بحث بعنوان ( العقول المحمديه عمق لا سطحيه ) للشيخ رضا الصعيدي


بحث بعنوان ( العقول المحمديه عمق لا سطحيه )
للشيخ رضا الصعيدي

العناصر :

ما هي مكانة أهل العقول عند الله ؟
وكيف خاطبهم القرآن الكريم؟
وما دور الشريعة في  تعزيز الفكر الإيجابي  ونشر التفاؤل ؟
وما ثمرات العقل المستنير؟
وما هي المعينات على الفكر وصناعة العقل؟
مع ذكر نماذج من حياة السلف الصالح؟
وما الواجب علينا؟

بيان نعمة من نعم الله :

العقل نعمة عظيمة من نعم الله تعالى أنعم بها على الإنسان، إذ من خلاله يتعرّف الإنسان على أسرار خلق الله تعالى وعظيم صنعه، وبه يتوصّل إلى تصديق الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله تعالى لهدايته وسعادته، وذلك أنّ الإنسان لا يستطيع أن يهتدي إلا بالشرع، والشرع لا يتبيّن إلا بالعقل، فالعقل كالأساس والشرع كالبناء، أو الشرع كالشمس والعقل كالعين، فإذا فتحت رأت الشمس، وإلا فلا..ولقد مدح الله أهل العقل بقوله : {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} (العنكبوت: 43)، {أُولُو الْأَلْبَابِ} (البقرة: 269)، وأُولُو النُّهَى، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَى} (طه: 54).

قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، فهذا مثلٌ بليغ يبيِّن الفارق الهائل بين الإنسان الذي عُطِّلت قواه، فلا ينتفع بعقله ولا بلسانه، يعيش عالةً على غيره، لا يرجى منه خيرٌ ولا يُنتظر منه نفعٌ؛ وبين إنسانٍ آخر يُفيض عدلًا، ويهدي إلى الصراط المستقيم قولًا وعملًا، فهو مصدر صلاحٍ لنفسه ولغيره.

من هو العاقل؟

العاقل هو الذي يحبس نفسه ويرُدُّها عن هواها، وسُمي العقلُ عقلًا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، أي يحبسه، وقيل: العقلُ هو التمييز الذي به يتميز الإنسان من سائر الحيوان ، والعاقل من اتَّعظَ بِغَيِره، والأَحْمَق أَو الجَاهِل من اتَّعظَ به غيره، والعاقل من يكون حاضر العقل والقلب، فلا طيش ولا ضلال..قال الأصفهاني: “وأصل العقل: الإمساك والاستمساك، كعقل البعير بالعقال، وعقل الدواء البطنَ، وعقلت المرأة شعرها، وعقل لسانه: كفّه، ومنه قيل للحصن: مَعْقل. 

دور العقل في بناء الانسان أو هلاكه :

قال الشيخ السعدي: اعلم أن حياتك تبع لأفكارك، فإن كانت أفكارا فيما يعود عليك نفعه في دين أو دنيا فحياتك طيبة سعيدة، وإلا فالأمر بالعكس – الوسائل المفيدة للحياة السعيدة (ص: 30). 

العقل محل الاعتبار أو الهلاك :

وقد جعَلَ الله إعمالَ العقل وحُسنَ استخدامِه بيدِ الإنسان، فمن شاءَ فليتقدَّم، ومن شاءَ فليتأخَّر، ولا يكون إعمالُ العقل إلا في التفكيرِ والتذكُّر، والاعتِبارِ والتدبُّر، والنظرِ والتبصُّر، والعلمِ والفقهِ، وكلُّ ذلك جاء الأمرُ به في كتابِ الله – عزَّ وجل – فيه آيات كثيرة، كقوله – عزَّ شأنه -: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} (الأنفال: 21).

وأكد على أنّ تعطيل العقل مفضٍ بصاحبه إلى النار، قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك: 10)، وقالَ تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (ق: 37).

مدح الله الوعي وذم الغفلة :

وقد مدح الله كل أذن خير تعي وتسمع وتطبق كلام الله تعالى فقال: { وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ } .” أي: وتفهم هذه النعمة، وتذكرها أذن واعية…  قال ابن عباس: حافظة سامعة . وقال قتادة: عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله، وقال الضحاك: سمعتها أذن ووعت. أي: من له سمع صحيح وعقل رجيح. وهذا عام فيمن فهم ووعى “. (تفسير ابن كثير).

وفي مقابل ذلك ذم الله كل العيون والآذان والقلوب التي غفلت عن الحق ولم تعيه ؛ فقد جعل القرآن كل من عميت بصائرهم وقلوبهم عن الوعي والفقه كالأنعام بل أضل؛ فقال تعالى: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ  }(الأعراف: 179) .

العقل طريق الى الجنة كما قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: “لقد سبق إلى جنات عدنِ أقوامٌ ما كِانوا بأكثر الناس صلاةَ، ولا صيامًا، ولا حجًّا، ولا اعتمارًا، لكنهم عقلوا عن الله مواعظه”.

قال بعضُ الحكماءِ:

(خلقَ اللهُ الملائكةَ من عقلٍ بلا شهوةٍ وخلقَ البهائمَ من شهوةٍ بلا عقلٍ وخلقَ ابنَ آدمَ من كليهمَا فمَن غلبَ عقلُه على شهوتِه فهو خيرٌ من الملائكةِ ومن غلبتْ شهوتُه على عقلِه فهو شرٌ من البهائمِ).

كيف كرم الله  العقل ؟

العقلَ في الإسلام هو مَناطُ التكليف:

لقد كرم الإسلام العقل ورفع العقلاء، بل جعل الله العقل شرطاً من شروط التكليف، فمن لا عقل له (كالمعتوه والمجنون) فلا تكليف عليه، لأن الله إذا أخذ ما وهب أسقط ما وجب (رفع القلم عن ثلاث: … وعن المجنون حتى يفيق، فقلم التكليف – كما هو معلوم – مرفوع عن المجنون حتى يعقل، لأنّ العقل هو مناط التكليف،،  والعقل هو القادر على تفهّم الوحي الإلهي وتدبّره والتفكر فيه، وهو الذي يبحث عن مراد الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه .

جاء في زاد الخطباء أن  الله تعالى قال : ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]، ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُون﴾ [الأنفال: ٢٢]، ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].

وقد أحسن الأستاذ العقاد رحمه الله حين قال: “القرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به، والرجوع إليه ” [التفكير فريضة إسلامية لعباس العقاد].

دعا الى التفكر وجعله عبادة :

فهذا ابنُ عباسٍ – رضي الله عنهما – يقول: “ركعتَان مُقتصِدَتان في تفكُّر خيرٌ مِن قِيامِ ليلةٍ والقلبُ ساهِي”. ..و لقد أمَرَنا الله – عزَّ وجل – في مواضِعَ كثيرةٍ مِن كتابِه بالنظر والتفكر عن طريق التأمل والتدبر وملاحظة وجه الكمال والجمال ومشاهدة الدقة وحسن التنظيم والسنن الكونية نادِبًا إلى الاعتِبار بها، ومُثرِّبًا على الغافِلِين عنها، فقال في سُورة يُونس: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101]، وفي سُورة الأعراف: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 185].

ولما سُئِلَت الصحابيَّةُ الجليلةُ أمُّ الدَّرداء – رضي الله عنها وأرضاها -: ما كان أفضلُ عبادةِ أبي الدَّرداء؟ قالت: “التفكُّر والاعتِبار”.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: رَكْعَتَانِ مُقْتَصِدَتَانِ فِي تَفَكُّرٍ، خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ وَالْقَلْبُ سَاهٍ.

وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ….وَعَنْ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّهُ قَالَ: طُوبَى لِمَنْ كَانَ قِيلُهُ تَذَكُّرًا، وَصَمْتُهُ تَفَكُّرًا، وَنَظَرُهُ عِبَرًا.

دعا الإسلام العقل إلى اتباع البرهان:

وأمر بنبذ الجهل والهوى والكبر والتعصب والتقليد الأعمى والجدل بالباطل والخرافات والأوهام والسحر والشعوذة والدجل؛ لأن هذه الآفات كلها تعطل العقل عن وظيفته.

دعا إلى تنمية العقول بالحث على التعلم والاستزادة منه:

قال -سبحانه-: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)[المجادلة: 11]، وقال -تعالى-: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)]طه:114].

حذر من كل ما يؤدي إلى اضرار العقل:

فحرم شرب الخمر قال تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) [المائدة: 90] ، وحرم كل مسكر ((كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)) ([1])

أكد على دور العقل في الاجتهاد :

ومن السنةِ ما روي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: ‏”‏ كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ ‏”‏ ‏.‏ قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ ‏.‏ قَالَ ‏”‏ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ‏”‏ ‏.‏ قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏.‏ قَالَ ‏”‏ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ‏”‏ ‏.‏ قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو ‏.‏ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَدْرَهُ وَقَالَ ‏”‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ ‏”‏ ‏.‏ ([2]).

وقال تعالى : {… وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا }. (النساء: 82 , 83).

ثمرات التفكر :

الاهتداء الى  الوحدانية :

قال تعالى: “لوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا”(الانبياء/22). وقوله: “وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ”(المؤمنون/91). 

وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع! ! فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.

فَوَاعَجَبًا كَيْفَ يَعْصِي الإِلَهَ *** أمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجاحِدُ؟!

وَللهِ فِي كُلِّ تَحْرِيكَةٍ *** وَفِي كُلِّ تَسْكِينَةٍ شَاهِدُ

وَفِي كُلِّ شِيءٍ لَهُ آيَةٌ *** تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ

الاعتبار بمصائر الأمم :

عن جبير بن نفير قال: لما فتحت قبرص فُرِّق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء .. ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟!فقال:  ويحك يا جبير!، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا الى ما ترى !!!

فمن تأمل وجد أن التاريخ مملوء بحوادث تقلبت فيها أحوال أفراد ودول وأمم، فعز فيها من كانوا أذلة، وذل فيها من كانوا أعزة، وسادت دول ثم بادت؛ ليخلفها في السيادة غيرها…. ورأينا ذلك رأي العين في أفراد افتقروا بعد الغنى، وآخرون اغتنوا بعد الفقر، ورأينا دولا ارتفعت ثم سقطت؛ ليخلفها غيرها .. قال تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر 2)

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 6 – 14].

معرفة آيات الله في الأرض والانفس :

قال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ”(الذاريات/20-21)، وقال الله ممتنا على عباده بهذه النعم:  وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  النحل/78 .

لِلَّهِ فِي الآفَاقِ آيَاتٌ لَعَـ           ـلَّ أَقَلَّهَا هُوَ مَا إِلَيْهِ هَدَاكَا

وَلَعَلَّ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ آيَاتِهِ عَجَبٌ عُجَابٌ لَوْ تَرَى عَيْنَاكَا

وَالْكَوْنُ مَشْحُونٌ بِأَسْرَارٍ إِذَا    حَاوَلْتَ تَفْسِيرًا لَهَا أَعْيَاكَا

معرفة آيات الله في خلق السموات :

فمن تفكر في خلق السماوات أظهر له جليا بناء بغير عمد ترونها…..وزيناها للناظرين……ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور..

إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) …

وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65)( يعمى ان زالتا ما امسكهما من أحد  من بعده ) …والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون..( فمن أنت بالنسبة لسعة السماء الأولى التي لا تساوي شيئا في الثانيه …..).

معرفة أن العقل جمال المرء:

وقال الشاعر : لَيْسَ الجَمَالُ بِأَثْوَابٍ تُزَيِّنُنَا  إِنَّ الجَمَالَ جَمَالُ العَقْلِ وَالأَدَبِ

قيل لابن المبارك: ما خير ما أُعطي الرجل؟ قال: غريزة عقل، قيل: فإن لَم يكن؟ قال: أدب حسن، قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخ صالح يستشيره، قيل: فإن لم يكن؟ قال: صمت طويل، قيل: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجِل-  “روضة العقلاء”، ص 17.

المعينات على الفكر وصناعة العقل :

1-الخلوة :

فالخلوة أدعى للتفكر والتأمل والتذكر، قال ابن تيمية: لابد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه.

2- ترديد الآيات وتكرارها:

 قال الغزالي: لا يوجد أنفع من قراءة القرآن بالتفكر فإنه جامع لجميع المقامات والأحوال وفيه شفاء للعالمين.

3- التفكر في الكون والاقتداء بالانبياء :

لقد كانت عبادة التفكر دأب النبي صلى الله عليه وسلم منذ تحنثه وهو شاب في غار حراء , وظل ذلك ديدنه حتى لحق بالرفيق الأعلى ، فعن عائشة – رضي الله عنها وأرضاها – قالت في حديثِ بدء الوحي: “ثُمَّ حُبِّبَ إليه الخلاءُ، وكان يخلُو بغار حِراء فيتحنَّثُ فيه – وهو التعبُّدُ – الليالِي ذواتِ العدَد قبل أن ينزِعَ إلى أهلِه ويتزوَّدُ لذلك، ثم يرجِعُ إلى خديجة فيتزوَّدُ لمثلِها”؛ رواه البخاري ومسلم.

مع ابراهيم :

وكذلك كان إبراهيم مفكرا متأملا : {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } [الأنعام: 75].. ولذا لما وقف أمام النمرود كان معه الحجة القوية : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)}.

نماذج للعقل المستنير  ممن أناروا  الدنيا :

هناكَ علماءُ باحثونَ إسلاميونَ قدّمُوا بحوثًا عظيمةً ومصنفاتٍ جليلةً في شتّى العلومِ والفنونِ، قامتْ عليهَا الحضارةُ الإسلاميةُ في الشرقِ والغربِ عبرَ العصورِ والقرونِ.

 ومِن هؤلاءِ الباحثينَ على سبيلِ المثالِ لا الحصر… ابنُ سينَا:

يُعَدُّ ابنُ سينَا واحدًا مِن أعظمِ العلماءِ المسلمينَ الذينَ أثرُوا في أوروبَا على الإطلاقِ، فقد كان كثيرَ المعرفةِ في الفيزياءِ والفلسفةِ والرياضياتِ والفلكِ، بالإضافةِ إلى الطبِّ الذي اشتهرَ بهِ بشكلٍ كبيرٍ، ومِن أهمِّ كتبِ ابنِ سينَا (القانونُ في الطبِّ) والذي يُعدُّ المرجعَ الأولَ والأكبرَ في طبِّ الدواءِ، هذا الكتابُ يصفُ أكثرَ مِن 750 وصفةً دوائيةً تُعدُّ الوصفاتِ الأكثرَ أصالةً في هذا العصرِ. وقد كان ابنُ سينَا هو أولُ مَن وصفَ مرضَ التهابِ السحايا، وقدّمَ الكثيرَ مِن المشاركاتِ في علمِ التشريحِ وطبِّ الأطفالِ.

وفي مجالِ الفيزياءِ كانتْ لهُ أبحاثٌ في الزمنِ والجاذبيةِ والضوءِ والفراغِ.

ومنهم: الكندِي (٨٠١- ٨٧٣ م):

 والذي يُعدُّ أحدَ أعظمِ ١٢ عقلًا بشريًّا في التاريخِ، ألَّفَ كتابًا مفصلًا للغايةِ، وصفَ فيهِ ٥٠ جهازًا ميكانيكيًّا وآلة، طوّرهَا وقدّمَ رسوماتٍ دقيقةً لهَا، لقد اضطلعَ بدورٍ رئيسِيٍّ في إدخالِ الأرقامِ العربيةِ والصفرِ إلى علمِ الحسابِ، العملُ الذي تابعَهُ علماءُ لاحقون.

ومنهم: جابرُ بنُ حيان (٧٢١- ٨١٥ م):

والذي يُعدُّ أبَ الكيمياءِ، ورائدًا في العديدِ مِن التقنياتِ التي لا تزالُ قيدَ الاستخدامِ اليوم، لقد كان ذَا عقليّةٍ تجريبيّةٍ عظيمةٍ، إذ سعَى لإثباتِ كلِّ شيءٍ مِن خلالِ التجاربِ، وساعدَ على وضعِ المنهجِ العلمِيِّ لاختبارِ الأفكارِ مِن خلالِ التجربةِ والمراقبةِ، وكان أيضًا يكتبُ بأسلوبٍ رفيعٍ يقصدُ منهُ عمدًا أنْ يكونَ بعيدًا عن متناولِ غيرِ المتخصصينَ في ذلكَ الوقتِ.

ومنهم: إسماعيلُ الجزرِي (١١٣٦- ١٢٠٦م):

 وهو مهندسٌ وموسوعيٌّ معروفٌ باسمِ أبِ الروبوتاتِ، بنَى روبوتًا على شكلِ رجلٍ، وكذلك ساعاتٍ مختلفةً، بما في ذلك أولُ ساعةٍ محمولةٍ وساعةُ الفيلِ الرائعةُ. قامَ الجزرِي بشرحِ عملِهِ في كتابِ: (الجامعِ بينَ العلمِ والعملِ النافعِ في صناعةِ الحيلِ).

ومنهم: الفرغانِي:

وهو أحدُ العلماءِ المسلمين الذين تميزُوا في علمِ الفلكِ، وله كتابٌ يعتبرُ أكثرَ مِن مشهورٍ في علمِ الفلكِ، وهو كتابُ (جوامعُ علمِ النجومِ والحركاتِ السماويةِ)، هذا الكتابُ يُناقشُ الحركةَ بينَ الأجرامِ السماويةِ في الكونِ وعلمِ النجومِ، وهو الكتابُ الذي تُرجِمَ للاتينيةِ، وكان أهمَّ مرجعٍ للأوروبيينَ في علمِ الفلكِ. وقد قامَ الفرغانِي بحسابِ قطرِ الأرضِ (6500 ميل) ولكن بشكلٍ عامٍّ، فكتابُهُ (جوامعُ علمِ النجومِ) هو أهمُّ إسهامٍ اعتمدتْ عليهِ الحضارةُ الفضائيةُ الأوروبيةُ.

ومنهم: أبو النصرِ الفارابِي:

والذي شاركَ هذا العالمُ في الكثيرِ مِن المجالاتِ، منها العلومُ والفلسفةُ والمنطقُ وعلمُ الاجتماعِ والدواءِ والرياضياتِ، فهو يُعدُّ أحدَ أكثرِ العلماءِ الموسوعيينَ امتيازًا.

ومنهم: أبُو عبدِ اللهِ البتانِي: يُصنفُ البتانِي واحدًا مِن أعظمِ العلماءِ المسلمينَ في الفلكِ. فقد كانتْ مشاركاتُهُ في علمِ الفلكِ وعلمِ المثلثاتِ ساعدتْ كثيرًا في تطويرِ النظرياتِ الحديثةِ في هذهِ العلومِ، وكان أحدُ أهمِّ اكتشافاتِهِ هو تحديدُهُ للسنةِ الشمسيةِ بـ 365 يوم و 5 ساعات و46 دقيقة و24 ثانية. كما أنَّهُ قامَ بحسابِ نقطةِ الأوجِ الشمسِي منذُ عصرِ بطليموس، كما وضعَ نظرياتٍ لحركةِ الشمسِ وبعضَ القوانينِ للاهتزازاتِ البطيئةِ.

ويقولُ: ليوبولد وايس: لسنَا نبالغُ إذ قلنَا إنّ العصرَ العلميَّ الحديثَ الذي نعيشُ فيهِ، لم يُدشّنْ في مدنِ أوربة، ولكن في المراكزِ الإسلاميةِ في دمشقٍ وبغدادٍ والقاهرةِ وقرطبة، نحن مدينونَ للمسلمينَ بكلِّ محامدِ حضارتِنَا في العلمِ والفنِّ والصناعةِ، وحسبِ المسلمينَ أنّهُم كانُوا مثالًا للكمالِ البشرِي، بينمَا كنَّا مثالًا للهمجيةِ.

هذا قليلٌ مِن كثيرٍ مِن نماذجِ العلماءِ الباحثينَ الإسلاميينَ، وكذلك شهاداتِ الغربيينَ المنصفةِ في هذا الشأنِ.

جاء في زاد الخطباء أن  :خطورة العقل السطحي  في التفكير السلبي العاجز المتشائم  ومن ذلك :

  • الانغماس في أحداث سابقة سيئة أو توقع أسوأ النتائج في المستقبل: يولّد عقلية التشاؤم.

  • قلة اليقين بالله والاعتماد على النفس فقط.

  • الشعور بالعجز أو الفقدان، وعدم الإيمان بأن الله قادر على تحويل الأمور لصالح الإنسان.

  • المحيط السلبي، فالصحبة والبيئة التي تركز على النقد، ونشر الأخبار المحبطة، أو المبالغة في الصعوبات، تعزز روح التشاؤم.

  • قلة المعرفة والثقة بالنفس، فالجهل أو نقص المهارات يزيد الإحساس بالعجز، ويحوّل كل موقف صعب إلى كارثة محتملة.

  • المقارنة السلبية، مقارنة النفس بالآخرين بطريقة تحطّ من الذات، تؤدي إلى استشعار الدونية واليأس.

لا قيمة للمرء بلا عقل :

قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، فهذا مثلٌ بليغ يبيِّن الفارق الهائل بين الإنسان الذي عُطِّلت قواه، فلا ينتفع بعقله ولا بلسانه، يعيش عالةً على غيره، لا يرجى منه خيرٌ ولا يُنتظر منه نفعٌ؛ وبين إنسانٍ آخر يُفيض عدلًا، ويهدي إلى الصراط المستقيم قولًا وعملًا، فهو مصدر صلاحٍ لنفسه ولغيره.

إن القرآن يوجّهنا بهذا المثل إلى أن قيمة الإنسان ليست في وجوده المادي، بل فيما يقدّمه من نفع، وما يقوم به من عدل، وما يسير عليه من هداية؛ وأن العجز الحقيقي هو عجز الفكر والإرادة، لا عجز الجوارح.

فلا اقتحم العقبه  …. مع بيان العقبات أمام العقل السطحي :

1-عقبة الجهل والكبر وأخطارهما  :

قال تعالى : {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}..الْجَهْلُ أَشَدُّ فَتْكًا مِنَ السَّرَطَانِ بِالْبَدَنِ، وَهُوَ لَوْ عَلِمَ بِجَسَدِهِ عِلَّة مَا صَبِرَ وَلَا لَحْظَةً، وَإِنَّمَا يَبْحَثُ عَنِ الشِّفَاءِ، وَأَمَّا الْجَهْلُ -وَالْجَهْلُ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ دَاءٌ كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ: ((أَلَا إِنَّ شِفَاءَ الْعِيِّ السُّؤُالُ)). وَالْعِيُّ هَاهُنَا: الْجَهْلُ، فَجَعَلَهُ دَاءً، وَجَعَلَ سُؤُالَ أَهْلِ الْعِلْمِ دَوَاءً.

ومن أجمل ما قيل في ذلك: الرجـــــــــال أ ربعــــــة:

فرجل يدري ويدري ‏أنه يدري * *‏  * * فذلك عالم فاعرفوه

ورجل يدري ولا ‏يدري أنه يدري * *‏  * * فذلك غافل فأيقظوه

ورجل لا يدري ‏ويدري أنه لا يدري * *‏  * *  ‏ فذلك جاهل فعلموه

ورجل لا يدري ولا ‏يدري أنه لا يدري * *‏  * *  ‏ فذلك أحمق فاجتنبوه

2- اتَّخاذَ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا :

في الحديث : إنَّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعُهُ منَ النَّاسِ ، ولَكن يقبضُ العلمَ بقبضِ العُلماءِ ، حتَّى إذا لم يترُك عالمًا اتَّخذَ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا ، فسُئلوا فأفتوا بغيرِ عِلمٍ فضلُّوا وأضلُّوا – الراوي : عبدالله بن عمرو | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الترمذي ..وإنّ مِنْ أخْطَرِ ما تمرّ به الأُمّة اليوم من أزمات، أن يترأّس عليهم جُهّال يَنْسِبُونَ أنفسَهُم أو يُنسَبُون خطأً إلى العلم، وقد نوّه النبيّ r إلى خطَرِ هذه الحالة الزائفة والخادعة؛ ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أنّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ» ، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ».

أي: الرجل التافه -الذي لا وزن له من علم ولا عقل ولا فقه ولا فهم- يتحدث في أمور العامّة ويستمع إليه الناس ويأخذون عنه العلم.

3-عقبة صاحب السوء :

احرص على اتخاذ صاحب صالح في حاله، كثير الاشتغال بالعلم، جيد الطبع، يعينك على  تحصيل مقاصدك ، ويساعدك على تكميل فوائدك ، وينشطك على زيادة الطلب ، ويخفف عنك الضجر والنصب ، موثوقاً بدينه وأمانته ومكارم أخلاقه ، ويكون ناصحاً لله غير لاعبٍ ولا لاه .” انظر تذكرة السامع لابن جماعة.

عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: (قيل: يا رسول الله! أي جلساؤنا خير؟

قال: من ذكركم الله رؤيته وزاد في عملكم منطقة وذكركم في الآخرة عمله) الحديث صحيح.

4-عقبة الذنوب :

قال الشافعي :

شكوت إلي وكيع سوء حفظي ***فأرشدني إلي ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلــــــم نور   *** ونـــــــور الله لايؤتاه عاصي

فالعلم نور ونور الله تعالى لا يهدى لعاص قال الله تعالى {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282]

و قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } [الأنفال: 29]

،فذكر هنا أن من اتقى اللّه حصل له الفرقان و الفرقان: وهو العلم والهدى الذي يفرق به صاحبه بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والحلال والحرام، وأهل السعادة من أهل الشقاوة.

علي بن خشرم، قال: شكوت إلى وكيع قلة الحفظ، فقال: ” استعن على الحفظ بقلة الذنوب “

قال محمد بن رافع: قيل لسفيان بن عيينة: بم وجدت الحفظ؟ قال: ” بترك المعاصي “

سئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به ” فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ” [محمد:19] فأمر بالعمل بعد العلم.

وقد بوَّب الإمام البخاري بابًا فقال: ” باب العلم قبل القول والعمل “، لقوله تعالى: ” فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ” [محمد:19]

5-عقبة النسيان :

جَاءَ في تَرْجمة الإمَامِ أبي إسْحَاق الشِّيرَازيِّ أنَّهُ قَالَ: “كُنتُ أُعيدُ كلَّ قِيَاسٍ أَلفَ مَرَّةٍ، فَإذَا فَرغْتُ منه أَخذْتُ قيَاساً آخَرَ وهَكَذَا، وكُنتُ أُعيدُ كُلَّ درسٍ أَلفَ مَرَّةٍ فإذا كَانَ في المسْأَلةِ بيتٌ يُسْتَشْهدُ به حَفظتُ القَصِيدةَ ” ….وكَانَ أبو إسْحَاق يُعيدُ الدَّرْسَ في بِدَايَتِه مِائَةَ مَرَّةٍ .   

وَقَدْ قَالَ ابنُ بَشْكُوَال ( في الصلة 1/146 ) في ترجمة أبي بَكرٍ غَالبِ بنِ عَبْدِ الرَّحمنِ بنِ عَطِيةَ الغرناطي (ت:518) – والدِ ابنِ عَطِيَّة المفَسِّرِ – : ” وَقَرأتُ بخطِّ بعضِ أصْحَابِنَا أنَّه سَمِعَ أبَا بكر بنِ عّطِيَّةَ يَذكُرُ أنَّهُ كَرَّرَ صَحِيحَ البُخَاريِّ سَبعَ مِائةِ مَرَّةٍ ” ا.هـ

وجَاءَ عن بكر بنِ محمدِ بن أبي الفَضْلِ الأَنْصَاريِّ : أنَّه رُبما كَانَ في ابتداءِ طَلَبِهِ يُكرِّرُ المسْألةَ أربعَ مائة مَرَّةٍ  …وسُئِلَ يوماً عن مسألةٍ غريبةٍ فَقَالَ : كَرَّرتُ هَذهِ المسْألةَ لَيلةً في بُرجٍ من حِصْنِ بُخَارَى أربَعَ مائة مرة  ….وُنقِلَ عن ابنِ هِشَامٍ أنَّهُ قَرَأَ الألفِيَّةَ ألفَ مَرَّةٍ .  

6- عقبة الحياء :

وأخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه ، إذ أقبل ثلاثة نفر ، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد ، قال : فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحَلْقَة فجلس فيها ، وأما الآخر فجلس خلفهم ، وأما الثالث فأدبر ذاهباً ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” ألا أخبركم عن النفر الثلاثة ؟ أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه ، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه ، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه ” .

7-عقبة الاغترار بالوقت :

قال ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ ) ،فعلى المؤمن العاقل أن يجدّ في شكر المنعم على نعمة الوقت وأن يوظفه في كل مفيد نافع، فطالب العلم لا يعرف الملل ولا الكلل ولا ضياع الوقت ، ولا يتوقف عن الطلب ؛ ولا ينقطع عن التعلم ولا عن العلم في وقت من الأوقات، بل يستمر عليه إلى الممات ..  فالعلم بحر لا ساحل له ونهر لا ينقطع                                                                                                               يقول بعض السلف : اطلب العلم من المهد إلى اللحد، أي منذ الطفولة إلى الموت، وكان كثير من السلف يطلبون العلم ويكتبونه، فيدخل أحدهم إلى الأسواق ومعه المحبرة  الدواة التي فيها الحبر وسنه كبيرة  فيُقال : لا تزال تحمل المحبرة ؟ فيقول : مع المحبرة إلى المقبرة، أي لا نزال نواصل العلم.

8-عقبة الصبر :

قال أهل العلم : ” ومن أعظم ميادين الصبر : الصبر في طلب العلم : فلا سبيل إلى طلب العلم إلا بالصبر ، فالصبر يضئ لطالب العلم طريقه ، وهو زاد لا يستغني عنه ، وخلق كريم لا بد وأن يتحلى به ، صبره على مشقة الترحال إلى الشيوخ وطول المكث عندهم  والتأدب معهم ، وصبره على المذاكرة والتحصيل ، وفي قصة موسى  والخضر دار هذا الحوار بين نبي الله موسى وبين الخضر عليهما السلام قال تعالى في سورة الكهف :{ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)}الكهف ”  ..

9-عقبة الأمل  والتفاؤل :

كان كافور الإخشيدي وصاحبه عبدين أسودين، فجيء بهما إلى قطائع ابن طولون أمير الديار المصرية وقتها ليباعا في أسواق العبيد، جلس كافور وصاحبه يتحدثان، وبدأ كل منهما يسأل الآخر عن أمنيته وطموحه.

قال صاحبه: أتمنى أن أباع لطباخ، لآكل ما أشاء وأشبع بعد جوع .

وقال كافور: أما أنا فأتمنى أن أملك مصر كلها، لأحكم وأنهى، وآمر فأطاع .

وبعد أيام بيع صاحبه لطباخ، وبيع كافور لأحد قادة مصر وما هي إلا أشهر حتى رأى القائد المصري من كافور كفاءة وقوة، فقربه منه، ولما مات مولى كافور قام هو مقامه، واشتهر بذكائه وكمال فطنته حتى صار رأس القواد، وما زال يجد ويجتهد حتى ملك مصر والشام والحرمين .

بعدها مر كافور يومًا بصاحبه فرآه عند الطباخ يعمل في جد وقد بدا بحالة سيئة، التفت كافور إلى أتباعه وقال: ” لقد قعدت بهذا همته فكان ما ترون، وطارت بي همتي فصرت كما ترون، ولو جمعتني وإياه همة واحدة لجمعنا مصير واحد “.

تحتاج الأمم جميعها إلى أصحاب الهمم والطموح، فهم صناع الحياة وقيادات المستقبل في أي أمة من الأمم في القديم والحديث.

والإسلام يشجع المسلمين على التفاؤل يرغبهم به , لأنه عنصر نفسي طيب , وهو من ثمرات قوة الإرادة ومن فوائده أنه يشحذ الهمم إلى العمل , ويغذي القلب بالطمأنينة والأمل .

 والإسلام ينفر المسلمين من التشاؤم , ويعمل على صرفهم عنه , لأنه عنصر نفسي سيء , يبطء الهمم عن العمل ويشتت القلب بالقلق , ويميت فيه روح الأمل , فيدب إليه اليأس دبيب الداء الساري الخبيث , وهو يدل على ضعف الإرادة.

الواجب علينا :

1- الأستعاذة بالله من العجز والكسل:

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» [رواه البخاري].فيجب التعوّد على الاستعاذة والاستعانة بالله، فعند مواجهة أي موقف محبط أو صعب، قل: «أعوذ بالله من العجز والكسل والهم والحزن»، فهذا يرسّخ في النفس أن القوة ليست بالاعتماد على الذات وحدها، بل بالاعتماد على الله.

٢. مراقبة الأفكار وتنقية العقل:

 وحاول اكتشاف أي أفكار سلبية أو مدمّرة قبل أن تتغلغل.

٣. تحويل الفكر السلبي إلى إيجابي:

واستبدال عبارة «لا أستطيع» بعبارة «سأحاول، وأستعين بالله».

٤. العمل والحرص على ما ينفعك :

لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»، والتركيز على العمل وإنتاج النتائج الواقعية يحدّ من الانغماس في السلبية.

٥. ضبط الانفعالات:

 فعند الغضب أو الإحباط، اتبع خطوات إدارة الغضب: الصمت، تغيير الهيئة، الابتعاد مؤقتًا، الوضوء، ثم التعامل بهدوء.

٦. التفاؤل والمناجاة الذهنية الإيجابية.

7-استعن بالله ولا تعجز:

قال النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» [رواه مسلم].

فالقوة في قوله : «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير» ليست قوة البدن فحسب، بل قوة الإرادة والعقل والروح، ثم تأتي «استعن بالله» لتعيد ترتيب الداخل، وتغرس في القلب الثقة بأن العون الحقيقي لا ينقطع ما دام الإنسان متوجّهًا إلى ربّه، وأن الفكر الإيجابي لا يستمد طاقته من الظروف وحدها، بل من سند إلهي يثبت الخطى ويقوي الإرادة..أمّا قوله «ولا تعجز» فهو ضربة قاصمة لجذور التفكير السلبي؛ إذ يقطع الطريق على التردد والانسحاب الداخلي، ويعيد تشكيل النظرة إلى الأزمات باعتبارها محطات إصلاح لا معابر انهزام، فالعجز يبدأ فكرة، ثم يتحوّل شعورًا، ثم يغدو عادة؛ فجاء النهي النبوي لمواجهته في مهده.

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

[1])) صحيح مسلم

[2])) سنن الترمذي