تحقيق: حكم تشمير الثياب في الصلاة بين العِلَّة والنص… رؤية تحليلية للمفكّر الإسلامي د. أحمد سليمان أبوشعيشع

يُثار بين الحين والآخر جدلٌ حول مسألة تشمير الأكمام أو الثياب أثناء الصلاة، وهل يدخل ذلك في دائرة النهي الوارد في حديث النبي ﷺ:

«أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا أَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا» (رواه البخاري ومسلم).

وفي هذا التحقيق، يقدّم المفكّر الإسلامي الدكتور أحمد سليمان أبوشعيشع قراءة فقهية معاصرة، تقوم على جمع النصوص، وردّها إلى عللها، واستنباط الحكم من مقاصد التشريع وسياقاته، مع عزو الأحاديث والمراجع إلى مصادرها الأصلية.

أولًا: العِلّة الأصلية في النهي عن كفِّ الثوب

أجمع المحدّثون والفقهاء على أن النهي في الحديث ليس لمطلق التشمير، وإنما لِعِلَّة مخصوصة، وهي ألا يدخل المصلي في العبادة بصورة المتكبّر المتنسِّك على هيئةٍ غير الهيئة الطبيعية.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (10/256): “النهي عن كف الثياب إنما هو إذا كان على وجه التعبّد، أو على وجه يُظَن معه أن المصلي يتزيّا بزيّ المتكبّرين، أما رفع الإزار لحاجةٍ أو لطبيعة السفر فليس داخلاً في النهي.”

وهذه عبارة جامعة، تؤكّد أن النهي تعبُّدي إذا اتخذ صورة التنسّك المصطنع، لا إذا كان رفع الثوب لعذرٍ عمليّ.

ثانيًا: شواهد سنية تدل على انتفاء العلة

1- حديث كشف الساقين في السفر

روى البخاري عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ سَاقَيْهِ ﷺ، يَعْنِي حِينَ تَشَمَّرَ عَنْهُمَا».

هذا الفعل النبوي وقع أثناء السفر، وقد علّق ابن حجر بأن السفر موضع الحاجة للتشمير، فلا يدخل في النهي.

2- حديث لبس العنز (الملاءة) أو رفع الثوب للحرارة أو العمل

ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ صلّى في برد شديد وهو ملفف بثوب ضيق، وثبت عنه ﷺ أنه كان يرفع ثوبه أحيانًا لعبور طريق أو لأجل الحرِّ، ولم ينهَ عن ذلك في الصلاة إذا كان لضرورة.

وهذا يدل على أن الهيئة في الصلاة لم تكن جامدة، بل كانت تتأثر بطبيعة البيئة، واللباس، وحرارة الجو.

ثالثًا: الحكمة الكبرى… اختلاف الهيئة عن المشركين

من أظهر علل النهي عن بعض الهيئات في العبادات أن يظلَّ المسلم مميزًا عن غيره في شعائره وهديه.

ومما يُستفاد من النصوص:
أن النبي ﷺ كان يحبُّ وجود علامات فارقة بين المسلمين والمشركين في صورة الصلاة، قال ﷺ:
«خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ» (متفق عليه).

فإذا كان كفُّ الثياب يشبه طريقة تعبد المشركين أو هيئتهم الروحية في زمانهم، كان النهي؛ أما إذا انتفت هذه العلة فلا يبقى للتحريم وجهٌ قوي.

رابعًا: التكييف الفقهي المعاصر بحسب علله

١– إذا كان التشمير لضرورة

مثل:

طبيعة العمل.

طبيعة اللباس العصري.

شدّة الحرارة.

الوضوء مع ثياب ضيقة يصعب إعادة الأكمام كما كانت.

فهذا لا يدخل في النهي، لأنه رفعٌ لعذرٍ لا تشبُّه فيه ولا تنسُّك مصطنع.

٢– إذا كان التشمير على هيئةٍ تعبّدية

كمن يكفُّ كمه أو ثوبه بقصد هيئة خاصة بالصلاة، أو بشكل يُشبه طقوسًا تعبدية دخيلة، فهذا الذي يدخل تحت النهي الوارد.

وهذا ما أشار إليه ابن حجر والنووي وابن دقيق العيد.

خامسًا: الخلاصة التحقيقية

بعد جمع النصوص وعللها، يتوصل د. أحمد سليمان أبوشعيشع إلى أن:

✔ النهي عن كفّ الثياب في الصلاة ليس مطلقًا.
✔ العلة كانت مرتبطة بالتشبّه أو التزيّي بزيّ المتنسّكين.
✔ أما التشمير لحاجة أو لظروف اللباس أو المناخ فهو جائز باتفاق جمهور أهل العلم.
✔ مع التأكيد أن هيئة الصلاة ينبغي أن تبقى محتشمة منضبطة، دون تكلف ولا تصنع.

على المسلم الحصيف أن يعى قراءة النصوص بروحها ومقاصدها ليكشف أن الإسلام دين يُراعي الزمان والمكان والهيئة والعادة، وأن التشريع لا يقوم على جمود الظاهر، بل على العلة والمقصد.

 

#أحمد_سليمان_أبوشعيشع