فضل أئمة الصوفية على الأمة الإسلامية
3 ديسمبر، 2025
جهاد الصوفية

بقلم الدكتور : طه عبد الحافظ أحمد الوزيري
دكتوراة فى الدعوة والثقافة الإسلامية – جامعة الأزهر الشريف
مما لا يعرفه كثير من الناس أن التتار لم يتم القضاء عليهم في عين جالوت، بل كانت نيتهم بعدها استئصال المسلمين من بلاد الشام ومصر ، لولا أن فتح الله قلوب بعض أمرائهم للإسلام وقاتلوا وجاهدوا وكفى الله بهم المسلمين المذابح والدماء التي كانت ستسفك.
لقد تأسست الممالك الإسلامية التترية على أيدي شيوخ التصوف، وهذا أمر لا يستطيع أحد إنكاره، فإن بركة خان القائد المغولي الذي من نسل (جنكيز خان) أسلم على يد شيوخ التصوف.
يقول ابن خلدون: “وبعث معهم أخاه بركة بن طولي في مائة ألف من العساكر ليجلسه على التخت فلما عاد من بخارى لقي الشيخ شمس الدين الباخوري من أصحاب نجم الدين كبير الصوفية فأسلم على يده وتأكدت صحبته ومعه وحرضه على التمسك بطاعة الخليفة ومكاتبته المعتصم ومبايعته ومهاداته وتردّدت الرسل بينه وبين المعتصم وتأكدت الموالاة”.
(انظر: تاريخ ابن خلدون ج5 ص597).
وكان بركة خان محافظا على الأذكار والأوراد التي أخذها عن شيخه الصوفي، يقول الإمام الذهبي: “وَأَسْلَمَ جَمَاعَة مِنْ أُمَرَائِهِ، وَأَخَذَ الشَّيْخ عَلَيْهِم العَهْد، وَكَتَبَ لَهُ الأَوْرَاد وَالدّعوَات، وَأَمره بِالرُّجُوْع، فَلَمْ تَطب نَفْسه، فَقَالَ: إِنَّك قَصَدْتَنَا وَمعكَ خلقٌ كَثِيْرٌ، وَمَا يُعْجِبنِي أَنْ تَأْمرهُم بِالانْصِرَافِ، لأَنِّي أَشتهِي أَنْ تَكُوْنَ فِي سُلْطَانكِ”.
(سير أعلام النبلاء ج23 ص366. وانظر ترجمة شيخه الماتعة الذي جدد قبة قبر الإمام البخاري، في (سير أعلام النبلاء) ج23 ص363: 370).
ومما يؤسف له أن بركة خان من القادة العباد الذين يجهل تاريخهم كثير من أبناء هذه الأمة!
ومن بركات الصوفية ونفحاتهم أنهم استطاعوا بفضل الله –سبحانه- أن يفتحوا قلب (تكودار) للإسلام وتسمى بأحمد، وكان سلطانا عظيما، وتكودار هذا هو: ابن هولاكو الطاغية السفاح.
أسلم وحسن إسلامه على يد الشيخ الصوفي/ قطب الدين عبد الرحمن.
وكان تكودار بن هولاكو يقوم بواجب المريد تجاه شيخه، وكان شيخه عبد الرحمن الصوفي يرشده إلى كل خير، يقول أبو الفتح اليونيني: “وحصل له من المكانة عنده ما يقصر عنه الوصف بحيث كان الملك يحضر إلى زيارته، وإذا شاهده من بعد ترجل، فإذا وصل إليه قبل يده، وقعد بين يديه، وامتثل جميع ما يشير به، وكان معظم ما يصدر من الملك أحمد من الأفعال الجميلة، والمبالغة في الميل إلى المسلمين بطريقه، وأشار إليه أن يتفق مع الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله، ويجتمع كلمتهم، فندبه لذلك، وسير في خدمته جماعة كثيرة من المغل والأعيان من أهل الموصل، وماردين وغيرهما، من صدور تلك البلاد..”.
(ذيل مرآة الزمان ج4 ص215).
ويقول: “أحمد بن هولاكو بن قاآن بن جنكيز خان ملك التتار.
كان ملكاً شهماً خبيراً بأمور الرعايا، سالكاً أحسن المسالك، متبعاً دين الاسلام، لا يصدر عنه إلا ما يوافق الشريعة النبوية صلوات الله وسلامه على صاحبها وانقياده إليها، واعتماده عليها في جميع حركاته بطريق الشيخ عبد الرحمن فإنه كان قد أقبل عليه، وانقاد إليه، وامتثل ما يأمره به، فكان يأمره بمصالحة المسلمين والدخول في طاعتهم، والعمل على مراضيهم، وأن يكونوا كلهم شيء واحدا، ولم يزل به على ذلك إلى أن أجاب إلى مصالحة الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله فكتب على يد الشيخ عبد الرحمن كتباً بديعة دالة على دخوله في الاسلام، واتباعه أوامر الله تعالى في الحلال والحرام..” (ذيل مرآة الزمان ج4 ص211، 212).
وأقر المسلمون وغيرهم أنه بإسلام تكودار تفرغ السلطان العظيم للجهاد ضد الصليبيين، لأن السلطان أحمد بن هولاكو كفاه هجمات المغول.
جاء فى موجز دائرة المعارف: “وتوفي أباقا في العام التالى، وقام خليفته “تكودار أحمد” الذى اعتنق الإسلام، بتحسين العلاقات بينه وبين السلطان. عندئذ أصبح قلاوون متفرغا لمتابعة (الجهاد) ضد الإمارات الفرنجية” (موجز دائرة المعارف الإسلامية ج1 ص٩٦٤٨).
إنني أحزن حزنا شديدا حين أقرأ هذا التاريخ الناصع للتصوف وأرى كثيرا ممن ينتسبون للتصوف يجهلون ذلك، بل ويبغّضون عباد الله في التصوف وأهله.
ونحن في انتظار صحوة صوفية تصنع المستقبل بأمجاد الأجداد.