القوميات ما قبل الإسلامية وإعادة تشكيل الوعي، قراءة نقدية في المسارات الخفية لإحياء الهويات الفرعونية والأمازيغية والسريانية

بقلم الكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

شهدت المنطقة العربية والإسلامية خلال العقود الماضية صعودًا لافتًا لدعوات تُعيد إحياء الهويات الفرعونية والأمازيغية والسريانية، وتقدمها في صورة تيارات ثقافية تسعى إلى تحقيق نهضة حضارية تستند إلى عمق التاريخ القديم. هذا الطرح يبدو في ظاهره مشروعًا ثقافيًا أو معرفيًا يروم إعادة الاعتبار للتراث المحلي واللغات القديمة، إلا أن القراءة المتأنية لخطابه، وأدواته، وجمهوره، والقوى الداعمة له تكشف أن المسألة تتجاوز حدود إحياء الذاكرة الثقافية، لتلامس إعادة تشكيل الوعي الديني والوطني، وتوجيه الهوية باتجاهات قد تتصادم مع المرجعية الإسلامية الجامعة.

السياق الذي تنمو فيه هذه الدعوات يشي بمحاولة إعادة تعريف الانتماء في العالم العربي على أسس منفصلة عن الدائرة الحضارية الإسلامية التي شكلت الإطار الأوسع لهوية الشعوب منذ القرون الأولى للهجرة. ما يُطرح اليوم باسم الهوية الفرعونية أو الأمازيغية أو السريانية لا يكتفي بالتذكير بالموروث التاريخي، بل يعمل على بناء خطاب يستبدل المرجعية الإسلامية بمرجعيات ماضوية يتم استحضارها بصورة انتقائية، ويُعاد تقديمها كجذر بديل ينبغي العودة إليه لإعادة تشكيل الذات.

من أبرز الإشكالات التي تطرحها هذه الدعوات أنها تسعى إلى تقديم القومية القديمة باعتبارها الهوية الأصلية التي غيّبها الإسلام. هنا يتحول الخلاف من نقاش ثقافي إلى مواجهة بين تصورين للوجود: تصور قومي يختزل الهوية في لغات وأساطير ورموز ما قبل الإسلام، وتصور ديني يرى أن الإسلام كان مشروعًا لتحرير الإنسان من الانغلاق القَبَلي، وفتح أفق الانتماء إلى فضاء إنساني أرحب. هذا التباين لا يبقى نظريًا، بل ينعكس على بنية الوعي الجمعي، فيختلق تضادًا مصطنعًا بين الدين والثقافة، ويضع الفرد في موقع اختيار عدائي بين الانتماء الإسلامي والانتماء التاريخي.

أحد أخطر مفاعيل هذا الخطاب أنه لا يقدم الهوية القومية بوصفها جزءًا من فسيفساء الهوية، بل بوصفها بديلاً عنها. فيتم إضعاف مركزية الإسلام في تشكيل الوجدان العام، ويجري التعامل مع الحضارات القديمة بوصفها العصر الذهبي، مقابل تصوير العصور الإسلامية على أنها انقطاع تاريخي أو غزو ثقافي. لهذه الغاية، تستخدم الدعوات القومية أدوات معرفية وإعلامية متعددة، تبدأ بإعادة كتابة التاريخ وفق سرديات مخصوصة، وتستثمر الإنتاج الدرامي الذي يعيد تقديم الماضي بأسلوب يجذب المتلقي العادي، ويصنع له ذاكرة جديدة تتعارض مع هويته العقائدية.

هذه الخطابات لا تتحرك منفردة، بل تستفيد في كثير من الحالات من بيئات سياسية عالمية تسعى إلى تفكيك البنى الكبرى في العالم العربي والإسلامي، وتفتح المجال أمام إعادة إنتاج هويات صغرى تؤدي إلى تشظّي المجتمعات، وإضعاف قدرتها على التماسك والاستقرار. لقد أدركت القوى المعادية أن ضرب الأمة يبدأ من ضرب هويتها الجامعة، وأن أفضل طريقة لذلك ليست المواجهة المباشرة مع الدين، وإنما تفكيك مركزية الدين عبر تعظيم الهويات التاريخية القديمة وربط الإنسان بها عاطفيًا ومعرفيًا.

المفارقة أن الإسلام لم يكن في يوم من الأيام عدوًا للهويات الثقافية. بل هو الدين الذي حافظ على اللغات واللهجات والعادات، وصاغها ضمن إطار حضاري متكامل، دون أن يصادر خصوصياتها. التنوع الثقافي جزء من السنن الإنسانية التي أكدها القرآن الكريم حين قال: وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. غير أن تحويل هذا التنوع إلى سلاح يُوجَّه ضد الإسلام يفقد القوميات قيمتها الأصيلة، ويحيلها إلى أدوات صراع بدل أن تكون مصادر إثراء حضاري.

من المنظور الإسلامي، الوحدة ليست ضد الخصوصية الثقافية، بل هي الإطار الذي يمنع العصبيات من التحول إلى صراع. وقد جسد النبي الكريم هذا المبدأ حين أدان الانحيازات القبلية بقوله: دعوها فإنها منتنة، في إشارة إلى أن العصبية حين تتحول إلى أداة انقسام تصبح مصدرًا للفتنة. الإسلام يقرّ الاعتزاز بالإرث التاريخي، لكنه يرفض أن يتحول هذا الاعتزاز إلى إنكار للدور الذي أدّاه الدين في تحرير الإنسان، وصناعة حضارة امتدت من الصين إلى الأندلس.

إن مواجهة الدعوات القومية المتطرفة لا تعني رفض الموروث الحضاري، ولا تحقير الخصوصيات الثقافية، وإنما تعني إعادة وضعها في الإطار السليم الذي يعترف بقيمتها دون أن يسمح بتحويلها إلى سلاح هدام. يمكن للمصري أن يفتخر بعمق حضارته الفرعونية، وللأمازيغي أن يحتفي بلغته وهويته، وللسرياني أن يعتز بإرثه الثقافي واللغوي، ولكن من داخل مشروع حضاري يستوعب الجميع ولا يضعهم في مواجهة مع دينهم.

المعركة الحقيقية هي معركة وعي؛ وعي بالتاريخ، وبالدين، وبالحضارة. إعادة الاعتبار للدين كإطار جامع لا تعني إلغاء الهويات، بل تنظيمها في منظومة توازن بين الانتماء الروحي والانتماء الثقافي. أما الانحياز القومي المتطرف، فينبغي تفكيكه باعتباره جزءًا من مشروع أكبر يرمي إلى إعادة المجتمعات العربية إلى حالة من الانقسام شبيهة بما قبل الإسلام، حيث كانت القبيلة تهيمن على الفرد، وتُحدّد موقعه في العالم.

ختامًا، إن إعادة إحياء الهويات الفرعونية والأمازيغية والسريانية ليست مشكلة في ذاتها، بل في توجيهها نحو صدام مع الإسلام أو استخدامها كمدخل لتفكيك المجتمعات. الطريق الأمثل هو أن يُعاد تشكيل الخطاب الثقافي بحيث يدمج هذه الهويات في الفضاء الحضاري الإسلامي الواسع، ويقدمها بوصفها مكونات ثرية في تاريخ الأمة، لا بوصفها بدائل تُراد لها أن تحل محل الدين أو أن تناقضه. بهذه الرؤية المتوازنة وحدها يمكن للأمم أن تستعيد تماسكها، وأن تحمي وعيها من مشاريع التفكيك التي تتخفى وراء شعارات الهوية والانتماء.