تغلغل إسرائيل في شبكات الموارد الإفريقية
27 نوفمبر، 2025
أخبار العالم الإسلامى

إفريقيا… حلم إسرائيل الغالي (الجزء السادس)
بقلم الشيخ : حسين السمنودي
إمام وخطيب ومدرس بدرجة مدير عام بمديرية أوقاف القاهرة
في هذا الجزء السادس من سلسلة إفريقيا… حلم إسرائيل الغالي نفتح واحدًا من أكثر الملفات حساسية وخطورة: تغلغل إسرائيل في شبكات الموارد البشرية الإفريقية، ليس عبر الزراعة أو التعدين فقط، بل من خلال إعادة تشكيل العقول، وتوجيه مسارات النخب، والتحكم في بُنى صناعة القرار داخل دول القارة.
لقد أدركت إسرائيل مبكرًا أن السيطرة على الأرض وحدها لا تكفي، وأن النفوذ الحقيقي يبدأ حين تتشكل النخبة الإفريقية — السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية — وفق مفاهيم تتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية، أو على الأقل لا تتصادم معها. ومن هنا جاءت أخطر خطواتها وأكثرها هدوءًا: صناعة جيل كامل من المتنفذين الأفارقة ممن تلقّوا تعليمًا أو تدريبًا أو برامج تأهيل على أيدي مؤسسات إسرائيلية مباشرة أو عبر واجهات دولية.
ومع مرور الزمن، توسعت هذه البرامج تحت ستارات “التدريب الأمني”، “التحديث التقني”، “التنمية المستدامة”، وغيرها من الشعارات التي تبدو إنسانية لكنها تحمل أهدافًا سياسية صريحة. إذ تسعى إسرائيل إلى تمرير نموذج إداري داخل مؤسسات الحكم الإفريقية قائم على اختراق منظومات اتخاذ القرار، وزرع تصوّرات جديدة في عقول الشباب الذين سيتولون قيادة القارة خلال العقود المقبلة.
عبر منح دراسية، وورش تدريبية، واتفاقات تنموية، استطاعت تل أبيب أن تبتعث آلاف الطلاب الأفارقة لتلقّي دورات متقدمة في التكنولوجيا، وإدارة الموارد، والأمن، والاتصالات، والسياسات العامة. وعاد هؤلاء ليشغلوا مناصب حساسة في بلدانهم: وزارات، شركات تعدين، إدارات مياه، أجهزة أمنية، مطارات، وهيئات اقتصادية. وهكذا أصبح النفوذ الإسرائيلي وجودًا بشريًا فكريًا داخل العمق المؤسسي الإفريقي، لا مجرد تعاون سطحي على الأوراق.
هذا النفوذ لا يظهر على الشاشات، ولا تتحدث عنه البيانات الرسمية، لكنه يتجلى في سياسات اقتصادية تتماشى مع المصالح الإسرائيلية، وفي خطط تنمية تُصاغ بأقلام “خبراء” قادمين من تل أبيب، وفي رؤى تعليمية جديدة تغرس ثقافة سياسية تخدم من يقف وراءها. وهو أخطر أنواع النفوذ، لأنه يعمل بلا ضجيج، ويجري تغليفه دائمًا بعبارة: “دعم التنمية في إفريقيا”.
ولأن إسرائيل تفهم أن العقل هو الساحة الأكثر تأثيرًا، فهي تركز على الجامعات، والكوادر الشابة، وقادة المستقبل المحتملين. فقد وقّعت العديد من الاتفاقيات مع مؤسسات تعليمية ومراكز بحث إفريقية، واستثمرت في منصات رقمية تستهدف العقول قبل الأيدي. وكل ذلك يهدف إلى شيء واحد: أن تتشكل النخب الإفريقية الجديدة على نحو يجعلها — بوعي أو دون وعي — تتحرك داخل إطار يخدم مصالح تل أبيب.
إن هذا المشروع الفكري الممتد يجعل إسرائيل في موقع أقوى بكثير مما تراه الشعوب، ويجعل كثيرًا من القرارات الإفريقية تتخذ بروحٍ ليست إفريقية خالصة. وهذا هو جوهر الخطر: أن تفقد القارة استقلال قرارها من داخلها، لا من خلال احتلال أو حرب.
وهكذا يتبيّن أن ما تفعله إسرائيل في إفريقيا ليس مجرد تعاون أو خبرات متبادلة، بل مشروع طويل الأمد يقوم على إعادة تشكيل وعي القارة من جذوره. فحين تستطيع دولة أن تصنع نُخبًا تدور في فلكها، فإنها لا تحتاج إلى قوة عسكرية كي تؤثر، بل يكفيها أن تُمسك بمفاتيح العقول التي تقود سفينة القرار. وهذا بالضبط ما فعلته إسرائيل عبر عقود من العمل الصامت الذي لم يلحظه كثيرون.
لقد أدركت تل أبيب أن القارة الإفريقية هي كنز القرن الحادي والعشرين؛ شابة، مليئة بالثروات، واسعة الأسواق، سريعة النمو. ولذلك قررت أن تضع يدها على أهم نقاط القوة فيها: العقل الذي يصنع السياسات ويحدد اتجاه المستقبل. فإذا تمت إعادة تشكيله بما يناسب مصالحها، فإن كل حركة اقتصادية وسياسية ستسير تلقائيًا في المسار الذي تريده.
إن خطورة هذا المسار أنه ناعم وهادئ، وأن الدول الإفريقية كثيرًا ما تستقبله باعتباره “تنمية”، بينما الحقيقة أنه تغلغل ناعم يزرع نفوذًا طويل المدى. وحين يغيب الوعي، يصبح من السهل أن تجد دولًا كاملة تُدار من خلال نخب تشكلت خارج سياقها الطبيعي، وتعمل — دون قصد — على خدمة أطراف لا تريد للقارة أن تنهض إلا بما يناسب مصالحها.
وإفريقيا الآن أمام مفترق طرق: إما أن تُدرك حجم هذا الاختراق وتبني استراتيجيات تحمي عقلها قبل مواردها، أو تترك المسار ممتدًا حتى تجد نفسها بعد سنوات أمام واقع يصعب تغييره. فالدول لا تُهزم بالمعارك فقط، بل قد تُهزم حين تُهمل أخطر ما تملك: إنسانها الواعي.
إن مستقبل إفريقيا يجب أن يُكتب بأيدٍ إفريقية، وأن تُصاغ نهضتها وفق هويتها، لا وفق تصورات تُزرع في عقول نخب صُنعت خارج حدودها. فالمعركة المقبلة ليست معركة ثروات أو حدود، بل معركة وعي وسيادة وهوية، ولن تنتصر فيها القارة إلا إذا أدركت أن حلمها الغالي لا ينبغي أن يُترك لمن يحاول شراءه أو خطفه