جيلٌ يصرخ… فمن يُنقِذه؟


بقلم الشيخ : مصطفى عبدالكريم الأَزْهريّ المالكيِّ

أكتب ذلك بعد انتشار مقطع المعلمة التي تستغيث من أفعال الطلاب الدنيئة لها، والتي تدل على سوء التربية والأخلاق

صدقوني اليوم لم نعُد أمام أزمة سلوكٍ بسيطة، ولا أمام جملة أخطاء يمكن غضّ الطرف عنها… نحن اليوم نرى جيلًا يتشكّل أمام أعيننا؛ جيلًا تاه عن الأدب، وعن احترام الكبير، وعن قيمة المعلم، وعن توقير الوالدين.

جيلٌ ضاع بين هاتفٍ يلتهم انتباهه، وبيتٍ مشغول عنه، ومدرسةٍ فقدت هيبتها، ومجتمعٍ صامتٍ لا يريد أن يتدخّل.

أول مشاهد الفساد: سقوط هيبة المعلم

كان المعلّم يومًا أبًا ثانيًا… كلمة واحدة منه كانت تُهذّب القلب قبل الجسد.

أما اليوم فقد صار البعض يقف أمامه مستهزئًا، ساخرًا، رافعًا صوته عليه! بل ربما يمدّ يده- عياذًا بالله – أو يسجّل مقطعًا يسخر فيه من أستاذه ليضحك به رفاقه!

أهكذا يُحترم من علّمك؟

أهكذا يُهان من حملك من ظلام الجهل إلى نور الفهم؟

والله لو عرف هؤلاء منـزلة المعلم في دينهم لَمَا رفع أحدهم عينًا في وجهه، فضلًا عن أن يرفع صوته عليه.

قال الإمام الشافعي رحمه الله:
“كنتُ أصفحُ الورقة بين يدي مالك صفحًا رقيقًا هيبةً له؛ لئلا يسمع وقعها.
صفحةٌ يخاف أن تُسمَع… فكيف بزمان صارت فيه الكلمة الجارحة تُرمى بلا حياء؟

ثاني المشاهد: عقوق في ثياب “مدنية”

صار الابن يردّ على أبيه وكأنه يجادل صاحبًا في مقهى!

وصارت البنت ترفع صوتها على أمّها، وكأنها تخاطب خادمة!

وصار طلب الأب والأم يُستقبل بالضجر والنفَس الثقيل وكلمات:
“لحظة… بعدين… مش فاضية!

يا بني…
هذه اليد التي تطلبك اليوم، هي التي حملتك يومًا وأنت لا تعرف حتى كيف تُمسك بثيابك.

تعبت لأجلك، سهرت لمرضك، ضحّت لتكبر…فهل يكون جزاؤها أن تجرحها كلمة؟
أو ترفع عليها صوتًا؟

أو تُريها من نفسك قسوةً لم تُرِكَ مثلها يومًا؟

ثالث المشاهد: بيوتٌ بلا قيادة

الأب منشغل…الأم مجهدة…

الأبناء تُربِّيهم الشاشات قبل أن يربيهم الآباء.

وتمرّ السنين، فإذا بنا نشتكي من جيل منفلت،ونسأل بدهشة: لماذا حدث هذا؟!

يا سادة…هذه هي فواتير الإهمال…

ما تركه الآباء في طفولة أبنائهم سوف يخرج في شبابهم،

فإن صلحت التربية، صلح كل شيء،

وإن فسدت… ضاع البيت والمجتمع معًا.

ما الحل؟

ليس الحلّ في صراخ، ولا في ضرب، ولا في وعيد،

ولكن في عودة الهيبة والاحترام إلى ثلاثة أماكن:

1- البيت: حيث يتعلم الابن معنى الطاعة، ومعنى الأدب، وكيف يخاطب أبويه.
2- المدرسة: حيث يُدرَّس العلم قبل المناهج، والأخلاق قبل المعادلات.
3- المجتمع: حيث يرى الطفل بأمّ عينه أن الكبير يُوقَّر، وأن المعلم يُحترم، وأن سفاهة اللسان عارٌ على صاحبها.

علّموا أبناءكم أن رفع الصوت على معلمٍ نقصٌ في الرجولة قبل أن يكون نقصًا في التربية.

وعلّموهم أن الوالدين بابان إلى الجنة، من أغلقهما بلسانه أغلق الله عنه أبواب الدنيا والآخرة.

وعلّموهم أن الأدب رأس كل خير… وأن أول مظاهر البر إحسان الكلام.

كلمة أخيرة…

قبل أن نلوم الأبناء، يجب أن ننظر في المرآة…
فما نزرعه اليوم نجنيه غدًا.
فإن زرعنا أدبًا… حصدنا رجالًا.
وإن زرعنا فوضى… حصدنا كوارث.

أصلحوا أبناءكم…

قبل أن يأتي يوم يتمنّى فيه الإنسان أن يعود الزمن خطوة واحدة
ليقول كلمة طيبة أو يمنع خطأ، أو يربّي نفسًا قبل أن تفسد