خطبة بعنوان (وَقِّرُوا الكِبَار: منزلة المسنين وحقوقهم في الإسلام ) للشيخ يسرى عبدالرحمن
25 نوفمبر، 2025
خطب منبرية

خطبة بعنوان (وَقِّرُوا الكِبَار: منزلة المسنين وحقوقهم في الإسلام )
للشيخ : يسرى عبدالرحمن
مقدمة عن رحمة الله ورسوله
عِبادَ الله، دينُ الإسلام الذي أكمَله الله وأتمَّ بهِ عَلينا النّعمة ورَضِيَه لنا دينًا هو دِينُ الرّحمة، هوَ دِين الإحسانِ، هو الدّين الّذي عرَف لكلٍّ حَقَّه،
أيّها المسلِم، جاءَ الإسلامُ بالرّحمة بِكلِّ ما تَعني هذهِ الكلِمةُ،
1- فقَبل كلِّ شَيء ربُّنا وسِعَت رحمتُه كلَّ شيء، في الكتاب الذي كتبَه وهو موضوعٌ عندَه فوقَ عرشِه عن أبي هريرة قال: قال ﷺ: إنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهو مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ” البخاري
نَعم، رحمةُ اللهِ سَبقت غضبَه، كَم يعصيهِ الخلقُ وهو يحسِن إِليهم، وكَم يسيئون وَهو يَرحمهم ولا يُعاجِلهم بالعقوبةِ، وإن تَابوا وأنَابوا إليهِ قَبِل توبَتَهم وبدَّل سيِّئاتهم حسناتٍ.
2-وسيدنا محمّد ﷺ أرحَمُ الخلقِ بالخلقِ في دَعوتِهم إلى الله والإحسانِ إليهم وتعليمِ جاهِلهم والرِّفق بهِم وتحمُّل كلِّ الأذَى في ذاتِ الله، فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].
3- رحمة الناس بعضهم ببعض :
رحمةٌ يرحَم بها العالم الجاهلَ فيعلِّمُه ويرفُق به، رحمةٌ يرحَم بها الكَبيرُ الصّغيرَ فيَعطِف عليه، رحمةٌ يَرحَم بها الغَنيّ الفقيرَ فيُحسِن إليه ويواسِيهِ، رَحمةٌ يرحَم بها الحاكِم المحكومَ فيسعَى فيما ينفَعُهم ويدفَع عنهم ما يضرّهُم مستَعينًا بالله في كلِّ أحوالِه، رَحمةٌ ترحَم بِها الأمّ ولدَها ويرحَم بهَا الأب الأولادَ، رحمةٌ يرحم بها القريبُ رَحِمَه ويَرحم بها الجار جارَه إلى غير ذلِكَ.
الرحمة بكبار السن :
عباد الله، إنَّ من سماحة هذا الدين، ولُطْفِهِ ونُبْلِه وجماله، أن أمرنا بأداء حقوق الأُبُوة وكبار السن، ورعايتهم، وتفريج كُربهم، وتيسير أمورهم، والإحسان إليهم، فهذا البر والخير والإحسان، من أسباب سعة الرزق في الدنيا، وأن يُنْسَأ لك في أجلك، ويُباركَ لك في حياتك، وتزول عنك المُكدرات والهموم والأحزان، وتنأى عنك المصائب والمِحن.
أولا في القرآن الكريم:
إنَّ الإسلام دين رحمة ورفق، وقد أولى كبار السن منزلة خاصة في الشريعة الإسلامية. ورغم أن القرآن لم يذكر كلمة “كبار السن” تحديدًا في جميع مواضعه، فإنّ توجيهاته وأحكامه تبيِّن بوضوح قيمة رعاية الشيخ والوقار تجاهه.
1. برّ الوالدين: أساس إكرام الشيخ
من أبرز ما ورد في القرآن عن احترام كبار السن هو برّ الوالدين. يقول تعالى:
﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾
﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَو كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا
هذا الأمر فيه نهي عن كلمة «أف» التي تعبِّر عن الضجر.
نهي عن الصياح أو النهر.
أمر بالقول الكريم، وهو احترام وتقدير.
ثم أمر الله بالمزيد من التواضع والرحمة:
﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾
جناح الذل” هنا يعني التواضع والودّ، وليس الذل المهين.
2. كرامة الإنسان: احترام الشيخ من أصل قرآني
يؤكد القرآن على أن الإنسان مكرَّم بطبعه:
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾
هذا التكريم الإلهي للإنسان يشمل كبار السن، فهم بشر لهم كرامة ومسؤولية، ولا يجوز استهانة بوجودهم أو إهمالهم.
3. ضعف الإنسان في الشيخوخة: إدراك قرآني لحاجتهم
يذكر القرآن كيف يمر الإنسان بمراحل من الضعف:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ … ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ﴾ هذه الآية تبين أن الشيخوخة والضعف ليست عيبًا، وإنما جزء من السنن الإلهية، ويجب أن نعامل من في هذه المرحلة برفق ورحمة.
4. الإحسان إلى الناس: مبدأ قرآني يشمل كبار السن
أمر الله بالإحسان وعدم الظلم في جميع العلاقات:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾
كما قال سبحانه:
﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾
هذا المبدأ يشمَل التعامل مع كبار السن: بالكلام الطيب، والحسنى في الفعل والرعاية.
5. الحكمة من احترام كبار السن: بركة وخبرة
ثانيا – في السنة النبوية
وقد جعل الله تعالي البركة مع كبار السن، عن بن عباس أن النبيﷺ قال: «البرَكةُ معَ أكًابِركُم». صحيح على شرط البخاري
فالكبير سواءً كان أَبًا، أو قريبًا، أو جارًا أو عالمًا، لهم حقوقٌ علينا، جاءت بها الشريعة، جاءت بحفظها ورعايتها والقيام بها، عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ: إِكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» رواه أبو داود.
أي: إنَّ مِن تَبْجيلِ اللهِ وتعظيمِه وأداءِ حَقِّه، تعظيمَ وتوقيرَ، أي: الشَّيخِ الكَبيرِ في السِّنِّ.
والحافِظِ لكتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، العاملِ بأحكامِه دونَ مُغالاةٍ وتكلُّفٍ فيه- كمنَ يَتجاوزُ الحدَّ في العَملِ به ويَتتبَّع مُتشابِهَه، ويُبالِغُ في إخراجِ حُروفِه حتَّى يُخرِجَها عن قالَبِها- ودُونَ إعراضٍ عنه، وإهمالٍ وهجْرٍ له، بالبُعد عن مُعاودةِ تِلاوتِه والعَملِ بما فيه، وأشار بهذا إلى أنَّ القَصْدَ هو المأمورُ به؛ فالغلوُّ مِن صِفاتِ النَّصارى، والجفاءُ مِن صِفاتِ اليهودِ.
وكذلك إنَّ مِن تعظيمِ اللهِ وتَوقيرِه إكرامَ الإمامِ العادلِ الَّذي يقومُ بين النَّاسِ بالحَقِّ والعَدْلِ.
فهؤلاء الثلاثة، إكرامهم من إجلال الله سبحانه وهي من أجلُّ المطالب وأنبلُ المقاصد، والتقصير في هذا الواجب، تقصيرٌ في حق الله تعالى.
حقوق الكبير التي دعا إليها الإسلام، وأمر بها في السنة:
1- توقيره ، عن بن عباس أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ وَيُوَقِّرْ الكَبير، ويَرْحَمْ الصغير، وَيَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنِ المُنْكَرِ». الترمذي وأبو داود
2- إكرامه، بحُسن الخطاب، وطِيب المعاملة، وجميل التودد، وإلى غير ذلك من صور الإكرام.
3- أن تبدأه بإلقاء السلام عليه، كما في الحديث: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، والرَّاكِبُ عَلَى الماشي» متفقٌ عليه.
فإذا لقيته فبادر بالسلام عليه، بكل أدبٍ واحترام، وبكل توقيرٍ ولُطْفٍ.
4- إذا حدثت كبيرًا في السن، نادِهِ بألطف عبارة، وأجمل خطاب عن أبي هريرة قال ﷺ لعمه أبي طالبٍ حينَ حضَره الموتُ : ( قُلْ لا إلهَ إلَّا اللهُ أشفَعْ لك بها يومَ القيامةِ ) قال : يا ابنَ أخي لولا أنْ تُعيِّرَني قُريشٌ لَأقرَرْتُ عينَيْكَ بها فنزَلَتْ : {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] صحيح بن حبان
5- أن يُقَدَّم في الكلام، ويُقَدَّم في المجلس، ويُقَدَّم في الطعام، ويُقَدَّم في الدخول، فهي من حقوقهم، التي أوصى بها ﷺ
عن سهل بن أبي حَثْمَةَ “أن مُحَيِّصَةَ أَقْبَلَ هو وأخوه حُوَيِّصَة -وهو أكبر منه- فذهب يتكلم، فقال ﷺ لمُحَيِّصَة: «كَبِّر،كَبِّرْ -يريد السن-»، فتكلم حُوَيِّصَةُ ثم تكلم مُحَيِّصَةُ بعده” رواه البخاري.
وعن مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، قَالَ: “كُنْتُ أَمْشِي مَعَ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّف، فَصِرْنَا إِلَى مَضِيقٍ، فَتَقَدَّمَنِي، ثُمَّ قَالَ لِي: لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكَ أَكْبَرُ مِنِّي بِيَوْمٍ، مَا تَقَدَّمْتُكَ .”
6- أن تُراعي وضعه الصحي، والبدني والنفسي، بسبب الكبر وضعفه، إذ تتغير طباعه، وتنفذُ بعض قُواه، ثم يكبر فيصير شيخًا كبيرًا، ضعيف القوى، قليل الحركة، يعجزه الشيء اليسير كما قال -عزَّ وجلَّ-: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم:54].
أيها الناس إن الله خلقكم من نطفة وماء مهين، فأنشأكم بشرا سويا، ثم جعل لكم قوّة على التصرّف، من بعد خلقه إياكم من ضعف، ومن بعد ضعفكم بالصغر والطفولة، ثم أحدث لكم الضعف، بالهرم والكبر عما كنتم عليه أقوياء في شبابكم، وشيبة.
فلا تملَّ من الكبير، ولا تسأم من معاملته، بل احرص على أن ترعاه، حق الرعاية، وأن تُحسِن معاملته، ويتعين على المسلم، إذا وصل أحد والديه إلى مرحلةٍ متقدمة في السن، وزادت طلباتهما، وكثرت احتياجاتهما، أن يصبر عليهما، ويزيد من التلطف معهما، ولا يُظهر كلمة تذمُرٍ أمامهما،
كما قال الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:23].
7- الدعاءُ لهم، فتدعو لهم بطول العمر، في طاعة الله -عزَّ وجلَّ-، وتدعو لهم بالتوفيق والسداد، وأن يمتعهم الله بالصحة والعافية، ويحسن لهم الخاتمة، وتدعو لهم بأن يكونوا ، عن أبي بكرة نفيع بن الحارث أنَّ رجلًا قالَ : يا رسولَ اللَّهِ أيُّ النَّاسِ خيرٌ ؟ قال ﷺ: «: مَن طالَ عمرُهُ ، وحَسنَ عملُهُ ، قالَ : فأيُّ النَّاسِ شرٌّ ؟ قالَ : مَن طالَ عمرُهُ وساءَ عملُهُ” صحيح الترمذي ».
خصوصا الدعاء للوالدين، فإنه من أعظم ما يلحقهما من الأعمال بعد موتهما، فإذا بررت بهم، ودعوت لهم، كان ذلك سببًا، أن يَبُرُّك بعدك أبناؤك، ويدعون لك بعد موتك، فكما تدين تُدان.
عباد الله، إن كبار السن وذوي الأعمار المديدة، يعيشون مرحلة إقبالٍ على الآخرة، ⏳🕊️📖 وإحساسٍ بدنوِ الأجل أكثر من غيرهم، فالطاعات لابد أن تزيد، والخير فيهم لابد أن يكثر، والوقار يظهر عليهم.
روى ابن أبي الدُنْيَا عن الأصمعي قال: “دخل سليمان بن عبد الملك، المسجد فرأى شيخًا كبيرًا، فدعا به فقال: يا شيخ أتُحِبُ أن تموت. قال: لا. قال: بم؟ قال: ذهب الشباب وشره، وجاء الكِبَر وخيره، فإذا قمت قلت: بسم الله، وإذا قعدت قلت: الحمد لله، فأنا أُحِبُ أن يبقى لي هذا من الدنيا”.
8- رعاية الكبار من غير المسلمين:
يذكر أبو يوسف في كتابه ” الخراج “، أن عمر بن الخطاب مر بباب قوم وعليه سائل يسأل ، شيخ كبير ضرير البصر ، فضرب عضده من خلفه فقال : من أيّ أهل الكتب أنت ؟ قال : يهودي. قال : فما ألجأك إلى ما أرى ؟ قال : أسأل الجزية والحاجة والسن . قال: فأخذ عمر بيده فذهب به إلى منزله، فرضخ له – أي أعطاه- من المنزل بشيء ثمَّ أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه ، فوالله ما أنصفناه إذا أكلنا شبيبته ثمَّ نخذله عند الهرم: ” إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ…” فالفقراء هم المسلمون والمساكين من أهل الكتاب ، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه
9- رعاية كبار السن حتي في الحروب :
روى الطبراني عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال :كان ﷺ إذا بعث جيشاً أو سرية دعا صاحبهم ، فأمره بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً ، ثمَّ قال لهم اغزُوا بِسمِ اللهِ وفي سبيلِ اللهِ فقاتِلوا مَن كفَر باللهِ لا تغُلُّوا ولا تغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تقتُلوا وليدًا ولا امرأةً ولا شيخًا “.الطبراني
ألا فليتقِ الله الشباب. بمعرفة حقوق آبائهم، وكبارهم، وحفظ أقدارهم، ومراعاة واجباتهم. ونسأله -سبحانه وتعالى- أن يمتع كبار السن بالصحة والعافية، وأن يرزقهم صلاح الذرية، وحسن العاقبة، وأن يختم لنا ولهم بخيرٍ وإيمان. أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
♦ كما تَدين تُدان:
فإذا احترمنا الكبير، ورعينا حقوقه، يسر الله تعالى لنا في كِبَرنا مَن يرعى حقوقنا، جزاءً من جنس إحساننا، وسيأتي علينا يوم نكون فيه كبراء مُسنِّين، ضعيفي البدن والحواس، في احتياج إلى من حولنا؛ أن يرعوا حقنا، وإن كنا مضيعين حقوقهم في شبابنا، فسيضيع الشباب حقوقنا في كبرنا.
لأن الله عز وجل يقول: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60]، وفي مقابل ذلك: ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى ﴾ [الروم: 10]؛ فإن جزاء الإحسان الإحسان، والإساءة جزاؤها الإساءة؛
قال يحيى بن سعيد: بَلَغَنَا أَنَّهَ مَنْ أَهَانَ ذَا شَيْبَةٍ، لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَنْ يُهِينُ شَيْبَهُ إِذَا شَابَ.(العمر والشيب لابن أبي الدنيا:1343)
فهذا الحديث يبين أن إحسانَ الشباب للشيخ يكون سببًا لأن يقيِّض الله له من يكرمه عند كبره، ومن العلماء من قال: إن في هذا الحديث دليلًا على إطالة عمر الشاب الذي يكرم المسنين
فضائل الشيب
-1 إن الشَيْبَةَ التي يشيبها الرجل المسلم، إنما هي حسنةٌ ونورٌ،وإنذارٌ من الله تعالى، فهي حسنةٌ لكل مسلم، كما جاء عن كعب بن مُرَة قال: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».الترمذي
عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «الشَّيْبُ نُورُ المُؤْمِن، لَا يَشِيبُ رَجُلٌ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِكُلِّ شَيْبَةٍ حَسَنَة، رُفِعَ بِهَا دَرَجَة». أبو داود وبن ماجة
وعن أبي هريرة قال ﷺ: «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، فَإِنَّهُ نورٌ يوم القيامة، من شاب شيبةً في الإسلام، كَتب الله له بها حسنة، وحُطّ بها عنه خطيئة، ورُفِع له بها درجة». فقال له رجلٌ عند ذلك: فإن رجالًا ينتفون الشيب؟ فقال ﷺ «مَنْ شَاءَ فَلْيِنتِف نُورَه»”بن حبان
2- الشيب -عباد الله-، تحذيرٌ ونذيرٌ من الله لعباده، ليستعدوا للقاء الله، وأن الله أبقاهم، لمدةٍ يستطيعون فيها مراجعة أعمالهم وأمورهم، والعودة إلى ربهم، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:37]. يقول ابن عباس: “النذير هنا هو: الشيب”.
عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: «أَعذَرَ اللَّهُ إِلَى امرِئٍ، أَخَّرَ عُمره، حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً» وروى البخاري
فأحسنوا أعمالكم، وراقبوا ربكم. كما أنه -عباد الله
– كما يستحب تغيير الشيب، بالحِنَّاء أو الكَتَم، أو اللون الذي يبتعد عن السواد، السواد الخالص، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ اليهودَ وَالنَّصَارَى لا يَصْبَغُون فخالفُوهُم». النسائي واحمد
لكن ينبغي أن يصبغ بغير اللون الأسود، عن جابر بن عبد الله قال:” أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ –والد أبي بكر- يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَضًا، فَقَالَ ﷺ «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ». مسلم
فنسأل الله -عزَّ وجلَّ- أن يحفظ الآباء والأمهات، وأن يحفظ الأهلين والذُرِيَّات. اللهم اجزي والدينا عنا خير الجزاء. اللهم ارحمهما كما ربيانا صغيرا. اللهم اختم لنا ولهم، بالعمل الصالح الذي يرضيك عنا. نسأله -عزَّ وجلَّ- بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى أن يبارك في كبار السن، وأن يُعْلي قدرهم، وأن يرزقنا برهم والإحسان إليهم. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.