مقامات السلوك إلى حضرة ملك الملوك ( الزهد)

بقلم الدكتور محمد رجب أبو تليح عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف 

سلسلة مقامات السلوك إلى حضرة ملك الملوك المقال الرابع 

الزُّهد له مفاهيم عديدة عند أقطاب الصوفية’ ومنها:

قَالَ الْجُنَيْد: الزُّهْد خلو الأَيْدِي من الْأَمْلَاك والقلوب من التتبع.

قَالَ سيدنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهُ وسُئِلَ عَنِ الزُّهْدِ مَا كَانَ فَقَالَ: هُوَ أَنْ لَا تُبَالِيَ مَنْ أَكَلَ الدُّنْيَا مِنْ مُؤْمِنٍ أَوْ كَافِرٍ.

وَسُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنِ الزُّهْدِ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ! أَيُّ مِقْدَارٍ لِأَقَلَّ مِنْ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ حَتَّى يُزْهَدَ فِيهَا؟.

“قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ: كَمْ تَصُولُ بِتَرْكِ كَنِيفٍ، وَإِلَى مَتَى تَصُولُ بِإِعْرَاضِكَ عَمَّا لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ؟

“وَسُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنِ الزُّهْدِ فَقَالَ: لَا زُهْدَ فِي الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُزْهَدَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِزُهْدٍ، أَوْ يُزْهَدَ فِيمَا هُوَ لَهُ، فَكَيْفَ يُزْهَدُ فِيهِ وَهُوَ مَعَهُ وَعِنْدَهُ؟ فَلَيْسَ إِلَّا ظَلْفَ النَّفْسِ وَبَذْلٌ وَمُوَاسَاة. كَأَنَّهُ جَعَلَ الزُّهْدَ تَرْكَ الشَّيْءِ فِيمَا لَيْسَ لَهُ، وَمَا لَيْسَ لَهُ لَا يَصِحُّ لَهُ تَرْكُهُ لِأَنَّهُ مَتْرُوكٌ، وَمَا هُوَ لَهُ لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ.

إن هذه التعريفات، وإن اختلفت ظاهريًّا، فإنها تلتقي جميعًا في جوهرٍ واحد وهو رفض التعلُّق بالدنيا، والحثّ على الزهد المعنوي لا الماد

وقد أمر الله تعالى بالزهد في الدنيا كوسيلة لبلوغ ما عند الله، فقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (سورة آل عمران: 185).

وأوضح أن التعلُّق بالدنيا يُضعف الإيمان، فقال:

﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ (سورة الأعلى: 16–17)

إن الزهد ليس في ترك المال وحده، بل في ترك التعلُّق به.

وقال ﷺ أيضًا: «الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ، وَلَا إِتْلَافِ الْمَالِ، وَلَكِنَّ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا أَنْ تَكُونَ فِي أَمْرِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْكَ فِي مَالِكَ». (رواه ابن المبارك في الزهد)

ويتضح من هذا أن الزهد عند النبي ﷺ هو انخلاع القلب عن الدنيا، لا انخلاع اليد عن المال فحسب، وهو تمامًا ما عبر عنه الجنيد بـ”خلو القلوب من التتبع”.

رابعًا: الزهد بين التصوف والفقه: تكامل المفاهيم:

إن ما ذهب إليه الشبلي حين قال: “لَا زُهْدَ فِي الْحَقِيقَةِ”، لا ينفي الزهد، بل يُعيد تعريفه تجريدًا وجوديًّا، إذ لا يُعقل زهد في ما ليس مِلكًا، ولا يُعقل ترك ما هو موجود مع الإنسان. وهذا تأمُّلٌ ميتافيزيقي يلتقي مع قول الإمام الغزالي: “الزهد ترك ما يشغل عن الله، لا ترك الدنيا ذاتها”.

وإذا تأمّلنا قول علي بن أبي طالب: ” لَا تُبَالِيَ مَنْ أَكَلَ الدُّنْيَا”، نلحظ أنه يُشير إلى زهدٍ في القلب لا في اليد، وهو ما يُسَمِّيه الفقهاء بالزهد “الروحي” أو “القلبي”، ويُقرّه القرآن في قوله:﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾(سورة طه: 131)

وفي الختام نقول: الزهد طريقٌ إلى التوحيد الحقيقي 

من خلال هذه الأقوال الصوفية الموثوقة، وتجلّياتها القرآنية والنبوية، يتضح أن الزهد في الإسلام ليس رهبانيةً ولا عزلةً، بل هو تخلٍّ معنوي يُهيّئ القلب للاتصال بالحق جلّ وعلا. ولهذا قال ﷺ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». (رواه البخاري)*