جِيلُ الصَّفْوَةِ : حِصْنُ الْيَقِينِ وَمَنْزِلَةُ الصَّحَابَةِ


بقلم الشيخ :  أحمد إسماعيل الفشني

من علماء الأزهر الشريف

أحمدُ الله عَزَّ وَجَلَّ الذي اصطَفَى خيرَ خَلْقِهِ لِخَيْرِ رِسالةٍ، واختارَ لَهُم خَيرَ صُحبَةٍ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِنَا مُحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ الكِرامِ الذينَ حَمَلُوا النُّورَ بِصدقٍ ويقينٍ.

أيُّها السادةُ الكرامُ…

إنَّ الحديثَ عن صَحابةِ سَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليسَ مُجرَّدَ سَردٍ تاريخيٍّ، بَلْ هُوَ حديثٌ عن أَصْلِ الدِّينِ وأساسِ النَّقلِ. هُمُ الجِيلُ المُؤسِّسُ الذي حَمَلَ لَنَا القُرآنَ والسُّنَّةَ نَقِيَّينِ صافِيَينِ. لذلكَ، كانَ لِزاماً على كُلِّ مُؤمِنٍ أَنْ يَعقِدَ قَلْبَهُ على مَحبَّتِهِم وتَوقيرِهِم، فَمَحبَّتُهُمْ مِنْ مَحبَّةِ سَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

أَوَّلاً: الِاصْطِفَاءُ الإِلَهِيُّ (حِكْمَةُ التَّكْوِينِ)

إنَّ صُحبةَ سَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ صُدفةٍ، بَلْ كَانَتْ اخْتِيَاراً إِلَهِيّاً مُحْكَماً، وهِيَ مِنْ دَلائِلِ حِفظِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِشَرعِهِ:

 * بِشَهَادَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (أَصْلُ التَّزْكِيَةِ):
لَمْ يَكتَفِ اللَّهُ تَعَالَى بِتَزْكِيَةِ النَّبِيِّ لَهُمْ، بَلْ أَثْنَى عَلَيهِمْ في كِتابِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في حَقِّ السَّابِقِينَ منهم:﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 100). فَأيُّ تَزْكِيَةٍ أَبلَغُ مِنْ قَولِهِ “رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ”؟

 * صَفْوَةُ الْأَزْمَانِ: لَمْ يَختَرِ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ إِلَّا أَنْقَى القُلوبِ وأَصدَقَ النُّفوسِ لِيُساعِدُوهُ على حَمْلِ الرِّسالةِ في أَحْلَكِ الظُّرُوفِ. والدَّليلُ على تَفضيلِهِم جاءَ في الحديثِ الشريفِ:

   * رَوَى الْإِمَامَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ”.

ثَانِياً: النَّهْيُ النَّبَوِيُّ وَمِيزَانُ الْمُفَاضَلَةِ

لِعِظَمِ مَنزِلَتِهِم وقِيمَةِ سابِقَتِهِم، جاءَ التَّشديدُ النَّبَوِيُّ الصَّارِمُ في النَّهيِ عَنْ أَدنى تَجاوُزٍ في حَقِّهِم، وهُم خَطٌّ أَحمَرُ في مَيزانِ الشَّرعِ. ومِنْ هنا يَتجلَّى المعنى الذي أَشرتُمْ إليهِ:

 * رَوَى الْإِمَامَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ”.

إنَّ هذا الحديثَ الشريفَ يَضعُ قاعِدةً أَبديَّةً لِمَنْ يَأتي بَعدَهُمْ:

 * قِيمَةُ السَّابِقَةِ وَالْبَرَكَةُ النَّبَوِيَّةُ: لَمْ تُقَسَّ فَضائِلُ الصَّحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِحَجمِ العَملِ، بَلْ بِنوعِيَّةِ العملِ وظُروفِهِ. فَمُدٌّ (مِقدارٌ ضَئِيلٌ) يَتصَدَّقُ بِهِ الصَّحابِيُّ في ظِلِّ قِلَّةِ المُسلمينَ وَشِدَّةِ الحاجَةِ، أَفضَلُ عِندَ اللَّهِ مِنْ جَبَلٍ ذَهَباً يُنفِقُهُ مَنْ جَاءَ بَعدَهُ.

 * فَضْلُ الصُّحبَةِ: إنَّ شَرَفَ رُؤيَةِ سَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والإيمانِ بِهِ لَحْظَةً واحِدةً، يَعْدِلُ عِبادةَ العُمُرِ كُلِّهِ لِمَنْ لَمْ يُشاهِدْهُ، فَهُمُ الذينَ خَاضُوا مَعَهُ المِحَنَ والشدائِدَ، وشَارَكُوهُ في تَحَمُّلِ الرِّسالَةِ.

ثَالِثاً: الْمَوْقِفُ الْعَمَلِيُّ (طَرِيقُ أَهْلِ الْبَصَائِرِ)

يَتَّفِقُ أهلُ المنهجِ السَّليمِ على موقِفٍ مُحكَمٍ تجاهَ أيِّ خِلافٍ وَقَعَ بينَ الصَّحابةِ الكرامِ:

 * الْكَفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ: عَقيدَتُنَا هي الإمساكُ عمَّا وَقَعَ بينَهُم مِنَ خِلافاتٍ وفِتَنٍ. فَهُم مُجْتَهِدُونَ، والمُجتَهِدُ إمَّا مُصِيبٌ ولهُ أَجْرَانِ، أَوْ مُخْطِئٌ ولهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ.

 * الدَّعْوَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ (الْوَاجِبُ الْقُرْآنِيُّ): نَتَّبِعُ القُرآنَ الكريمَ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (سورة الحشر: 10). فَوَاجِبُنَا هو الدُّعاءُ لَهُمْ بالرَّحمةِ وليسَ النَّقدَ أو السَّبَّ.

فَلْنُحافِظْ على قُلوبِنا صافِيةً تِجاهَ صَفوةِ جِيلِ النُّبُوَّةِ، لِيَكُونَ إيمانُنا كامِلاً مُتَّصِلاً بِأَصلِ النُّورِ.

وباللهِ تعالى التوفيقُ.