“قصيدة البردة: مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الغلو المزعوم والحقائق الشرعية – قراءة علمية في ضوء نصوص الكتاب والسنة وأقوال العلماء”


بقلم الشيخ : نور عبدالبديع حمودة الأزهرى الشافعي

إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية

تمهيد
لقد أثار بعض المتشددين من المعاصرين شبهات حول قصيدة البردة للإمام البوصيري، زاعمين أنها تحتوي على غلو أو عبارات قد تُؤول إلى الشرك. وهذه دعوى مستحدثة لم يسبق أن وردت عن أي من العلماء المتقدمين الذين تلقّوا القصيدة بالقبول، وشرحوها، واستشهدوا بها، وعارضوها، وحفظها علماء الأمة جيلاً بعد جيل.

ومن الثابت في الشريعة أن الأصل في كلام المسلم السلامة والاعتدال، وأنه لا يُخرج من دائرة الإسلام بالظن أو التوهم، ما دام اللفظ يحتمل معنى صحيحًا. فقد قال أهل العلم: “إذا احتمل كلام المسلم تسعة وتسعين وجهًا للكفر ووجهًا واحدًا للإسلام، حُمِل على أحسنها.”

ومن هذا المنطلق، تأتي ضرورة تناول هذا الموضوع بأسلوب علمي هادئ، قائم على النصوص الشرعية وأقوال المحققين من العلماء، بعيدًا عن الاغترار بالظواهر أو الجهل بمقاصد الشريعة، ليُكشف الحق ويُصان توجيه محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفق المنهج الصحيح.

مكانة قصيدة البردة في التراث الإسلامي

تُعدُّ قصيدة البردة المباركة من أروع وأشهر ما قيل في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم. لقد تلقّاها العلماء بالقبول والدرس والشرح، فكانت مادة للتعليم والتربية الروحية، وشرحوها كبار الأعلام أمثال: الإمام الباجوري، والجلال المحلي، وابن حجر الهيتمي، والملا علي القاري.

وعلاوة على ذلك، فقد نسج على منوالها مئات العلماء من بعدهم، ما يدل على سلامة مضمونها الشرعي، وانتشارها المقبول عبر القرون، مؤكدين بذلك مكانتها الرفيعة في التراث الإسلامي، وكونها مرجعًا رصينًا في مدح الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

الأبيات المثارة والرد العلمي عليها

1) قوله: “محمدٌ سيدُ الكونينِ والثقلين…”
توهّم بعضهم أن في هذا الوصف مبالغةً في التفضيل لا دليل عليها، مع أن المعنى الذي أراده الشاعر ثابتٌ بالنصوص الصحيحة ولا يجاوز ما قرره الشرع الشريف.

الرد العلمي المحكم
هذا البيت موافق تمام الموافقة لما صحّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر”
متفق عليه

كما ثبت في الحديث الآخر وصفه بأنه: “سيدُ الناسِ يوم القيامة”
فالسيدية هنا تكريمٌ رباني وبيانٌ لرفعة مقامه بين الخلائق، لا غلوّ فيها ولا تجاوز، لأنها مستندة إلى دليل قطعي الثبوت.

وعليه فإن وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بسيادة الكونين والثقلين إنما هو من باب تعميم ما دلّ عليه النص، إذ هو سيد الإنس والجن، وسيد الأولين والآخرين، لا لذاته استقلالًا، بل بما أكرمه الله تعالى به.

وبذلك يظهر أن البيت تقريرٌ لمعنى ثابتٍ شرعًا، لا علاقة له بالدعوى المحدثة أو المبالغة المذمومة، وإنما هو ثناءٌ منضبط على قدر ما ورد به الوحي، وفق منهج أهل السنة والجماعة.

قوله: “يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم”
اعترض بعضهم بأن في هذا البيت استغاثةً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم دون الله تعالى، وهو حملٌ غير دقيق للمعنى، ناشئ عن قراءة الشعر بمنهجٍ عقدي حرفي لا يراعي سياق المدح ومقاصده.

البيان الصحيح المحقق
المقصود بالالتجاء هنا الشفاعة العظمى يوم القيامة، وهي ثابتةٌ بنصوصٍ قطعية، منها حديث الشفاعة المتفق عليه، حين يفزع الخلائق إلى الأنبياء حتى ينتهوا إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: “أنا لها”.

فالبيت لا يتضمن دعاء عبادة ولا استغاثة استقلالية، وإنما هو طلبُ سببٍ مشروع أقرته النصوص الشرعية، إذ جعل الله تعالى نبيه باب الرحمة، ووسيلة الخلق إلى رفع الكرب يوم القيامة.

وعليه: فالمعنى هو الالتجاء إلى مقامه المشرَّف في الشفاعة، لا إلى ذاته من دون الله، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاءه الله، وإنما أكرمه الله بالشفاعة تكريمًا وتعظيمًا.

وبهذا يتضح أن البيت جارٍ في دائرة التعظيم المشروع، لا يشتمل على شركٍ ولا غلوّ، ولا يجاوز ما دلّ عليه الشرع وأجمع عليه أهل السنة والجماعة.

قوله: “فإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم”
أُورد الاعتراض بأن في البيت نسبةَ الخلق والعلم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو فهمٌ ناشئ عن حمل الألفاظ على ظاهرٍ لم يُرده الشاعر ولا يقوله أهل السنة.

البيان العلمي :-

إنَّ لفظة “مِن” في البيت ليست للابتداء ولا للاستغراق، وإنما هي للتبعيض أو لبيان الجنس، والمعنى:
أن ما يجري في الدنيا والآخرة من خيراتٍ وهداياتٍ إنما هو من آثار جوده صلى الله عليه وآله وسلم سببًا وتعليمًا وإرشادًا، لا خلقًا ولا إيجادًا ولا استبدادًا بالتصرف.

ويشهد لهذا المعنى الصحيح ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “إنما أنا قاسمٌ والله يعطي” متفق عليه

فالنبي ﷺ واسطة البلاغ والهداية، يوزع ما أُمر به من العلم والخير، بينما العطاء والخلق لله وحده لا شريك له.

اتفاق الشُّرَّاح على المقصود
وقد أجمع شراح البردة على أن المراد بالبيت:
هداية الدنيا بنور الرسالة،والشفاعة في الآخرة يوم يقوم الناس لرب العالمين
لا إثباتُ صفةٍ من صفات الربوبية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا نسبةُ علم الغيب إليه استقلالًا؛ إذ هو عبدٌ مكرَّم لا يعلم إلا ما أعلمه الله.
وبذلك يتبيَّن أن البيت جارٍ على أساليب المدح البلاغي المأذون، محمولٌ على المعنى الصحيح الذي لا يُنافي التوحيد، ولا يخرج عن منهج أهل السنة والجماعة.

قوله: “لولاك لم تخرج الدنيا من العدم”

أُثير الاعتراض بأن هذا اللفظ يقتضي جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم سببًا لوجود العالم، وهو فهمٌ غير مستقيم شرعًا إذا أُخذ على ظاهره المجرد.

الجواب العلمي المحكم

هذا الكلام يحتمل معنًى صحيحًا إذا فُسِّر في ضوء ما دلّ عليه القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلا ليعبدون﴾

فالمقصود أن الله تعالى خلق الخلق لإظهار عبوديته، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم أكمل الخلق تحقيقًا للعبودية، فكان أتمَّ مظهرٍ لغاية الوجود، وأكمل سببٍ لظهور حكمة الخلق، لا أنه سببٌ في نفس الإيجاد أو الخلق.

فالمعنى إذن:
ليس لولاك ما خُلقت السماوات والأرض إيجادًا، بل لولا ما قمتَ به من كمال العبودية التي هي غاية الخلق، لما ظهرت حكمة الوجود بهذا الكمال.
تقرير العلماء لهذا التفسير

وقد نص على هذا المعنى جماعة من أهل التحقيق، منهم:
العجلوني في كشف الخفاء،الملا علي القاري في شرح الشفا
،التقي السبكي في فتاواه

ضوابط الثناء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم

إنَّ تعظيم النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بابٌ جليل من أبواب الإيمان، غير أن له ضوابط شرعية محكمة، من أهمها:
ألا يُنسب إليه شيء من خصائص الألوهية، فالمقام النبوي مقام عبودية وتشريف، لا مقام ربوبية أو استحقاق للعبادة.

وما كان من المدح جارياً على معنى السببية والهداية والوساطة في تبليغ الرحمة، فهو مشروع مقرَّر، لأن الله تعالى جعل نبيه سبب الهداية وتمام النعمة.

وأنَّ المدائح النبوية إنما هي مظهر محبةٍ وتعظيمٍ مشروعين، لا صلة لها بالعبادة ولا تُنافي التوحيد بحالٍ من الأحوال.

كما أنَّ فهم الشعر مبني على المجاز والبلاغة واتساع العبارة، لا على المناهج العقدية الحرفية التي تُحمِّل الألفاظ ما لم يُرده أهلها.

ملخص البحث

إنَّ الطعون الموجَّهة إلى قصيدة البردة لا سند لها في كلام الأئمة المتقدمين، ولا يعرف عن أحدٍ من أهل العلم المعتبرين أنه أنكرها أو اتهمها بما يُروَّج اليوم.
وإنما الأبيات التي أُثير حولها الجدل ألفاظٌ محتملة تجري على أساليب البلاغة والمدح، وتحمل معاني صحيحة مقررة في الشرع عند أهل الفهم والتحقيق.

وقد نشأ الإشكال من إقحام المناهج العقدية الحرفية في ميدان الشعر، فاختلطت الأساليب الفنية بالمفاهيم الاعتقادية، فأدّى ذلك إلى سوء الفهم، وإساءة الظن بالمسلمين، والحكم على المقاصد بغير بيِّنة.

أما مكانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهي ثابتة بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة، تعظيمًا وتوقيرًا ومحبةً واتباعًا، وليس في البردة—من حيث المعنى الصحيح—ما يجاوز حدود ما قرره الشرع، ولا ما يخرج عن سبيل أهل السنة والجماعة.

الخاتمة
يتبين من هذا العرض العلمي أن قصيدة البردة ليست مجالًا للشرك أو الغلو، بل هي نص تراثي جليل يعبر عن محبة الأمة لنبيها صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تلقاها العلماء بالقبول عبر القرون. وإن الواجب اليوم هو إحياء روح الإنصاف، وردّ الشبهات بالعلم لا بالتشهي، وجمع القلوب على الخير، وصيانة تراث الأمة من القراءة المتعجلة.

نسأل الله تعالى أن يجعل محبتنا لرسوله نورًا في الدنيا، وسببًا لشفاعة كبرى يوم نلقاه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.