خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ “الْعُقُولُ الْمُحَمَّدِيَّةُ” (بِنَاءُ الْوَعْيِ وَصِنَاعَةُ الْأَمَلِ) للشيخ أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ “الْعُقُولُ الْمُحَمَّدِيَّةُ” (بِنَاءُ الْوَعْيِ وَصِنَاعَةُ الْأَمَلِ)
وَمَعَهَا: خُطُورَةُ التَّشْكِيكِ وَنَشْرِ التَّشَاؤُمِ (ضِمْنَ مُبَادَرَةِ “صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ

للشيخ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ

بتارِيخِ:  ١٣ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ ١٤٤٧هـ، الْمُوَافِقُ ٥ مِنْ دِيسَمْبَرَ ٢٠٢٥م

 

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه

aleqowl almohamadem- bena

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:

أَوَّلًا: عَبْقَرِيَّةُ الْعَقْلِ الْمُحَمَّدِيِّ (يَقِينٌ يَهْزِمُ الْمُسْتَحِيلَ وَيَطْرُدُ الْأَوْهَامَ).

ثَانِيًا: ثَوْرَةٌ عَلَى الْخُرَافَةِ (مَوَاقِفُ نَبَوِيَّةٌ بَنَتْ عُقُولَ الصَّحَابَةِ).

ثَالِثًا: “تُجَّارُ الْيَأْسِ” (خُطُورَةُ التَّشْكِيكِ وَنَشْرِ السَّوْدَاوِيَّةِ بَيْنَ النَّاسِ)

رَابِعًا (ضِمْنَ مُبَادَرَةِ صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ): رُوشِتَّةٌ عَمَلِيَّةٌ لِلنَّجَاةِ مِنْ فِتْنَةِ التَّشْكِيكِ

(الْمَوْضُـــــــــــوعُ)

الْخُطْبَةُ الْأُولَى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، شَهَادَةً تُذَكِّرُنَا عِنْدَ السُّؤَالِ حُجَّتَنَا، وَتُيَسِّرُ عَلَى الصِّرَاطِ مُرُورَنَا، وَتَرْوِينَا يَوْمَ الْعَطَشِ الْأَكْبَرِ مِنْ حَوْضِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُدْوَتَنَا وَأُسْتَاذَنَا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنَا وَمُخْرِجَنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، وَرَفَعَ فِي الْعَالَمِينَ ذِكْرَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَنَا -نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ- بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.

مَوْلَايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا * عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ

أَمَّا بَعْدُ… أَيُّهَا السَّادَةُ الْمُؤْمِنُونَ، يَا أُمَّةَ الْعَقْلِ وَالْيَقِينِ، إِنَّ الْمَعْرَكَةَ الْحَقِيقِيَّةَ الْيَوْمَ لَيْسَتْ مَعْرَكَةَ سِلَاحٍ فَقَطْ، بَلْ هِيَ مَعْرَكَةُ “وَعْيٍ” وَ “عُقُولٍ”. الْأُمَمُ تَنْهَضُ حِينَ تَكُونُ عُقُولُ أَبْنَائِهَا مُسْتَنِيرَةً بِالْأَمَلِ، مُتَسَلِّحَةً بِالْعِلْمِ، وَتَسْقُطُ حِينَ تُسَلِّمُ عُقُولَهَا لِلشَّائِعَاتِ وَالْخُرَافَاتِ وَالْيَأْسِ ، وَلِذَلِكَ، مَوْضُوعُنَا الْيَوْمَ فِي غَايَةِ الْأَهَمِّيَّةِ، وَهُوَ “الْعُقُولُ الْمُحَمَّدِيَّةُ”. نُرِيدُ أَنْ نَدْخُلَ إِلَى “عَقْلِ النَّبِيِّ ﷺ” – بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي – لِنَرَى كَيْفَ كَانَ يُفَكِّرُ؟ وَكَيْفَ وَاجَهَ الْأَزَمَاتِ؟ وَكَيْفَ بَنَى جِيلًا يَقُودُ الدُّنْيَا؟

سَنَسِيرُ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْمُبَارَكَةِ وَفْقَ الْعَنَاصِرِ التَّالِيَةِ:

الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: عَبْقَرِيَّةُ الْعَقْلِ الْمُحَمَّدِيِّ (يَقِينٌ يَهْزِمُ الْمُسْتَحِيلَ).

يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أَبْرَزَ سِمَةٍ فِي “الْعَقْلِ الْمُحَمَّدِيِّ” هِيَ أَنَّهُ عَقْلٌ لَا يَعْتَرِفُ بِالْيَأْسِ، وَلَا يَنْحَنِي أَمَامَ “الْمُسْتَحِيلِ”. إِنَّهُ عَقْلٌ مَوْصُولٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ الْمُطْلَقَةِ، فَيَرَى النُّورَ فِي قَلْبِ الظَّلَامِ.

الْمَشْهَدُ الْأَوَّلُ: فِي غَارِ ثَوْرٍ: تَخَيَّلُوا الْمَوْقِفَ: النَّبِيُّ ﷺ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُحَاصَرَانِ فِي غَارٍ ضَيِّقٍ. قُرَيْشٌ بِكُلِّ جَبَرُوتِهَا وَأَسْلِحَتِهَا تَقِفُ عَلَى بَابِ الْغَارِ. الْمَنْطِقُ الْبَشَرِيُّ (الْعَقْلُ الْمَادِّيُّ) يَقُولُ: “انْتَهَى الْأَمْرُ”. لِذَلِكَ قَالَ سَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ بِهَمْسٍ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَرَآنَا”، هُنَا يَتَدَخَّلُ “الْعَقْلُ الْمُحَمَّدِيُّ” لِيُصَحِّحَ الْمَفَاهِيمَ، وَلِيَزْرَعَ الْأَمَلَ فِي أَرْضِ الْخَوْفِ. يَقُولُ ﷺ بِهُدُوءِ الْوَاثِقِ: “يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟” [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، وَسَجَّلَ الْقُرْآنُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التَّوْبَة: 40]. لَمْ يَقُلْ: “لَا تَخَفْ”، بَلْ “لَا تَحْزَنْ”؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ الْمُحَمَّدِيَّ لَا يَقْبَلُ الْحُزْنَ الَّذِي يُعَطِّلُ الْعَمَلَ، وَلَا الْيَأْسَ الَّذِي يَقْتُلُ الْهِمَّةَ.

الْمَشْهَدُ الثَّانِي: مَعَ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ: فِي طَرِيقِ الْهِجْرَةِ أَيْضًا، وَبَيْنَمَا هُوَ ﷺ طَرِيدٌ، لَا يَمْلِكُ مَأْوًى، وَلَا جَيْشًا، وَلَا دَوْلَةً، وَسُرَاقَةُ يُطَارِدُهُ بِسَيْفِهِ. يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَيَقُولُ لَهُ: “كَيْفَ بِكَ يَا سُرَاقَةُ إِذَا لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَى؟” [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَابْنُ إِسْحَاقَ] ، أَيُّ عَقْلٍ هَذَا؟! رَجُلٌ مُطَارَدٌ فِي الصَّحْرَاءِ يَعِدُ بِكُنُوزِ أَعْظَمِ إِمْبَرَاطُورِيَّةٍ فِي زَمَانِهِ! إِنَّهُ الْعَقْلُ الَّذِي يَرَى الْمُسْتَقْبَلَ بِعَيْنِ الْيَقِينِ، لَا بِعَيْنِ الْوَاقِعِ الْمُحْبِطِ.

الْعُنْصُرُ الثَّانِي: ثَوْرَةٌ عَلَى الْخُرَافَةِ (مَوَاقِفُ نَبَوِيَّةٌ بَنَتْ عُقُولَ الصَّحَابَةِ).

يَا عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدْ كَانَ الْعَرَبُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَسْرَى لِلْخُرَافَاتِ. كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ “زَجَرَ الطَّيْرَ” (أَيْ طَيَّرَهُ)، فَإِنْ طَارَ يَمِينًا تَفَاءَلَ، وَإِنْ طَارَ شِمَالًا تَشَاءَمَ وَرَجَعَ. وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ حَرَكَةَ النُّجُومِ تُؤَثِّرُ فِي الْأَرْضِ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَبْنِيَ “عَقْلًا عِلْمِيًّا” يَقُومُ عَلَى السَّبَبِيَّةِ وَالتَّوَكُّلِ، لَا عَلَى الدَّجَلِ.

قِصَّةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ: مَاتَ “إِبْرَاهِيمُ” ابْنُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَفِي نَفْسِ الْيَوْمِ كَسَفَتِ الشَّمْسُ (أَظْلَمَتْ). فَقَالَ النَّاسُ بِعُقُولِهِمُ الْقَدِيمَةِ: “كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ”. (أَيِ الطَّبِيعَةُ حَزِينَةٌ عَلَى ابْنِ النَّبِيِّ)، لَوْ كَانَ هَذَا فِي زَمَانِنَا، لَرُبَّمَا اسْتَغَلَّ الْبَعْضُ هَذَا الْحَدَثَ لِتَعْظِيمِ أَنْفُسِهِمْ. لَكِنَّ صَاحِبَ الْعَقْلِ الْمُحَمَّدِيِّ وَقَفَ خَطِيبًا لِيُصَحِّحَ الْوَعْيَ وَيَنْفِيَ الْخُرَافَةَ، فَقَالَ ﷺ: “إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ” [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

أَرَأَيْتُمْ؟ إِنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الظَّوَاهِرِ الْكَوْنِيَّةِ وَبَيْنَ الْخُرَافَاتِ الشَّخْصِيَّةِ. يُرِيدُ عُقُولًا وَاعِيَةً لَا دَرَاوِيشَ مُغَيَّبِينَ.

قِصَّةُ سَلْمَانَ وَالْخَنْدَقِ: وَانْظُرُوا إِلَى أَثَرِ هَذِهِ التَّرْبِيَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ. لَمَّا جَاءَتِ الْأَحْزَابُ (عَشَرَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ) لِإِبَادَةِ الْمَدِينَةِ. لَمْ يَلْجَأِ الصَّحَابَةُ إِلَى التَّمَائِمِ أَوِ الْخُرَافَاتِ، بَلْ أَعْمَلُوا عُقُولَهُمْ ، قَامَ سَيِّدُنَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ بِعَقْلِيَّةٍ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا بِفَارِسَ إِذَا حُوصِرْنَا خَنْدَقْنَا”. فَأَعْجَبَ النَّبِيَّ ﷺ الرَّأْيُ وَنَفَّذَهُ.

هَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ: دُعَاءٌ فِي الْمِحْرَابِ، وَعَمَلٌ بِالْأَسْبَابِ. لَا مَكَانَ فِيهِ لِلْمُتَوَاكِلِينَ وَلَا لِلْمُحْبَطِينَ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهَدْيِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ..فَيَا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ، نَصِلُ إِلَى الْعُنْصُرِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ، ضِمْنَ مُبَادَرَةِ “صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ”، لِنُعَالِجَ وَبَاءً خَطِيرًا يَفْتِكُ بِالْعُقُولِ الْيَوْمَ، وَهُوَ: “التَّشْكِيكُ وَنَشْرُ التَّشَاؤُمِ”.

الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: “تُجَّارُ الْيَأْسِ”.

يَا عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدْ انْتَشَرَ بَيْنَنَا، وَخَاصَّةً عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ، أُنَاسٌ تَخَصُّصُهُمْ “صِنَاعَةُ الْكَآبَةِ”. مَهَمَّتُهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَكَ: “لَا أَمَلَ”، “الْقَادِمُ أَسْوَأُ”، “الْبَلَدُ ضَائِعَةٌ”، “الدِّينُ فِي خَطَرٍ”.

هَؤُلَاءِ يُشَكِّكُونَ فِي كُلِّ إِنْجَازٍ، وَيُسَفِّهُونَ كُلَّ حُلْمٍ، وَيَزْرَعُونَ الْحَيْرَةَ فِي الثَّوَابِتِ ، اِحْذَرُوا مِنْ هَؤُلَاءِ، فَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ” [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، (أَيْ: هُوَ أَكْثَرُهُمْ هَلَاكًا، أَوْ هُوَ مَنْ تَسَبَّبَ فِي هَلَاكِهِمْ بِهَذَا الْيَأْسِ)، وَقَالَ تَعَالَى عَنِ الشَّيْطَانِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الْمُتَشَائِمِينَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾ [الْبَقَرَة: 268]، فَكُلُّ مَنْ يَعِدُكَ بِالْفَقْرِ وَالْخَرَابِ وَالْيَأْسِ، هُوَ جُنْدِيٌّ مِنْ جُنُودِ الشَّيْطَانِ، عَلِمَ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ. لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَعِيشُ بِـ “حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ”.

الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: رُوشِتَّةٌ عَمَلِيَّةٌ لِلنَّجَاةِ (نَصَائِحُ الْخِتَامِ).

كَيْفَ نُحَصِّنُ عُقُولَنَا وَأَنْفُسَنَا مِنْ هَذَا الْبَلَاءِ؟ إِلَيْكُمْ هَذِهِ الْوَصَايَا النَّبَوِيَّةَ:

  1. الْعَمَلُ هُوَ دَوَاءُ الْيَأْسِ: إِذَا شَعَرْتَ بِالْإِحْبَاطِ، تَحَرَّكْ، اعْمَلْ، ازْرَعْ. انْظُرْ إِلَى أَعْظَمِ حَدِيثٍ فِي الْإِيجَابِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ (نَخْلَةٌ صَغِيرَةٌ)، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا” [رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ]، تَخَيَّلُوا! الْقِيَامَةُ تَقُومُ! لَنْ يَأْكُلَ أَحَدٌ تَمْرًا! فَلِمَاذَا الزِّرَاعَةُ؟ لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ قِيمَةَ الْإِنْسَانِ فِي “الْعَمَلِ” حَتَّى اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ، وَأَلَّا يَسْتَسْلِمَ لِلْعَدَمِيَّةِ.

  2. التَّثَبُّتُ قَبْلَ النَّشْرِ (فَلْتَرَةُ الْأَخْبَارِ): لَا تَكُنْ “بُوقًا” لِلشَّائِعَاتِ. قَبْلَ أَنْ تُشَارِكَ خَبَرًا مُحْبِطًا، تَأَكَّدْ مِنْهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الْحُجُرَات: 6]. وَقَالَ ﷺ: “كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ” [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

  3. انْظُرْ إِلَى النِّصْفِ الْمُمْتَلِئِ (عَيْنُ الرِّضَا):مِنَ الْعُقُولِ الْمُحَمَّدِيَّةِ: أَنْ تَرَى النِّعْمَةَ فِي وَسَطِ الْبَلَاءِ. كَانَ ﷺ “يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ، وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ (التَّشَاؤُمَ)” [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

  4. اِبْتَعِدْ عَنِ الْمُحْبِطِينَ وَالزَمِ النَّاجِحِينَ: الْعَقْلُ يَعْدِي مِثْلَ الْجَسَدِ. مُجَالَسَةُ الْمُتَشَائِمِينَ تُمْرِضُ الْعَقْلَ. صَاحِبْ أَهْلَ الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ وَأَهْلَ الذِّكْرِ.

وَخِتَامًا، نَقُولُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

لَا تَيْأَسَنَّ إِذَا اشْتَدَّتْ بَكَ الْكُرَبُ … فَفِي الشَّدَائِدِ أَحْيَانًا تُرَى الرُّتَبُ

وَيَا صَاحِبَ الْهَمِّ إِنَّ الْهَمَّ مُنْفَرِجٌ … أَبْشِرْ بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْفَارِجَ اللَّهُ

الدُّعَاءُ… اللَّهُمَّ نَوِّرْ عُقُولَنَا بِنُورِ الْقُرْآنِ، وَثَبِّتْ قُلُوبَنَا بِالْيَقِينِ وَالْإِيمَانِ ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّكِّ بَعْدَ الْيَقِينِ، وَمِنَ الْحَيْرَةِ بَعْدَ الْهُدَى، وَمِنَ الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، مُبَشِّرِينَ غَيْرَ مُنَفِّرِينَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ شَبَابَنَا مِنَ الْأَفْكَارِ الْهَدَّامَةِ، وَامْلَأْ قُلُوبَهُمْ بِالْأَمَلِ وَالْعَمَلِ ، اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا مِصْرَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَاجْعَلْهَا مُطْمَئِنَّةً رَخِيَّةً، تَفِيضُ خَيْرًا وَبَرَكَةً، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ,وَأَقِمِ الصَّلَاةَ