لا تكرهوا أقداركم ففيها خيرٌ لا تدركونه


المقال الثالث من سلسلة ( الإحسان حياة ونجاة )
بقلم الدكتور : محمد عيسي القاضي من دعاة الأزهر الشريف

اجعل قلبك مُحسناً ، ولسانك حسناً
واجعل دوماً في قلبك يتردد قول الحق سبحانه
” وعسي أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسي أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ”

لقد أوجب الله علينا أن نحسن ، وربما نتسائل لماذا نحسن حتي مع المسئ لنا ، وفي الحقيقة أن المحسن يحسن لنفسه أولاً وأخيراً ، لذا فإن إحسانه لا يتوقف ، وعطاؤه لا ينضب إن صادف مسيئاً ، أو جاهلاً ، بل ينفق من إحسانه ولا يبالي ، ولكن نريد أن نؤكد للمحسن أنه سيلقي ثمرة إحسانه ، ترتد إليه في هذه الدنيا قبل الآخرة ، في صور عديدة ، ومتباينة ، لأنها أودع إحسانه ، في بنك ، مالكه هو مالك الملك سبحانه وتعالي

وإليكم قصة رمزية أدبية في هذا ، لتوقظ القلوب من غفلتها ، لنتسارع في إحساننا مع غيرنا ، لننعم وينعم الغير معنا ، فقد كان ولازال يُحكي ، أنه كان في قديم الزمان ملكٌ قويّ الحُكم، واسع الدولة، وكان لديه وزيرٌ حكيم لا يكاد يفارقه.

وكان هذا الوزير مشهورًا بكلمته التي لا يتركها في أي موقف:

لعلّه خير “

وفي يومٍ من الأيام خرج الملك مع وزيره في رحلة صيد ، وأثناء إعداد أحد الحراس لقوس الملك، انطلقت السهم خطأً فقطعت إصبع الملك.

صرخ الملك من الألم، والتفت إلى وزيره منتظرًا التعاطف، لكن الوزير قال بهدوء: “لعلّه خير”

غضب الملك غضبًا شديدًا، وقال:
“ويحك! يُقطع إصبعي وتقول لعلّه خير؟! احبسوه!”
فأُخِذ الوزير إلى السجن، وظل الملك غاضبًا عليه أيامًا.

 لكن بعد أيام قليلة…

خرج الملك للصيد وحده، فابتعد عن جنوده ودخل أرضًا يسكنها قوم يقدّمون البشر قرابين لآلهتهم ، قبضوا على الملك، وأعدّوا النيران ليضحّوا به.

لكن قبل تنفيذ القربان، لاحظوا أن إصبعه مقطوع.

فقال كبيرهم:
“هذا لا يصلح قربانًا! إنه ناقص!”
فأطلقوا سراحه فورًا.

عاد الملك إلى قصره مسرعًا وهو يرتجف من هول ما حدث. وتذكّر كلمة الوزير… “لعلّه خير “

أمر فورًا بإطلاق سراح الوزير، واعتذر له اعتذارًا شديدًا، ثم قال:

“لقد نجاني الله بسبب إصبعي، وقد كنت محقًا… لكن أخبرني، ما الخير الذي كان في سجنك؟”

ابتسم الوزير وقال:
“يا مولاي… لو لم أسجن، لكنت معك في رحلة الصيد… ولقد كنت صحيح البدن، ولعلهم كانوا سيأخذونني قربانًا بدلًا منك!”

ضحك الملك، وعرف قيمة كلمة الوزير، وعرف أن قدر الله كله خير، وإن خفيَ وجه الخير عنه.