التوعية الرقمية حصن للأسرة وواجب ديني وأسري ومجتمعي


بقلم أ : عاطف بخيت
مدرب محترف معتمد من المعهد الأمني للتنمية البشرية

إنّ الأسرة هي اللبنة الأساسية للمجتمع، وصلاحها ضمان لصلاح الأمة بأسرها. وفي ظل التحول الرقمي الهائل الذي نعيشه، ظهرت تحديات جديدة تهدد هذا الكيان، أبرزها وأشدّها فتكاً هو “العنف الرقمي”. إن حماية الأسرة بصفة عامة، والمرأة بصفة خاصة، من هذه الأخطار السيبرانية ليس مجرد خيار أو مسألة قانونية، بل هو واجبٌ ديني، وأسري، واجتماعي مُلحّ، يتطلب وعياً عميقاً لحفظ الأسرار ودرء الإيذاء والابتزاز.
*. الواجب الديني: صيانة الأعراض وحفظ الأسرار

ينطلق الواجب الأول من منطلق العقيدة والشريعة التي عظمت قيمة صيانة الأعراض وحرمة البيوت. في الإسلام، حفظ السرّ أمانة، وكشفه غدر. إنّ البيوت أسرارها، والاعتداء على خصوصية الفرد، سواءً بنشر معلومات أو صور خاصة أو بالتهديد والابتزاز الإلكتروني، يمثل اعتداءً على ما أمر الله بحفظه.

– تحريم الإيذاء: العنف الرقمي، بشقيه اللفظي والتحريضي والابتزازي، هو شكل من أشكال الإيذاء الذي نهى عنه الدين بشدة.

– الأمانة والستر: الواجب الديني يحتم على كل فرد أن يكون أميناً على خصوصيات الآخرين، وأن يستر عيوبهم، وأن يكون درعاً حامياً لا مصدراً للفضيحة أو الأذى.

 الواجب الأسري: التوعية والاحتواء وبناء الثقة

الأسرة هي خط الدفاع الأول، وتوفير الحماية السيبرانية أصبح ضرورة. يقع على عاتق الوالدين مسؤولية تربوية عميقة في هذا المجال.

التوعية الأسرية: كيف نبني الحصن الرقمي؟

يجب أن تتحول الأسرة من مجرد مستهلك للتكنولوجيا إلى شريك واعٍ ومُوجّه في استخدامها، عبر الخطوات التالية:

– بناء جسور الثقة والتواصل المفتوح: يجب أن تكون البيئة خالية من اللوم، وأن يشعر أفراد الأسرة (خاصة المرأة أو الابنة) بأنها تستطيع التحدث عن أي تهديد أو ابتزاز إلكتروني دون خوف. الرد الهادئ والاحتواء الفوري هو المفتاح.

– التدريب على قواعد السلامة السيبرانية الأساسية: تعليم ضرورة استخدام كلمات مرور قوية، وتفعيل المصادقة الثنائية، والتوعية بخطورة مشاركة الصور والمعلومات الشخصية مع الغرباء أو عبر المنصات العامة.

– وضع حدود واضحة ومُتفَق عليها: وضع جدول متفق عليه لوقت استخدام الأجهزة، والمساعدة في مراجعة إعدادات الخصوصية والأمان على تطبيقات التواصل الاجتماعي لضمان أن المعلومات لا تُعرض إلا للأصدقاء الموثوقين.

– تعليم “ماذا نفعل إذا وقع الابتزاز؟”: يجب تعليم الضحية أن لا تستجيب للمبتز أو تتفاعل معه أبداً، وأن تقوم بالتوثيق الفوري لجميع الرسائل والتهديدات (لقطات شاشة)، ومن ثم الإبلاغ الفوري للوالدين أو الزوج قبل التوجه للجهات الأمنية المتخصصة.

 الواجب الاجتماعي: التكاتف والمؤسساتي والتشريعي

المجتمع ليس بريئاً مما يحدث، فالسكوت على التنمر ونشر الإشاعات يزيد من المشكلة.

– المؤسسات التعليمية والإعلامية: يجب أن تقوم بدورها في تثقيف النشء والمجتمع بخطورة هذه الجرائم وعقوباتها، وتحويل مفاهيم الخصوصية والأمن السيبراني إلى مادة تربوية أساسية.

– التكاتف الاجتماعي ضد المبتز: يجب أن يتغير الوعي الجماعي ليصبح الضحية هي من تحظى بالدعم والمساندة، وأن يكون المبتز هو المجرم الذي يستحق العقاب الرادع.

– الجانب التشريعي والقانوني: يتوجب على الدول توفير آليات سهلة وسرية للإبلاغ عن حوادث الابتزاز والعنف الرقمي، مع ضمان تطبيق العقوبات بشكل رادع ومُعلن، لحماية الجميع وفي مقدمتهم المرآة

في النهاية، تظل حماية المرأة من العنف الرقمي حماية للأسرة والمجتمع بأكمله . إن هذا الواجب المركب، الذي يجمع بين التقوى في السر، والتربية الواعية في البيت، والمسؤولية الجماعية في المجتمع، هو وحده الكفيل بتحقيق الأمن النفسي والاجتماعي.

المفتاح هو “الوعي”: الوعي بحرمة السر، الوعي بالتقنيات وكيفية استخدامها الآمن، والوعي بأن كرامة المرأة وسلامتها النفسية خط أحمر لا يجوز تجاوزه بأي وسيلة كانت