فُجر لا يُسكتُ عنه
30 نوفمبر، 2025
قضايا وأحكام

بقلم : د. محمد محمد هيكل
إستشاري التخطيط الإستراتيجي
لتقييم وتطوير الفكر والعلاقات الإنسانية
من اغتصاب طفل إلى اغتصاب أطفال، إلى دهس طفلة بريئة تحت عجلات سيارة إحدى الأمهات التي لا تعرف عن الأمومة سوى اسمها، وغيرها من بشاعة الإجرام… الآن أستطيع أن أقول بملء فيّ: لقد خرجنا من مسمّى الجريمة إلى مسمّى الفُجر. لم يعد لدينا مجرمون، بل أصبح لدينا فاجرون، وكأنهم لم يجدوا أمامهم سوى الأطفال الأبرياء لينفذوا فيهم طقوسهم البربرية التي تحمل كل معاني الحدة والقسوة.
بأي ذنب تُسلب براءة هؤلاء الأطفال؟
بأي حق تنتهي حياتهم قبل أن تبدأ؟
ما هو حجم الألم الذي يتحمله طفل قد لا تتعدى سنواته الخمس حين يُجرُّ إلى مكانٍ يخيف الكبار لا الأطفال، ليرى أناسًا قد وثق فيهم ليجدهم فجأة قد تحولوا إلى ذئاب بشرية وأرغموه على سرقة كل شيء منه؛ براءته وطفولته وأمانه وتطلعه للحياة. والأشد والأبشع هو إرغامه على ألا يتحدث لوالديه. كيف تحمل هؤلاء الأطفال هذا الحمل الثقيل بصدورهم الصغيرة؟ كيف استطاعوا معايشة ذلك الواقع المرير لعام كامل وربما أكثر؟ كم بلغت قوة الصدمة التي انفجرت في وجوه آبائهم وأمهاتهم حين علموا بذلك؟
إن هؤلاء الفَجَرة يسعون في الأرض فسادًا، يقتلون أجمل ما فيها ويقضون على من يرحمنا الله لأجلهم… أحباب الله.
يقول تعالى في كتابه العزيز:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[المائدة: 33]
وهذا ما يجب فعله معهم حتى يعود لنفسه ويتراجع عن جرمه كل من تسوّل له نفسه أو يوسوس له شيطانه بالتفكير بمثل هذه الأفعال الشنيعة التي تحرق قلوب المجتمع وتقوّض أمنه وأمانه.
هؤلاء لا يجب التهاون معهم أو تأخير الحكم عليهم، حفاظًا على حقوق ضعفاء استودعنا الله إياهم وهو على حفظهم لقدير، ولا يجب علينا إلا تأدية الأمانة والحفاظ عليها.
وكما أمرنا ربنا عز وجل بالقصاص كما جاء في كتابه العزيز:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[البقرة: 179]
وكما قلتُ قبل ذلك، فقد أصبح لزامًا علينا وعلى جميع المسؤولين والمختصين والباحثين ضرورة تحليل هذه الجرائم والوصول إلى أسبابها ودوافعها الاجتماعية والنفسية وما أدى إليها، ومواجهة أنفسنا بذلك، بل والعمل على منع كل أسبابها وجميع دوافعها حتى لا تتكرر، وحتى لا تُصيبنا لعنة السكوت عن فُحشٍ وجرمٍ يُغضب الله عز وجل.
وإنني أبرأ بنفسي أمام الله من أعمال لا يرضاها الخلق ولا الخالق، وسأظل أدافع عن هؤلاء الأبرياء أمام هؤلاء الفجرة ما استطعت، وسأظهر ما يتراءى أمامي من مسببات لمثل هذه الأفعال، لعل هناك من يتّعظ.