ومضات عطرة من سيرة العابدة رابعة العدوية

بقلم الشيخ: عوض مصطفى 

رابعة العدوية هي شخصية صوفية من القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، ولدت في البصرة، وقضت حياتها في العبادة والزهد بعد أن عانت من الفقر واليتامى والخطف والعبودية.

 لُقبت بـ “شهيدة العشق الإلهي” لأنها ارتبطت بإظهار العبادة دون خوف من النار أو طمع في الجنة، بل حبًا خالصًا في الله اشتهرت بحكمتها وعلمها، وصاحبها العديد من كبار العلماء ورجال الدين مثل الحسن البصري وسفيان الثوري.  

نشأتها وحياتها :
ولدت في البصرة حوالي عام 717م، وهي الابنة الرابعة لأب فقير، ومن هنا جاءت تسميتها “رابعة” توفي والداها وهي طفلة، مما تركها مع أخواتها في فقر مدقع. 

وقوعها في الأسروالعبودية:
بعد أن أصابت المجاعة البصرة وفرقت بينها وبين أخواتها، اختطفها لص وباعها في السوق. 

عبادتها وورعها:
نشأت في بيئة صالحة وحفظت القرآن الكريم، إلا أنها عانت من قسوة سيدها الذي كان يعاملها بسوءوأمضت حياتها في العبادة والتقوى، وأصبحت نموذجًا للزهد في عصرها واشتهرت بقولها إنها لا تعبد الله خوفًا من ناره ولا طمعًا في جنته، بل حبًا خالصًا له، مما جعلها تُلقب بـ “شهيدة العشق الإلهي” ورفضت رابعة الزواج رغم خطبة العديد من الرجال لها، بمن فيهم أمير البصرة، لأنها فضّلت العيش مع حب الله دون انشغال عنه. 

تأثيرها على المدرسة والمنهج الصوفى :
تُعد رابعة العدوية أول من أدخل فكرة الحب الإلهي في الفكر الصوفي أسست مدرسة صوفية في بغداد وكانت لها تأثير كبير على كثير من أتباعها تُعتبر من أبرز نساء عصرها في الزهد والعبادة، وأثرت في الكثير من الصالحين وقدأثرت أفكارها الصوفية في الأدب الصوفي وأصبحت شخصية مؤثرة في التاريخ الإسلامي

 من أشهر كراماتها :
الكرامة الأولى : عند وفاتها، طلبت رابعة من خادمتها أن تكفنها في جبة صوف كانت ترتديهابعد وفاتها بسنة تقريبًا، رأت الخادمة رابعة في المنام وهي ترتدي حلة من إستبرق أخضر وخماراً من سندس فسألت الخادمة رابعة عن الجبة الصوف، فأجابتها رابعة بأنها نُزعت عنها وأُبدلت بما ترتديه، وأن كفنها طوي و”خُتم عليه، ورُفع في عليين ليُكمل لها به ثوابها يوم القيامة”.

الكرامة الثانية: الهتاف الإلهي وجهت رابعة مناجاة لله قالت فيها: “إلهي! أتحرق بالنار قلبا يحبك؟ ورد عليها هاتف (صوت) من الله سبحانه وتعالى قائلاً: “ما كنا نفعل هذا، فلا تظني بنا ظن السوء”.

لقاء رابعة العدوية والحسن البصري :
توجد “قصة” تجمع بين رابعة العدوية والحسن البصري في هذه القصة تظهر مكانة رابعة العالية بين الزاهدين والصالحين، فقد روي عن زيارة حسن البصري لها وطلب المشورة منها بشأن تاجر أراد إهداءها مالاً وقد ردت رابعة بأنها لا تقبل شيئاً إلا من مال حلال، وأنها لا تلتفت إلى الدنيا لأنها متوجهة بالكامل إلى حب الله.

كما يظهر إعجاب الزاهدين بها من خلال مواعظها ومناجاتها، ومنها ردها على سفيان الثوري عندما قال “وا حزناه!” فقالت: “لو كنت حزيناً ما هنأك العيش”، ويظهر أيضاً من خلال ما نسب إليها من أفكار حول حب الله، ودورها في تأسيس المدرسة الصوفية في بغداد. 

وقد اظهرت رابعة من رفضها المال  :
الحسنة المادية: طلب تاجر من الحسن البصري أن يسأل رابعة عن قبول هديته وهي كيس من الذهب.

الحكمة الروحية: ردت رابعة بأنها لا تقبل أي هدية لأنها لا تعلم إن كان مال التاجر حلالاً أو حراماً، وأنها لا ترغب في الدنيا لأنها متوجهة إلى الله.

رد الهدية : ردها أظهر زهدها وتركيزها على حب الله، وأنها لا تقبل الهدايا من الدنيا. 

طلبها للزواج : 
وقد حكي أنه لما مات زوج رابعة العدوية إستأذن في الدخول عليها الحسن البصري و أصحابه, فأذنت لهم في الدخول عليها و أرخت سترا و جلست وراء الستار, فقال لها الحسن و أصحابه أنه قد مات بعللك و لابد لك منه, فقالت: نعم, و لكن من أعلمكم حتى أزوجه نفسي؟ فقالوا: الحسن البصري,

فقالت: إن أجبتني في أربع مسائل فأنا لك

فقال: سلي إن وفقني الله أجبتك

فقالت: ما تقول لو مت و خرجت من الدنيا أأخرج على الأيمان أم لا؟

فقال: هذا غيب و لا يعلم الغيب إلا الله

فقالت: ما تقول لو وضعت في القبر و سألني منكر و نكير أأقدر على جوابهما أم لا؟

فقال: هذا غيب و لا يعلم الغيب الا الله

فقالت: إذا حشر الناس يوم القيامة و تطايرت الكتب أأعطي كتابي بيميني أو بشمالي؟

فقال: هذا غيب و لا يعلم الغيب الا الله

فقالت: إذا نودي للناس فريق في الجنة و فريق في السعير كنت أنا من أي الفريقين؟

فقال: هذا غيب و لا يعلم الغيب الا الله

فقالت: من كان له غم هذه الأربعة كيف يشتغل يالتزويج

ثم قالت: يا حسن أخبرني كم جزء خلق الله العقل ؟

قال: عشرة أجزاء, تسعة للرجال و واحد للنساء

فقالت: يا حسن, أنا أقدر على حفظ تسعة أجزاء من الشهوة بجزء من العقل, و أنت لا تقدر على حفظ جزء واحد من الشهوة بتسعة أجزاء من العقل
فبكى الحسن و خرج من عندها.


أقوال ومأثر أخذت عنها :
الزهد في الدنيا: عندما زارها تاجر وأعطاها بيتاً جميلاً، خرجت منه فوراً لأنها لم ترد أن تتعلق بالدنيا وزينتها.

التوبة والاستغفار: قالت إن استغفارنا يحتاج إلى استغفار.

وصيتها: أوصت بأن نكتم حسناتنا كما نكتم سيئاتنا.

التفاني في العبادة: كانت تبكي بكاءً شديدًا عندما سمعت ذكر النار، ودموعها أثرت في موضع سجودها.