النبي صلى الله عليه وسلم قلبٌ لا يعرف اليأس وصوتٌ يوقظ الرجاء


بقلم الدكتور : مصطفى طاهر رضوان

عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين والدعوة جامعة الأزهر الشريف 

رسولنا ﷺ والتفاؤل:

ما عرفتِ الدنيا روحًا مفعمة بالتفاؤل والأمل والثقة في الله مثل روح سيدنا محمد ﷺ، ولا رأت البشرية قلبًا ينساب منه اليقين وحسن التوكل مثل سيدنا رسول الله ﷺ؛ كان ﷺ متفائلًا، مفعمًا بالأمل والثقة، يفتح للناس نوافذ الأمل في جدران اليأس، ويُعلِّم أمته أن الفأل حرفةُ الكبار، وسجيةُ المؤمنين الذين يعرفون أن الله لا يضيع من أحسن الظنَّ به.

ولم يكُن تفاؤلُه حالةً عابرة، ولا شعورًا مُرتجلًا، بل كان منهجًا ربانيًا، يلازمه في السلم والحرب، في الرخاء والضيق، وفي كل موقف يصطدم فيه الإنسان بحدود الطاقة البشرية، فمن سار في دروب سيرته ﷺ وجد شواهدَ لا تُحصى تُفيضُ ثقةً في وعد الله، وتُشرق في أحلك ساعات الليل.

اقرأ في سنته قوله الشريف:

«لا عَدوى ولا طِيَرةَ وأُحِبُّ الفألَ»،
واسمع قوله: «ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة»،
وتأمَّل توجيهه: «إذا أبْردتم إليَّ بريدًا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم».

ثم اقرأ في هديه الكريم:
«وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه فإذا أعجبه اسمه فرح به ورُئي بَشَرُ ذلك في وجهه».

وعنه أيضًا صلى الله عليه وسلم: «وكان يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع: يا راشد، يا نجيح».

هذه كلمات، ولكنها عند سيدنا محمد ﷺ أبوابُ نور، يبدِّد بها دخان التشاؤم، ويقيم في القلب مملكة الرجاء.

ومن المواقف التي تفيض أملًا وتفاؤلًا في سيرته ﷺ ما يأتي:

● في رحلة الطائف — تلك الرحلة التي مُلئ الطريق فيها حجرًا ودمًا — لم يخرج من قلبه إلا الرحمة والتفاؤل؛ فلما عرض جبريل أن يطبق عليهم الأخشبين، قال النبي الكريم:

«أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به أحدًا».

أي قلبٍ هذا الذي يرى في إيذاء الناس له وضربهم إياه بذور الهداية! أي قلبٍ هذا الذي يرى في الجراح الدامية طريقًا إلى المستقبل!

وحين قال له زيد بن حارثة: كيف تعود يا رسول الله إلى مكة وهم أخرجوك؟ أجاب النبي ﷺ بصوت لا يعرف الاضطراب ولا الفزع ولا التشاؤم:
«يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه».
هذه ليست جملة؛ هذه شُرفةٌ يطلُّ منها الإيمان على مجاهيل الغد.

● وفي مكة، حين بلغ الأذى ذروته، كان يقول للمعذَّبين:

«والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».

● وفي الحديبية، حيث ظنَّ الناس أن المفاوضات انكسارٌ وخسارة، نظر هو إلى الوجه الآخر للأحداث، وقال:

«لقد سهل لكم أمركم، لقد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل»، وقالها لما رأى سهيل بن عمرو، فقرأ في مجيئه بشائر السلام قبل أن يقرأ الناس ظلال التوتر.

● ويوم الخندق، عندما وقفت الصخرة العاتية في وجه المعاول، جاء النبي ﷺ فحمل المعول بيده المباركة، وضرب ثلاث ضربات، تتفجَّر منها الوعود كأنها سهام ضوء:

الأولى: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة».

الثانية: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض».

الثالثة: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة».

وهكذا كان يرى فتح الأمم وهو في قلب الخندق، وتحت سياط الريح، وحصار الجوع والخوف.

● وفي يوم الأحزاب حين غدر بنو قريظة واشتد البلاء، كان يسمو فوق العاصفة، فيرفع صوته كأنما يطمئن الأرض:

«الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين».

«والذي نفسي بيده، ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة… وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنًا… وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل».

كانت هذه الكلمات جسرًا من اليقين عبرت به الأمةُ من الذعر إلى النصر.

● ويوم خيبر، يدخلها وهو يعلن:
«الله أكبر، الله أكبر، خربت خيبر…»

وكان صوته إذ ذاك وعدًا بالنصر قبل أن تدور المعركة.

وأما عن ملامح التفاؤل في أفعاله وأوامره ﷺ فحدث ولا حرج:

لم يكن تفاؤله قولًا فقط، بل كان فعلًا يصنع من الواقع وجهًا جديدًا، حتى أنه كان يغيَّر الاسم القبيح إلى اسمٍ حسن؛ كأنما يعيد تشكيل المصائر بالكلمة الطيبة.

وينهى عن الأسماء التي توحي بالانقطاع مثل: رباح، فلاح، نجاح؛ ليحمي المعنى الجميل من الهدم.

ويُحوِّل رداءه في الاستسقاء، رمزًا لتحوُّل الحال من القحط إلى المطر.

ثم اسمع في أوامره: «إن بُيِّتم فليكن شعاركم: حم لا ينصرون»، وكان شعارهم أحيانًا: «أمت أمت»، ومرةً: «لا ينصرون».

وأمره الشريف: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها»؛ فما أعظمها وصية! إنها ذروة التفاؤل؛ أن تغرس شجرة والقيامة على شفا الانفجار.

هذا هو نبي التفاؤل ﷺ:
يُعلِّمنا أن اليقين بالله أعظم من الملمات، وأن الأمل عبادة، وأن الكلمة الطيبة قد تفتح للقلوب أبوابًا لا تفتحها الجيوش.