أسرارُ الكتابة الصوفية
27 نوفمبر، 2025
منهج الصوفية

بقلم الأستاذ الدكتور : مجدي إبراهيم
أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف جامعة أسوان
يقالُ عن اللغة الصوفية إنها لغة رمزية غير مفهومة، وأن خطابها عالي ليس هو بالعادي ويستحيل تعميمه، لأن الخطاب الصوفي في جوهره مغاير ومختلف، مرتهن بالتجربة ويستحيل نقل التجربة للغير. وما لم تكن لك تجربة فعلية مع الحق، فلن تسطيع أن تصدر حرفاً واحداً تجد له مذاق العرفان.
كل كتابة في أي مجال أهون من هذا النوع من الكتابة، فما عليك إلا أن تتصوّر الفكرة ثم تصيغها بلا مجهود الوفاق بين الذات وما تقول، إلا الكتابة الصوفية عليها من رقابة الضمير ما يؤخّرها فيفقدها المذاق، إذ لا تصدر عن نفس ولا عن عقل ولا عن هوى ولا عن كبر باطن ولا عن غرض؛ بل عن رقابة باطنة للأقوال والأفعال بُله السرائر والمصائر.
والفرقُ بين كتابة العارف وكتابة غير العارف: أن الأول يكتب وهو يعرف ما يكتبه، وسعادته في صدره ولا ينتظر من الناس كثيراً أو قليلاً يحمد عقباه. يأخذ مدده من ربّه ولا يعول على رأي الناس فيما عساه يقول. أمّا غير العارف فاستمراره مرهون برأي غيره فيه، ولا يخلو من انتظار المدح والثناء على أعماله، يداخله الرياء فيها وتخرج وعليها من حظوظ النفس ما من شأنه أن يحبطها، ولا يزال جاهلاً لم يقترب من منطقة العلم ولا من موارده الفياضة بعطاء الربوبية قيد أنملة، ثم يموت ولم تخلع عليه خِلع القبول.
العبارة والإشارة كالروح والجسد، يستحيل الانفصال بينهما. الإشارة كالروح والعبارة كالجسد. والعلاقة بين العبارة والإشارة كالعلاقة بين الظاهر والباطن؛ فظاهر العبارة هو ما تدل عليه من حيث وضعيّة اللغة. وباطن الإشارة هى ما ترمز إليه من حيث هى لغة إلهيّة، حتى إذا كان أهل الظاهر يتوقّفون عند العبارات ومعانيها التي تعطيها قوة اللغة الوضعية، وجدنا العارفين ينفذون إلى ما تسير إليه لغة الإشارة من معان وجوديّة وإلهيّة.
من أجل ذلك؛ اتخذوا من الرمز وسيلة للتعبير عن لغةٍ ليست بالعادية ولا بالمألوفة. وإذا نحن تسألنا عن علة استخدام الرموز والإشارات في حقول المعارف الذوقية، لم يكن هنالك مبررٌ أقوى ولا أقنع من أحكام التجربة الصوفية وفروضها؛ فللتجربة فروضها وأحكامها التي توجب عطاء اللغة رمزاً لا تصريحاً؛ إذ كان التعبير بالرمز هو وحده الذي يقابل الحالة الصوفيّة التي لا تكيفها عبارة عاديّة ولا يسعها لفظ معتاد.
فرضت الحالة الصوفية وجوداً من الخيال ليس له مقابل من اللغة الوضعيّة الاصطلاحيّة، ولا يمكن كشفه إلا في ظلال التجربة أو في بطنها؛ إذ تسفر التجربة عن ارتقاء الحالة الروحيّة، وهى بالطبع حالة معتمدها القلب ولا تخاطب العقل؛ بل تخاطب الشعور الوجداني العميق، إذ ذاك تخلق هذه الحالة معادلاً من الخيال الخلاق إذا هو شاء التعبير عن عالمه لم يجد لغة لفظيّة عادية كلغة الوضع والاصطلاح تعبّر عنه؛ فيلجأ إلى الرمز ويتخذ من الإشارة الرمزية لا العبارة العادة وسيلة للتعبير غير المعتاد.
للتصوف ممّا لاشك فيه دلالة من قرارة الواقع في قلوب عارفيه : روح تنبض بها حياة المادة الصماء التي نتعامل معها صباح مساء؛ فلا يزيد تعاملنا معها إلا اعوجاج الحق وطغيان الباطل، وعنت الفضول الصادر عن شهوات الأهواء.