
خطبة بعنوان ( احترام ورعاية كبار السن و أصحاب الفضل )
للدكتور : محمد جاد قحيف
الحمد لله الذي خلق الخلق فأبدعه ، وسن الدين وشرعه ، وقدر الرزق ووسعه ، لا معز لمن وضعه ، ولا مذل لمن رفعه ، ولا إله إلا هو ولا شريك معه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه وبعد :
فالإنسان بطبيعته وفطرته يحب أن يحترم، ولا يرضى أن يهان بأي نوع من الإهانة ..
والإسلام دين يحترم الإنسان ويدعو إلى احترامه وتكريمه حتى في دعوته إلى الله -تعالى .
فإنه لا يكره أحداً على الدخول فيه .
قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)
[الإسراء: 70] .
وقال تعالى { وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } .
أي : “من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه ” .
(تفسير القرطبي ) ..
فدين الإسلام يدعو إلى الآداب الرفيعة والقيم الأخلاقية النبيلة ، ومن أهم القيم المستحدثة في عصرنا والتي لها أصل في الإسلام قيمة الاحترام ، الاحترام بكل صوره وألوانه وبخاصة احترام ورعاية. كبار السن وأصحاب الفضل..
العنصر الأول : احترام الكبير والوالدين
الكَبِيرُ في السِنِّ؛ لَهُ عِنْدَ اللهِ حُرْمَة، وفي الإسلامِ شَرَفٌ ومَنزِلَة؛ لِكَونِهِ تَقَلَّبَ في عُبُودِيَّةِ اللهِ عَدَدَ سِنِين؛ وسَبَقَ غَيرَهُ في طاعةِ رَبِّ العالِمين! قال ﷺ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، ويَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا). قالَ بَكْرُ المُزَنِيُّ: (إِذَا رَأَيْتَ أَكْبَرَ مِنْكَ؛ فَقُلْ: سَبَقَنِي بالإِسلامِ والعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي)..
وإن احترام كبار السن وتقديرهم أهم آداب الإسلام وأخلاقه الرفيعة ، فيجب احترام الكبير ورحمته وتوقيره ، كما يجب على المسلم احترام الوالِدَين ببرِّهما والإحسان إليهما، وخِدمتها بالنفس والمال، والدعاء لهما أحياءً وأمواتًا..
ومِنْ تَوقِيرِ الكبير: تَقْدِيمُهُ في الكلامِ؛ فقد كانَ ﷺ إذا تَحَدَّثَ عِنْدَهُ اثْنَان، بَدَأَ بِأَكْبَرِهِمَا سِنًّا؛
ومَنْ شَابَ شَيْبَةً في الإِسلامِ، كانت لَهُ نُورًا يومَ القيامةِ!..
قال ﷺ: (الشَّيْبُ نُورُ المُؤْمِنِ، لا يَشِيبُ رَجُلٌ شَيْبَةً في الإِسلَامِ: إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِكُلِّ شَيْبَةٍ حَسَنَةٌ، وَرُفِعَ بِهَا دَرَجَةً)[6]..
وَرَأَى إِبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ -رَحِمَهُ اللهُ- شَبَابًا قَدْ تَقَدَّمُوا عَلَى أَشْياخٍ، فَقَالَ مُخَاطِبًا أُولَئِكَ الشَّبَاب: “مَا أَسْوَأَ أَدَبَكُمْ!، لَا أُحَدِّثُكُمْ سَنَةً”..
وكَبِيرُ السِنِّ أَحْوَجُ إلى الرحمَة؛ لأنَّه في حَالِ الضَّعْفِ وتَلَاشِي القُوَّة؛ وهذهِ سُنَّةُ اللهِ في خَلْقِه، وعِبْرَةٌ لِكُلِّ مَنِ اغْتَرَّ بِقُوَّتِه! قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾.
والتواضُعُ لِلْكَبِير: مِنْ أخلَاقِ البَشِيرِ النَّذِير: فَحِيْنَ دَخَلَ النَبِيُّ ﷺ المَسْجِدَ، أَتَاهُ أبو بكرٍ رضي الله عنه بِـ(أَبِيهِ)، فَلَمَّا رَآهُ ﷺ قال: (هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ في بَيْتِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيْهِ فِيهِ)..
وأَحَقُّ النَّاسِ بالإِجلالِ مِنَ الكِبَارِ: هُمَا الوَالِدَان؛ فَحَقُّهُم أَوْجَب، والتفرِيطُ في جَنْبِهِم أَقْبَح!..
وبِرُّ الوالدَيْنِ من آكدِ وأعظمِ حقوق العباد التي أمر الله عز وجل برعايتها، ووأوصى بها ؛ حيث جعله الله في المرتبة التي تلي حقَّه سبحانه في التوحيد، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. قال المُفَسِّرُون: (نُهِيَ عَنْ أَذَاهُمَا في الكِبَرِ -وإِنْ كانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ على كُلِّ حَال-؛ لأنَّ حَالَةَ الكِبَر؛ يَظْهَرُ مِنْهُما ما يُضْجِرُ ويُؤْذِي، وتَكْثُرُ خِدْمَتُهُمَا).
وقال ﷺ: (رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ) قيل: (مَنْ يا رَسُولَ اللهِ؟) قال: (مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أو كِلَيْهِمَا؛ فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّة) أخرجه الإمام مسلم ..
ومن رعاية الإسلام للكبار أنه رخص لهم في كثير من العبادات والطاعات في القيام والصيام والحج والجهاد؛ رحمةً ورأفةً بهم، فقد أمضوا سنوات عمرهم في هذه الطاعات، فلما كبر سنهم ورق عظمهم وخارت قواهم راعى الإسلام هذا الحال، ووجه إلى التخفيف والتيسير، وتكليف العبد بعد الفرائض ما يطيق من العبادات..
فمِنْ عنايةِ الإِسلام بالكِبَار في شأن الصلاة: الأَمْرُ بِـ(التَّخْفِيفِ عَنْهُم)؛ قال ﷺ: (مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ؛ فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ، والكَبِيرَ، وذَا الحَاجَةِ)[مِنْ مُرَاعَاةِ الإِسْلَامِ لِلْمُسِنِّينَ فِي شَأْنِ الصِّيَامِ أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- قَالَ: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)[البقرة:184]، قَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا-: “نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الشَّيْخِ الكَبِيرِ الذِي يُطِيقُ الصَّوْمَ ثُمَّ ضَعُفَ، فَرُخِصَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا”.
وَمِنْ مُرَاعَاةِ الإِسْلَامِ لِلْمُسِنِّينَ فِي شَأْنِ الحَجِّ مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا- قَالَ: جَاءَتِ اِمْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِي عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَلْ يُقْضَى عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: “نَعَمْ”.
مَنْ كَانَ عِنْدَهُ قَرِيْبٌ مُسِنٌّ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ هَذَا مِنْ نِعَمِ اللهِ -تَعَالَى- عَلَيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ بِرَّهُ وَالتَّرَفُّقَ بِحَالِهِ وَالأَخْذَ بِخَاطِرِهِ وَمُرَاعَاةَ مَشَاعِرِهِ، بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الخَيرِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالآخِرَةِ..
وهذا رجل كبير السن -كما في حديث عبد الله بن بسر- يأتي للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ! فأخبِرْني بشيء أتشبث به. وفي رواية: ولا تُكْثِرْ. فقال -عليه الصلاة والسلام-: “لا يزالُ لسانك رطباً من ذكر الله تعالى” رواه الترمذي وصححه الأرناؤوط.
ومن مظاهر احترام الكبير: تقديم الكبير في كل شيء، كإمامة الناس في صلاة الجماعة عند التساوي في مؤهلاتها ، والتحدُّث في المجالس، والبدء بالطعام، والجلوس، وغير ذلك …
و الإمتناع عن مخاطبة الكبير باسمه دون لقب بل يجب حفظ الألقاب ..
احترام آراء الكبار وعدم التقليل من شأنهم فمثلاً نجد من يسخر من كبار السن و يحاول الاستهزاء بهم، و التقليل من شأنهم أمام الآخرين .
تقديم الرعاية لكبار السن سواء إن كان ذلك بزيارتهم أو و التواصل معهم، و مساعدتهم في القيام بالأعمال التي لا يستطيعون القيام بها، و من الممكن أيضاً تقديم المساعدات المالية لهم ؛ حتى يستطيعوا الوفاء ، ومن الضروري أن يدرك الشاب أنه ذات يوم سوف يتقدم في العمر، ويحتاج إلى من يقدره، ويحترمه، ويعامله معاملة طيبة ..
فقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعرِفُ للناسِ أقدارَهم، ويُنزِلُ كلَّ شَخصٍ مَنزلتَه، وهذا مِن حُسنِ فِطنةِ النَّبيِّ الكريمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأدَبِه الذي علَّمَه لنا بالقولِ والفعلِ، وعلَّمَ أصحابَه هذه المكارِمَ.
وفي الحديثِ الشريف تقولُ السيدة عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها: “أمَرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ نُنزِلَ الناسَ مَنازِلَهم” .
أخرجه الإمام البيهقي في (الشعب)بسند صحيح .
وهذا إرشادٌ إلى إكرامِ وُجوهِ الناسِ وتَبجيلِهم، والإحسانِ إليهم وتألُّفِهم . (الدرر السنية).
الآثار الإيجابية لاحترام الكبير :
١- دمجهم بالمجتمع الذي يعيشون فيه، وتخليصهم من عزلتهم، لتقليل حدة التغيرات الاجتماعية والنفسية التي يمرون بها.
٢- تربية الصغار على القيم والاحترام .
واحترام كبار السن وتقديرهم يغرس هذا المفهوم لدى الأطفال، ممّا يدفعهم لاحترام كبار السن مستقبلا، فينشأ جيل يحمل معه ثقافة راقية..
٣-شعور الفرد بالأمان المستقبلي، وهو واثق بأنّه سينال الاحترام والتقدير من الآخرين.
٤-احترام كبار السن يدلّ على رفعة المجتمع وسموّه.
العنصر الثاني : احترام وتوقير العلماء .
لقد دعا ديننا إلى احترام وتوقير العلماء وأكد عليه ؛ لأنهم ورثة الأنبياء .
ومن هنا فإن أحقُّ الخلْقِ بالإكرامِ والتَّبجيلِ: الأنبياءُ، والأئمَّةُ، ومَن يَخلُفُهم مِن أُولي الأمْرِ، والعُلماءُ، والسَّادةُ، والرَّجلُ في أهْلِه؛ حتى لا يُؤخَّرَ مُقدَّمٌ ولا يُقدَّمَ مُؤخَّرٌ، فتَنفِرَ القلوبُ والخواطرُ، وتَضطرِبَ الأحوالُ؛ فمَن تألَّفَت فيه هذه المنازلُ فهو المُقدَّمُ.
وهذا أدَبٌ نَبويٌّ وتربيةٌ قويمةٌ، وفيها الحَضُّ على مُراعاةِ مَقاديرِ الناسِ، ومَراتبِهم، ومناصبِهم، فيُعامَلُ كلُّ واحدٍ منهم بما يَلِيقُ بحالِه، وبما يُلائمُ مَنصِبَه في الدِّينِ، والعلمِ، والشَّرَفِ، والمرتبةِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى قد رتَّبَ عبيدَه وخَلْقَه، وأعطى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، ولكنْ يَنبغي أنْ يُحمَلَ هذا الأمْرُ بالإكرامِ على ما إذا لم يَحصُلْ ضَررٌ في الدِّينِ لأيٍّ مِن الطَّرفينِ؛ فإنَّ تَبجيلَ الكافرِ كُفْرٌ، ومَن وقَّرَ صاحبَ بِدْعةٍ فقد أعان على هَدْمِ الإسلامِ (الدرر السنية)..
ومما لا شك فيه أن الإسلام قد رفع من قدر العلماء وأصحاب الفضل وأمر باحترامهم وإجلالهم .
قال أبو الأسود رحمه الله : ليس شيء أعز من العلم وذلك أن الملوك حكام على الناس ، والعلماء حكام على الملوك ..
ولأن الله نفى التسوية بينهم وبين غيرهم بقوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } .
وفي الحديث الشريف:
“إنَّ من إجلالِ اللَّهِ إِكْرامَ ذي الشَّيبةِ المسلِمِ، وحاملِ القرآنِ غيرِ الغالي فيهِ والجافي عنهُ، وإِكْرامَ ذي السُّلطانِ المقسِطِ”.
أخرجه الإمام أبو داود وسنده حسن .
ولأن العلماء في الأمة نجوماً يهتدي بها الناس في الظلمات ، وشواطئ نجاة ومستقر أمان ..
وصفهم الإمام الآجري رحمه الله بقوله : ما ظنكم بطريق فيه آفات كثيرة ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء ، فإن لم يكن فيه ضياء تحيروا ، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم ، فسلكوه على السلامة والعافية ، ثم جاءت طبقات من الناس ، لابد لهم من السلوك فيه فسلكوه ، فبينما هم كذلك إذ طفأت المصابيح فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بربكم ؟ وهكذا العلماء في الناس ..فإذا ماتوا تحير الناس ، ودرس العلم بموتهم ، وظهر الجهل . أ . هـ.
وقال أيوب : إني أخبر بموت الرجل من علماء أهل السنة كأني أفقد عضوا من أعضائي .
وقال يحيى بن جعفر : لو قدرت أن أزيد في عمر الإمام البخاري ، من عمري لفعلت ، فإن موتي يكون موت رجل واحد ، وموته ذهاب العلم .
وقال الامام أبو حنيفة في شيخه حماد : ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والدي ، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه أو علمني علما ..
العنصر الثالث : احترام المسلم لأخيه المسلم وغير المسلم ..
ومن صور قيمة الاحترام المباركة :
احترام المسلم لأخيه المسلم، وغير المسلم ، وقد دلت نصوص الوحي من الكتاب والسنة على ذلك، فقد جاء في الحديث الشريف: “المسلمُ أخو المسلمِ لا يخونُهُ ولا يَكذِبُهُ، ولا يخذلُهُ، كلُّ المسلمِ علَى المسلمِ حرامٌ: عِرضُهُ ومالُهُ ودمُهُ.
كما أمرنا الخالق سبحانه وتعالى باحترام غير المسلمين الذين يختلفون معنا في العقيدة ، وذلك من خلال احترام إنسانيتهم وآدميتهم..
وهكذا لم تقتصر قيمة احترام الكبير ورعايته على المسلم؛ بل شملت غير المسلم طالما أنه يعيش بين المسلمين، فها هي كتب التاريخ تسطر بأحرف ساطعة موقف عمر -رضي الله عنه- مع ذلك الشيخ اليهودي الكبير، فيذكر أبو يوسف في كتابه (الخراج) عن عُمَر بْن نَافِع عَن أبي بكرَة قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِبَابِ قَوْمٍ وَعَلَيْهِ سَائِلٌ يَسْأَلُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَضَرَبَ عَضُدَهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَقَالَ: مِنْ أَيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْتَ؟ فَقَالَ: يَهُودِيٌّ. قَالَ: فَمَا أَلْجَأَكَ إِلَى مَا أَرَى؟ قَالَ: أَسْأَلُ الْجِزْيَةَ وَالْحَاجَةَ وَالسِّنَّ. قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ، وَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَرَضَخَ لَهُ بِشَيْء مِنَ الْمَنْزِلِ [أَي أعطَاهُ شَيْئا لَيْسَ بالكثير]، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَازِنِ بَيْتِ الْمَالِ فَقَالَ: انْظُرْ هَذَا وَضُرَبَاءَهُ؛ فَوَاللَّهِ مَا أَنْصَفْنَاهُ أَن أكلنَا شَبِيْبَتَهُ ثُمَّ نَخُذُلُهُ عِنْدَ الْهَرَمِ “إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين”، وَالْفُقَرَاءُ هُمُ الْمُسْلِمُونَ وَهَذَا مِنَ الْمَسَاكِينِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَوَضَعَ عَنْهُ الْجِزْيَةَ وَعَنْ ضُرَبَائِهِ. قَالَ: قَالَ أَبُو بكرَة: أَنَا شَهِدْتُ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ وَرَأَيْتُ ذَلِكَ الشَّيْخَ..
وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضَع عنه الجزية وعن أمثاله ومَن هُم في سِنه في جميع البلاد الإسلامية..
وهذا خالد بن الوليد عندما صالح أهل الحيرة وجاء في صلحه معهم أنه قال: وجعلت لهم أيّما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته، وعِيل من بيت مال المسلمين.
لقد كانَ الاهتمامُ بالكبارِ منهجًا مُتبعًا عند خلفاءِ المسلمين، فهذا الخليفةُ الراشدُ عمرُ بنُ عبد العزيز رحمه الله جعل َكفَالةَ الطاعنين في السنِ من الذميين نظامًا مفروضًا على ولاته، ففي كتاب الأموالِ لابنِ زنجويه، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءِ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ جِسْرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: شَهِدْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ، وكانَ عاملُه على البَصْرَةِ قُرِئَ عَلَيْنَا بِالْبَصْرَةِ: “أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، إِنَّمَا أَمَرَ أَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ رَغِبَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَاخْتَارَ الْكُفْرَ عُتُوًا وَخُسْرَانًا مُبِينًا، فَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ أَطَاقَ حِمْلَهَا. وَخَلِّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عِمَارَةِ الْأَرْضِ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِمَعَاشِ الْمُسْلِمِينَ، وَقُوَّةً عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَانْظُرْ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، قَدْ كَبِرَتْ سِنُّهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَوَلَّتْ عَنْهُ الْمَكَاسِبُ، فَأَجْرِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُصْلِحُهُ. فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَانَ لَهُ مَمْلُوكٌ كَبُرَتْ سِنُّهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَوَلَّتْ عَنْهُ الْمَكَاسِبُ، كَانَ مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُوتَهُ أَوْ يُقَوِّيَهُ، حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ عِتْقٌ..
كما دعا الإسلام كذلك إلى احترام عقيدتهم ودينهم على قاعدة “لكم دينكم ولي دين” ، وعدم الاعتداء عليهم أو على ممتلكاتهم ومعابدهم .
وغير ذلك من صور الاحترام التي لا يحدها قلم ، ولا يحصرها بيان .
أين منظمات حقوق الإنسان اليوم عن مثل هذه الأحكام وهذه التشريعات؟! ولماذا لا نعود لقيمنا وأخلاقنا ونعلمها لأبنائنا وننشرها للعالم كله؟ ففيها السعادة والراحة والحب والتآلف والتراحم..
♦ وختاماً :
يا أخوة الإسلام : نحن بحاجة إلى قيم وأخلاق الإسلام أكثر من أي وقت مضى وبخاصة قيمة احترام الكبير وأصحاب الفضل الذي أصبح عملة نادرة ،وقيمة مفقودة في هذا الزمان .
وإذا كانت توجيهات هذا الدين نحو الكبار واحترامهم بهذا السمو، فأين هذه القيمة العظيمة في حياتنا؟
وأين حقوقهم في مجتمعاتنا وفي سلوكنا وتعاملاتنا؟ فكم من أبوين كبيرين عقهما وهجرهما وأساء معاملتهما أبناؤهما! وكم من شيخ أو إنسانٍ كبير تطاول عليه الصغار والشباب وسخروا من كلامه ورأيه، وتقدموا عليهم في المجالس والطعام والشراب! وكم نرى شبابًا تستطيلُ ألسنتهم على الكبار! وكم نرى شباباً لا يعرِف للكبير أيَّ قدرٍ ولا أيَّ مكانة! قد يلمِزه بجهله، وقد يلمزه بضَعف رأيه، وقد يلمزه بقِلّة علمه، وقد يلمِزه بعدَم نظافةِ ملبَسه..
فاحرصوا على برهم وحسن معاملتهم تغنموا بدعوة صالحة منهم ؛ فكَمْ مِنْ دَعْوَةِ وَالِدٍ أَوْ مُسِنٍّ بِفَضْلِ اللهِ -تَعَالَى- قَرَّبَتْ بَعِيدًا، وَيَسَّرَتْ عَسِيرًا، وَغَيَّرَتْ أَحْوَالاً، وَجَعَلَتْ مَكَانَ الآلَامِ آمَالاً، وَمَكَانَ الهَمِّ وَالحُزْنِ فَرَحًا وَسُرُورًا!، وَفِي المُقَابِلِ كَمْ مِنْ دَعْوَةِ مُسِنٍّ مَظْلُومٍ مَقْهُورٍ فَرَّقَتْ جَمْعًا، وَأَبْدَلَت الغِنَى فَقْرًا، وَالصِّحَّةَ مَرَضًا!، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ..واعلم أن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان..
اللهم اهدنا واهدى بنا واجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين ..
واللهم اهدي عصاة المسلمين وشباب المسلمين أجمعين ، واستر بنات المسلمين يارب العالمين .
واللهم نسألك من الخير كله عاجله وآجله ، ما علمنا منه وما لم نعلم ، ونعوذُ بك من الشر كله عاجله وآجله ، ما علمنا منه وما لم نعلم .
مجلة روح الاسلام فيض المعارف