو تحد من سطواتهم، التي لم يكن لها رادع في ظلال القوة الغاشمة، التي كانت دائما للغالب المنتصر، باستثناء بعض الجماعات التي كانت تفد كل عام للحج والمشاركة في الأسواق القريبة من مكة المكرمة.

 وكانت هموم السفر ونبل المقصد والبعد عن الديار، والرغبة في الخلاص كانت عوامل داعمة للتعرف على الدين الجديد، الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، فتكررت اللقاءات به، ومعه بعض أصحابه على مشارف مكة من رجالات الأوس والخزرج مجتمعين، إلى أن حدثت الهجرة النبوية، وسارت سيرًا متناميًا ممن هاجر قبل الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعده، حسب طبيعة الأحوال لكل مهاجر، والأهداف في مجموعها ذات غاية سامية، وهي عبادة الله تعالى، ونشر الدعوة الإسلامية في أمن وسلام.

فقد هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة تاركين وراءهم بيوتهم وأموالهم مضحين بكل ذلك في سبيل الله، ولم يكن معهم ما يبدؤون به حياة جديدة، وكانوا أهل تجارة والمدينة أهل زراعة ولا خبرة لهم بها، فماذا يفعلون في حياتهم الجديدة؟

  • وأين سيعيشون؟

  • وماذا يعملون؟

  • كيف سيتعايشون مع اليهود وغيرهم؟

  • وماذا لو حاولت قريش مطاردتهم مرة أخرى أو أثارت عليهم العرب؟

كل هذه أسئلة ومشكلات وغيرها كانت تراود البعض، وتطل برأسها، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم عمل على حلها.

فتعالوا معًا أيها الأحباب نعيش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة المنورة التي استنارت بنور الوحي، وشرفت بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها  ونرى كيف عمل النبي صلى الله عليه وسلم على بناء الدولة الإسلامية الجديدة التي سيعيشون فيها؟، وكيف سيجمع أطياف المجتمع المدني كلها تحت رايته؟ وكيف سيعمل على تأقلم المهاجرين مع الوضع الجديد؟

فبعد أن استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة بعدما هاجر إليها المسلمون من مكة ومن الجزيرة العربية، وأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم أمام حال يختلف تمامًا عن الحال في مكة!

وجد النبي صلى الله عليه وسلم أمامه مجتمعًا يسلم أمره إليه، مع اختلاف عناصره، وتنوع مذاهبه واتجاهاته، وتباين طبقاته المادية والثقافية.

وجد النبي صلى الله عليه وسلم أمامه المهاجرين بعدما تركوا ديارهم وأموالهم وأهاليهم، وجاءوا بإيمانهم وثقتهم في الله فقط، ولم يكن عندهم تصور معين يعيشون فيه، أو عمل يتوقعونه، إنما جاءوا بفقرهم يرجون فضل الله ورحمته، ويعبدون أنفسهم لله تعالى، وينصرون دعوته بصدق وإخلاص فهم كما قال الله عنهم: “أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ” الحشر: ٨ .

ومع المهاجرين كان الأنصار وهم من آمن بالإسلام، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأغلبهم من الأوس والخزرج، وهؤلاء لم يخرجوا من ديارهم، وعاشوا مع أموالهم وأقربائهم وأعمالهم التي تعودوا عليها، وكل ما جد عليهم أنهم جعلوا الإيمان في قلوبهم يقينًا صادقًا، وأحبوا به كل مؤمن وبخاصة من هاجر إليهم، ورحبوا بهم، وأنزلوهم منزلة الروح والعقل، وتنازلوا عن كل خصيصة لهم وفيهم نزل قوله تعالى: “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” الحشر: ٩.

 ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين اليهود بقبائلهم، وقد تفرقوا، وسكنوا ظاهرًا، وأسلموا أمورهم مؤقتًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ بسبب شعروهم بالضعف والخوف، ومعهم كان المشركون الذين سلكوا مسلك اليهود، فاستسلموا ظاهرًا مع امتلاء قلوبهم بالحقد والحسد.

ثم ظهرت فئة جديدة في المجتمع المدني لم تكن موجودة قبل، أعلنوا إسلامهم ظاهرًا وأعتقدوا الكفر باطنًا، وهؤلاء أصبحوا يُعرفون بالمنافقين، فتذبذبوا بين هؤلاء وهؤلاء، وقد أخفوا الكراهية للإسلام، والمسلمين.

أمام هذا الوضع الجديد كان من الضروري تنظيم العلاقات بين سكان المدينة لتتكون منهم لأول مرة في تاريخ المدينة دولة تملك الأرض والشعب والقيادة الواحدة والتعاليم الواحدة التي تحكم الأفراد جميعًا. إن سكان المدينة هم الشعب، ومعهم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قائد الناس، يتلقى وحي الله، ويعلمه للناس، ويشكل به الحياة علمًا وفهمًا وسلوكًا، ويظهر الإسلام للعالم عقيدة وشريعة وخلقًا.

وابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم بتنظيم الحياة الاجتماعية بين الناس على أساس تحديد الحقوق والواجبات للجميع.