الحاكم والمحكوم فيه عند الأصوليين (9)

بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى

دل القرآن الكريم وأجمع المسلمون على أن الحاكم هو الله تعالى، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: 40], وقال تعالى: {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ}[الأنعام: 62] ، وأجمعوا على أنه لا حكم إلا ما حكم به الله، ولا شرع إلا ما شرعه، وليس لغير الله سلطة إصدار الأحكام.

والفقهاء في كيفية معرفة أحكام الله تعالى على ثلاثة أقوال:

الأول: وهو قول المعتزلة وفريق من الجعفرية يرون أن حكم الله يكون وفق ما أدركته العقول من حسن الأفعال وقبحها دون توقف على إبلاغ الرسل، وأن الإنسان مكلف قبل بعثة الرسل أو قبل بلوغ الدعوة إليه، إذ عليه أن يفعل الحسن ويترك القبيح.

الثاني: وهو قول الأشعرية، وهو أن العقل لا يستقل بإدراك حكم الله، ولا بد من تبليغ الرسل، فليس في الأفعال حسن ذاتي أو قبح ذاتي، يوجب على الله أن يأمر بها أو ينهى عنها، فإرادة الله مطلقة لا يقيدها شيء، فالحسن ما جاء الشارع بطلب فعله والقبح ما جاء الشارع بطلب تركه؛ وعليه فلا تكليف على العباد قبل بعثة الرسل؛ وحيث لا حكم فلا تكليف ولا مدح ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب.

الثالث: وهو قول الماتريدية، قالوا: إن للأفعال حسناً وقبحاً ذاتياً يستطيع العقل إدراكه في معظم الأفعال، ولكن لا يلزم منه أن يكون الحسن والقبح موجبين لحكم الله بالأمر والنهي؛ وعليه فحكم الله لا يلزم إلا بتبليغ الرسل. وهذا هو القول الراجح؛ لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}[الإسراء: 15].

ثمرة الخلاف تظهر في أمرين:

ـ أن من لم تبلغه الدعوة والرسالة على وجه العموم، فعند المعتزلة يؤاخذ بفعله ويحاسب على أعماله؛ لأنه مطالب بفعل الحسن وترك القبيح وهذا حكم الله، وعند الأشعرية والماتريدية ومن وافقهم لا حساب ولا ثواب ولا عقاب على من لم تبلغه الدعوة.

ـ إذا لم يرد فيها نص شرعي، فإن المعتزلة يقولون: إن العقل مصدر للأحكام ويجب فعل ما حسنه العقل، واجتناب ما قبحه، أما الماتريدية فيقولون لا يكون العقل مصدراً للأحكام، وإنما يؤخذ الحكم من مصادر الفقه الثابتة بإعمال العقل والفكر.

المحكوم فيه أو المحكوم به هو: ما تعلق به خطاب الشارع، ولا يكون إلا فعلاً, إذا كان خطاب الشارع حكماً تكليفياً، أما في الحكم الوضعي فقد يكون فعل المكلف كما في العقود والجرائم، وقد لا يكون فعلاً له ولكن يرجع فعله كشهود شهر رمضان لوجوب الصيام.

شروط المحكوم فيه:
ـ أن يكون الفعل معلوماً للمكلف علماً تاماً، حتى يتصور قصده إليه وقيامه به كما طُلب منه، فلا يصح التكليف بالمجهول، والمراد بالعلم علم المكلف فعلاً أو أن يكون علمه بأن يكون قادراً بنفسه على علم ما كُلِّف به أو بالواسطة بأن يسأل أهل العلم، والقرينة على إمكان علمه ووجوده بين المسلمين.

ـ أن يكون الفعل المكلف به مقدوراً، أي من الأفعال التي يمكن للمكلف فعلها أو تركها, ويترتب على أنه لا تكليف بالمستحيل، ولا تكليف إلا بما يدخل تحت إرادة الإنسان, كالتكليف بالأمور الوجدانية التي لا يملك الإنسان دفعها عن نفسه.

هل يشترط في الفعل الا يكون شاقاً؟

المشقة نوعان:

ـ مشقة معتاده تطيقها نفس البشرية، فلا يلتفت إليها ولا تكون حائلا دون التكليف،.

ـ مشقة غير اعتيادية لا تطيقها النفس إلا بكلفة وضيق وعنت شديد، وهذه المشقة يُختلف حكمها فقد تكون المشقة للظروف خاصه بالمكلف مما توجب الرخصه كالصيام في حال السفر والمرض، وقد تكون هذه المشقة لابد من تحملها للقيام بالفرض الكفائي، كالجهاد في سبيل الله وإن كان في قتل النفس وازهاق الروح.